التراثية

تجارة البخور.. بوابة للسطو والسحر في بيوت الجنوب

منى بن هيبة

تفاقمتْ‭ ‬في‭ ‬مدن‭ ‬الجنوب‭ ‬ظاهرة‭ ‬البائعات‭ ‬المتجولات‭ ‬من‭ ‬المهاجرات‭ ‬غير‭ ‬الشرعيات‭ ‬اللواتي‭ ‬يتخذن‭ ‬من‭ ‬بيع‭ ‬‮«‬البخور‭ ‬والعطور‮»‬‭ ‬واجهة‭ ‬لغايات‭ ‬تثير‭ ‬القلق‭ ‬والريبة‭ ‬بين‭ ‬أوساط‭ ‬العائلات‭ ‬الجنوبية‭ ‬إنَّ‭ ‬ما‭ ‬يشهده‭ ‬الواقع‭ ‬اليوم‭ ‬يتجاوز‭ ‬حدود‭ ‬التجارة‭ ‬البسيطة‭ ‬إلى‭ ‬ممارسات‭ ‬تمس‭ ‬أمن‭ ‬البيوت‭ ‬وسلامة‭ ‬الأفراد،‭ ‬وتضع‭ ‬المجتمع‭ ‬أمام‭ ‬تحديات‭ ‬أمنية‭ ‬واجتماعية‭ ‬خانقة‭.‬

القصة‭ ‬دائمًا‭ ‬تبدأ‭ ‬بطرق‭ ‬الأبواب‭ ‬

تحت‭ ‬ستار‭ ‬كسب‭ ‬الرزق‭ ‬والبحث‭ ‬عن‭ ‬القوت‭ ‬اليومي؛‭ ‬حيث‭ ‬تتسلل‭ ‬البائعة‭ ‬إلى‭ ‬داخل‭ ‬البيت‭ ‬مستغلة‭ ‬طيبة‭ ‬وكرم‭ ‬أصحاب‭ ‬الدار‭ ‬لكن‭ ‬سرعان‭ ‬ما‭ ‬يتحوَّل‭ ‬هذا‭ ‬اللطف‭ ‬إلى‭ ‬استغلال‭ ‬فج‭ ‬فمن‭ ‬طلب‭ ‬شربة‭ ‬ماء،‭ ‬أو‭ ‬لقمة‭ ‬طعام‭ ‬تنتقل‭ ‬البائعة‭ ‬إلى‭ ‬متسولة‭ ‬تترصد‭ ‬زوايا‭ ‬البيت،‭ ‬وتطالب‭ ‬بكل‭ ‬ما‭ ‬تقع‭ ‬عليه‭ ‬عينها‭ ‬وتنتظر‭ ‬مواسم‭ ‬الأعياد‭ ‬لتتسول‭ ‬نصيبها‭ ‬من‭ ‬الأضحية‭ ‬والمؤن‭ ‬في‭ ‬تداخل‭ ‬صارخ‭ ‬بين‭ ‬البيع‭ ‬والابتزاز‭.‬

تفاصيل‭ ‬تجربة‭ ‬مروعة

وتتجاوز‭ ‬المخاطر‭ ‬مجرد‭ ‬التسول‭ ‬إلى‭ ‬التهديد‭ ‬المباشر‭ ‬للسلامة‭ ‬الشخصية‭ ‬إذ‭ ‬تروي‭ ‬إحدى‭ ‬السيدات‭ ‬تفاصيل‭ ‬تجربتها‭ ‬المروعة‭ ‬حين‭ ‬استقبلتْ‭ ‬بائعة‭ ‬بمفردها‭ ‬داخل‭ ‬منزلها‭ ‬لتقوم‭ ‬الأخيرة‭ ‬بانتهاز‭ ‬فرصة‭ ‬غيابها‭ ‬عن‭ ‬الغرفة‭ ‬وتتسلَّل‭ ‬إلى‭ ‬المطبخ‭ ‬محاولة‭ ‬سلب‭ ‬قلادة‭ ‬ذهبية‭ ‬من‭ ‬جيد‭ ‬السيدة‭ ‬وسط‭ ‬أجواء‭ ‬من‭ ‬الرعب‭ ‬انتهت‭ ‬بصرخات‭ ‬الاستغاثة‭ ‬وفرار‭ ‬البائعة‭ ‬ببضاعتها‭ ‬تاركة‭ ‬خلفها‭ ‬سيدة‭ ‬في‭ ‬حالة‭ ‬فزع‭ ‬عميق‭.‬

أما‭ ‬الوجه‭ ‬الأكثر‭ ‬غموضًا‭ ‬ورعبًا‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الظاهرة‭ ‬

فهو‭ ‬التورط‭ ‬في‭ ‬أعمال‭ ‬‮«‬السحر‭ ‬والشعوذة»؛‭ ‬حيث‭ ‬تروي‭ ‬سيدة‭ ‬أخرى‭ ‬كيف‭ ‬تحولتْ‭ ‬رغبتها‭ ‬في‭ ‬اقتناء‭ ‬الروائح‭ ‬الطيبة‭ ‬إلى‭ ‬مأساة‭ ‬صحية‭ ‬وروحية‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬ألحّتْ‭ ‬عليها‭ ‬إحدى‭ ‬البائعات‭ ‬شراء‭ ‬نوع‭ ‬معين‭ ‬من‭ ‬بخور‭ ‬الظفر‭ ‬لتكتشف‭ ‬السيدة‭ ‬بعد‭ ‬معاناة‭ ‬طويلة‭ ‬مع‭ ‬المرض‭ ‬ودوامات‭ ‬العلاج‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬تجدِ‭ ‬نفعًا‭ ‬أنها‭ ‬تعرضت‭ ‬لسحر‭ ‬مشموم‭ ‬دفعت‭ ‬ثمنه‭ ‬من‭ ‬مالها‭ ‬الخاص‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬شخص‭ ‬معالج‭ ‬روحاني‭ ‬حالتها‭ ‬بأنها‭ ‬وقعت‭ ‬ضحية‭ ‬لتركيبة‭ ‬سحرية‭ ‬اشترتها‭ ‬بيديها‭.‬

سلوكيات‭ ‬مشبوهة

ولا‭ ‬يتوقف‭ ‬الأمر‭ ‬عند‭ ‬حدود‭ ‬البخور‭ ‬فالمشهد‭ ‬في‭ ‬شوارع‭ ‬الجنوب‭ ‬يعكس‭ ‬سلوكيات‭ ‬مشبوهة؛‭ ‬حيث‭ ‬تترصد‭ ‬بعض‭ ‬هؤلاء‭ ‬البائعات‭ ‬حاويات‭ ‬القمامة‭ ‬لجمع‭ ‬قاذورات‭ ‬البيوت‭ ‬وتوظيفها‭ ‬في‭ ‬ممارسات‭ ‬سحرية‭ ‬مظلمة‭ ‬مما‭ ‬زاد‭ ‬من‭ ‬حالة‭ ‬الوجل‭ ‬والحذر‭ ‬لدى‭ ‬المواطنين‭.‬

إن‭ ‬هذا‭ ‬الواقع‭ ‬دفع‭ ‬كثيرٍ‭ ‬من‭ ‬الأسر‭ ‬الجنوبية‭ ‬لاتخاذ‭ ‬مواقف‭ ‬حازمة‭ ‬وجديدة‭ ‬في‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬هذه‭ ‬الظاهرة؛‭ ‬حيث‭ ‬باتت‭ ‬العائلات‭ ‬ترفض‭ ‬استقبال‭ ‬البائعات‭ ‬داخل‭ ‬البيوت‭ ‬نهائيًا‭ ‬والاكتفاء‭ ‬بالشراء‭ ‬من‭ ‬خلف‭ ‬الأبواب‭ ‬المغلقة‭ ‬أو‭ ‬الطرد‭ ‬المباشر‭ ‬لهن‭ ‬حماية‭ ‬للخصوصية‭ ‬ودرءًا‭ ‬للمخاطر‭ ‬المحتملة‭ ‬مما‭ ‬يعكس‭ ‬حالة‭ ‬من‭ ‬التوجس‭ ‬المجتمعي‭ ‬تجاه‭ ‬هذه‭ ‬الظاهرة‭ ‬التي‭ ‬حولت‭ ‬الأبواب‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬مفتوحة‭ ‬للضيف‭ ‬إلى‭ ‬حصون‭ ‬ترفض‭ ‬الدخول‭ ‬خوفًا‭ ‬من‭ ‬الغدر،‭ ‬أو‭ ‬السحر‭.‬

يبقى‭ ‬السؤال

إنَّ‭ ‬الجنوب‭ ‬اليوم‭ ‬يقف‭ ‬أمام‭ ‬مسؤولية‭ ‬مجتمعية‭ ‬كبيرة‭ ‬تتطلب‭ ‬الحذر‭ ‬الشديد‭ ‬والوعي‭ ‬بأن‭ ‬بعض‭ ‬الطرق‭ ‬على‭ ‬الأبواب‭ ‬ليستْ‭ ‬طلبا‭ ‬للرزق‭ ‬بل‭ ‬هي‭ ‬مداخل‭ ‬لمخاطر‭ ‬باتت‭ ‬تهدد‭ ‬أمن‭ ‬واستقرار‭ ‬بيوتنا‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬يومًا‭ ‬ملاذًا‭ ‬آمنًا‭ ‬للجميع‭.‬

يبقى‭ ‬السؤال‭ ‬العريض‭ ‬المطروح‭ ‬اليوم‭:‬‭ ‬كيف‭ ‬تنظر‭ ‬الجهات‭ ‬المعنية‭ ‬في‭ ‬الجنوب‭ ‬الليبي‭ ‬إلى‭ ‬تنامي‭ ‬هذه‭ ‬المخاطر‭ ‬الأمنية‭ ‬والاجتماعية‭ ‬الناتجة‭ ‬عن‭ ‬تغلغل‭ ‬هؤلاء‭ ‬البائعات‭ ‬داخل‭ ‬النسيج‭ ‬المجتمعي؟‭.‬

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى