التراثية

عبقرية صحراء في بناء قباب الرمل

منى بن هيبة

‭ ‬العمارة‭ ‬كاستجابة‭ ‬لا‭ ‬كاستعراض

تُمثل‭ ‬بيوت‭ )‬الزريبة‭ ‬والأكواخ‭ ‬السعفية‭( ‬المنتشرة‭ ‬في‭ ‬عمق‭ ‬الصحراء‭ ‬الكبرى‭ ‬في‭ ‬شمال‭ ‬أفريقيا‭ ‬كـ‭)‬ليبيا‭ ‬والجزائر‭( ‬نموذجاً‭ ‬فذاً‭ ‬وفريداً‭ ‬لعبقرية‭ ‬العمارة‭ ‬التقليدية،‭ ‬فهذه‭ ‬الأبنية‭ ‬ليست‭ ‬مجرد‭ ‬مأوى‭ ‬عابر‭ ‬لدرء‭ ‬أخطار‭ ‬الطبيعة،‭ ‬بل‭ ‬هي‭ ‬نتاج‭ ‬هندسي‭ ‬متوارث،‭ ‬تم‭ ‬صقله‭ ‬عبر‭ ‬أجيال‭ ‬من‭ ‬التجربة‭ ‬والخطأ،‭ ‬ليقدّم‭ ‬استجابة‭ ‬حيّة‭ ‬ومستدامة‭ ‬لأقسى‭ ‬الظروف‭ ‬المناخية‭ ‬القاسية،‭ ‬إنها‭ ‬عمارة‭ ‬تنبثق‭ ‬من‭ ‬البيئة‭ ‬وتعود‭ ‬إليها،‭ ‬تاركةً‭ ‬الصحراء‭ ‬نقية‭ ‬كما‭ ‬كانتْ،‭ ‬ورافضة‭ ‬لكل‭ ‬أشكال‭ ‬التكلف‭ ‬الحضري‭ ‬الحديث‭.‬

المواد‭ ‬وتكوين‭ ‬الأكواخ‭:‬

‭ ‬هندسة‭ ‬المواد‭ ‬المتجددة

تعتمد‭ ‬هذه‭ ‬البيوت‭ ‬كليًا‭ ‬على‭ ‬مواد‭ ‬محلية‭ ‬متجدّدة‭ ‬وخفيفة‭ ‬الوزن،‭ ‬تتناغم‭ ‬تمامًا‭ ‬مع‭ ‬الطبيعة‭ ‬الصحراوية‭: ‬جريد،‭ ‬وسعف‭ ‬النخيل‭:‬‭ ‬المادة‭ ‬الأساسية‭ ‬التي‭ ‬تعمل‭ ‬كعازل‭ ‬حراري‭ ‬ممتاز؛‭ ‬حيث‭ ‬تسمح‭ ‬بمرور‭ ‬تيارات‭ ‬الهواء‭ ‬البسيطة‭ ‬لتحقيق‭ ‬تهوية‭ ‬ذاتية‭ ‬مستمرة،‭ ‬مع‭ ‬حجب‭ ‬أشعة‭ ‬الشمس‭ ‬الحارقة‭ ‬بشكل‭ ‬تام‭. ‬جذوع‭ ‬النخل،‭ ‬أو‭ ‬أغصان‭ ‬الشجر‭ ‬القوية‭:‬‭ ‬تُستخدم‭ ‬كأعمدة‭ ‬هيكلية‭ ‬داخلية‭ ‬مخفية‭ ‬تحت‭ ‬السعف‭ ‬لتدعيم‭ ‬البناء‭. ‬الحبال‭ ‬الليفية‭:‬‭ ‬تُستخدم‭ ‬لربط‭ ‬السعف‭ ‬ببعضه‭ ‬البعض‭ ‬بإحكام‭ ‬شديد‭ ‬لضمان‭ ‬عدم‭ ‬تطايره‭ ‬مع‭ ‬الرياح‭.‬

الشكل‭ ‬الهرمي‭ ‬المدبب‭:‬

‭ ‬الانسيابية‭ ‬الهوائية‭ ‬وتصريف‭ ‬الرمال

إن‭ ‬الشكل‭ ‬المخروطي،‭ ‬أو‭ ‬الهرمي‭ ‬الحاد‭ ‬للزريبات‭ ‬ليس‭ ‬خياراً‭ ‬جمالياً،‭ ‬أو‭ ‬عشوائياً،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬السر‭ ‬الكامن‭ ‬خلف‭ ‬صمودها‭ ‬المذهل‭ ‬أمام‭ ‬الرياح‭ ‬العاتية‭: ‬كسر‭ ‬حدة‭ ‬الرياح‭: ‬الزوايا‭ ‬الحادة‭ ‬والجوانب‭ ‬المائلة‭ ‬تجعل‭ ‬الرياح‭ ‬تنزلق‭ ‬بانسيابية‭ ‬تامة‭ ‬فوق‭ ‬سطح‭ ‬الكوخ‭ ‬بدلاً‭ ‬من‭ ‬الاصطدام‭ ‬به‭ ‬بشكل‭ ‬مباشر،‭ ‬مما‭ ‬يقلل‭ ‬تماماً‭ ‬من‭ ‬قوة‭ ‬السحب‭ ‬والضغط‭ ‬الهوائي‭ ‬السلبي‭ ‬الذي‭ ‬غالباً‭ ‬ما‭ ‬يقتلع‭ ‬الأبنية‭ ‬ذات‭ ‬الأسقف‭ ‬المسطحة‭. ‬تصريف‭ ‬الرمال‭: ‬يمنع‭ ‬هذا‭ ‬الشكل‭ ‬الهندسي‭ ‬المدبب‭ ‬تراكم‭ ‬الرمال‭ ‬فوق‭ ‬السقف؛‭ ‬فالرمل‭ ‬الزاحف‭ ‬يتساقط‭ ‬بسلاسة‭ ‬حول‭ ‬القاعدة‭ ‬ولا‭ ‬يثقل‭ ‬كاهل‭ ‬الهيكل‭ ‬العظمي‭ ‬للبيت‭.‬

ديناميكية‭ ‬التثبيت‭ ‬الرملي‭:‬

‭ ‬الشراكة‭ ‬لا‭ ‬المواجهة

لا‭ ‬تتعامل‭ ‬هذه‭ ‬البيوت‭ ‬مع‭ ‬الرمل‭ ‬كعدو‭ ‬يجب‭ ‬صده،‭ ‬بل‭ ‬كشريك‭ ‬بنيوي؛‭ ‬فالسر‭ ‬يكمن‭ ‬في‭ ‬المرونة‭ ‬والدفن‭ ‬العميق‭: ‬التثبيت‭ ‬الغائر‭: ‬يتم‭ ‬غرس‭ ‬الأعمدة‭ ‬الهيكلية‭ ‬الأساسية‭ ‬في‭ ‬أعماق‭ ‬كبيرة‭ ‬داخل‭ ‬الرمل،‭ ‬وتُثبت‭ ‬أحياناً‭ ‬بوضع‭ ‬أحجار،‭ ‬أو‭ ‬كتل‭ ‬طينية‭ ‬في‭ ‬الأسفل‭ ‬لزيادة‭ ‬الوزن‭ ‬الميت‭. ‬التلاحم‭ ‬مع‭ ‬الرمل‭: ‬الرمل‭ ‬الزاحف‭ ‬الذي‭ ‬يحيط‭ ‬بالقاعدة‭ ‬يعمل‭ ‬كـ‭ ‬ثقل‭ ‬موازن؛‭ ‬وكلما‭ ‬زاد‭ ‬الرمل‭ ‬حول‭ ‬القاعدة،‭ ‬زاد‭ ‬ضغطه‭ ‬على‭ ‬الأطراف‭ ‬السفلية‭ ‬للسعف،‭ ‬مما‭ ‬يجعل‭ ‬البيت‭ ‬أكثر‭ ‬ثباتاً‭ ‬وكأن‭ ‬الرمل‭ ‬يتبناه‭ ‬ويحميه‭. ‬المرونة‭: ‬على‭ ‬عكس‭ ‬الإسمنت‭ ‬الذي‭ ‬يتشقق‭ ‬مع‭ ‬حركة‭ ‬الرمل،‭ ‬فإن‭ ‬السعف‭ ‬يتحرك‭ ‬بمرونة‭ ‬طفيفة‭ ‬جداً‭ ‬مع‭ ‬الرياح،‭ ‬مما‭ ‬يمتص‭ ‬الطاقة‭ ‬الحركية‭ ‬دون‭ ‬انكسار‭.‬

التباعد‭ ‬الجغرافي‭:‬

‭ ‬تكتيك‭ ‬وقائي‭ ‬وفلسفة‭ ‬مجتمعية

إنَّ‭ ‬توزيع‭ ‬هذه‭ ‬البيوت‭ ‬بمسافات‭ ‬متباعدة‭ ‬ومدروسة‭ ‬هو‭ ‬تكتيك‭ ‬وقائي‭ ‬ذكي‭ ‬يمنع‭ ‬ظاهرة‭ ‬الطمر‭ ‬الجماعي؛‭ ‬فلو‭ ‬كانت‭ ‬البيوت‭ ‬متلاصقة‭ ‬لشكلت‭ ‬سداً‭ ‬منيعاً‭ ‬يتسبب‭ ‬في‭ ‬تجمع‭ ‬كثبان‭ ‬رملية‭ ‬هائلة‭ ‬خلفها‭ ‬تؤدي‭ ‬لدفن‭ ‬القرية‭ ‬بأكملها‭. ‬يتيح‭ ‬التباعد‭ ‬خلق‭ ‬ممرات‭ ‬طبيعية‭ ‬للرياح‭ ‬تسمح‭ ‬بمرور‭ ‬الرمال‭ ‬بحرية،‭ ‬فضلاً‭ ‬عن‭ ‬توفير‭ ‬حماية‭ ‬أمان‭ ‬ضد‭ ‬انتقال‭ ‬الحرائق‭ ‬السريعة‭ ‬نظراً‭ ‬لقابلية‭ ‬السعف‭ ‬الجاف‭ ‬للاشتعال‭.‬

لغز‭ ‬الحجرة‭ ‬الواحدة‭ ‬والفصل‭ ‬الاجتماعي

قد‭ ‬يُشكل‭ ‬الكوخ‭ ‬الواحد‭ ‬من‭ ‬الداخل‭ ‬إشكالاً‭ ‬لمن‭ ‬يقرأوه‭ ‬بمنظور‭ ‬البيت‭ ‬ككتلة‭ ‬حضرية‭ ‬واحدة،‭ ‬لكن‭ ‬في‭ ‬الثقافة‭ ‬الصحراوية،‭ ‬البيت‭ ‬الحقيقي‭ ‬هو‭ ‬المجال‭ ‬المكاني‭ ‬الشامل‭ ‬الذي‭ ‬يضم‭ ‬مجموعة‭ ‬متكاملة‭ ‬من‭ ‬الأكواخ‭: ‬تعدد‭ ‬الوحدات‭: ‬لا‭ ‬تعيش‭ ‬الأسرة‭ ‬في‭ ‬كوخ‭ ‬واحد،‭ ‬بل‭ ‬يتم‭ ‬بناء‭ ‬عدة‭ ‬زريبات‭ ‬متجاورة؛‭ ‬كوخ‭ ‬للنوم،‭ ‬وآخر‭ ‬لخزانة‭ ‬المؤن،‭ ‬وثالث‭ ‬كـ‭ ‬مضافة‭ ‬لاستقبال‭ ‬الضيوف‭. ‬الفصل‭ ‬الاجتماعي‭: ‬يُحقق‭ ‬الفصل‭ ‬الاجتماعي‭ ‬بصرامة‭ ‬عبر‭ ‬تخصيص‭ ‬أكواخ‭ ‬مستقلة؛‭ ‬كوخ‭ ‬خاص‭ ‬بالنساء‭ ‬والأطفال‭ ‬وآخر‭ ‬للرجال،‭ ‬ليمتد‭ ‬الفضاء‭ ‬المعيشي‭ ‬إلى‭ ‬الساحات‭ ‬الرملية‭ ‬المفتوحة‭ ‬والظلال‭ ‬السعفية‭ ‬‮«‬العريش‮»‬‭ ‬للأنشطة‭ ‬النهارية‭.‬

‭ ‬عبقرية‭ ‬الاختزال‭ ‬النفعي

في‭ ‬التحليل‭ ‬الأخير،‭ ‬ترفض‭ ‬عمارة‭ ‬الزريبات‭ ‬المركزية‭ ‬والتعقيد‭ ‬المصطنع‭. ‬إنها‭ ‬تمثل‭ ‬أقصى‭ ‬درجات‭ ‬الاختزال‭ ‬النفعي؛‭ ‬فالصانع‭ ‬الفطري‭ ‬لا‭ ‬يبني‭ ‬غرفاً‭ ‬بل‭ ‬يبني‭ ‬وظائف‭ ‬ونظم‭ ‬إغلاق‭ ‬محكمة‭ ‬ضد‭ ‬قسوة‭ ‬الطبيعة‭. ‬إنه‭ ‬تصميم‭ ‬يقدس‭ ‬الفردانية‭ ‬داخل‭ ‬الجماعة،‭ ‬ويطوع‭ ‬فقر‭ ‬المادة‭ ‬ليخلق‭ ‬وفرة‭ ‬مذهلة‭ ‬في‭ ‬الخصوصية‭ ‬والأمان‭ ‬المناخي،‭ ‬تاركاً‭ ‬خلفه‭ ‬درساً‭ ‬خالداً‭ ‬في‭ ‬الاستدامة‭ ‬والتناغم‭ ‬المطلق‭ ‬بين‭ ‬الإنسان‭ ‬وبيئته‭ ‬الصحراوية‭.‬

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى