فنون

حوار مع القامة المسرحية والأنثروبولوجيا الثقافية: المخرج والفنان منصور سرقيوه

حاوره: طارق الجحاوي

مقدمة:
بين خشبة المسرح وعوالم الموسيقى والتشكيل والتلفزيون، يمتد مسار الفنان والمخرج القدير منصور سرقيوه، أحد القامات التي أسهمت في إثراء المشهد الثقافي والمسرحي الليبي عبر عقود من العطاء الإبداعي.
من بداياته المبكرة في أروقة الكشافة والمسرح المدرسي في درنة، مروراً بدراسته الأكاديمية للمسرح في بودابست بالمجر، ووصولاً إلى تجاربه الإخراجية والتمثيلية الرائدة في المسرح والتلفزيون؛ يفتح لنا القامة المسرحية قلبه وذاكرته في هذا الحوار الخاص. يتحدث عن محطات نشأته، والتصحيحات التوثيقية لمسيرته، ورؤيته لجماليات العرض المسرحي، ورسالته للأجيال الجديدة، وقراءته الناقدة لواقع الحركة المسرحية ومكانتها في المجتمع.
س: أستاذ منصور، تتحدث دوماً عن أثر البيئة الأولى في تشكيل وجدانك الفني.. كيف كان ذلك؟
ج: ولدت في يناير 1956، وكان والدي -رحمه الله- مهتماً بالثقافة والفنون لدرجة تكوين فرقة موسيقية في أواخر خمسينيات القرن الماضي. ما زلت أتذكر صورة موجودة في ألبوم الأسرة والتي يظهر فيها والدي محتضناً آلة العود وهي صورة أُخذت له على خشبة المسرح أثناء عرض فني موسيقي. كانت الآلات مثل العود والناي حاضرة في بيتنا منذ نعومة أظافري وقبل دخولي المدرسة. كما أن سينما “الشباب” وتُعرف أيضاً بسينما “الزني”، كانت قريبة جداً من منزلنا وعن سوق الظلام بالقرب من الجامع الكبير (العتيق). كان يصطحبني والدي، ولاحقاً أخي الكبير فتح الله، لمشاهدة الأفلام هناك، فضلاً عن الاستماع المستمر لراديو مصر ومتابعة المسلسلات والمنوعات والأغاني. 
س: وماذا عن النشاط المدرسي وتأثير الرفقة الفنية في بداياتك؟
ج: في الثانوية بداية السبعينات قدمنا مسرحيات كبيرة كل سنة؛ مثل (موعد نحن ضربناه)، (شمشون ودليلة)، و(أيوب)، وهي مسرحيات كبيرة استغرقت إحداها أكثر من ساعتين ونصف، بالإضافة للسكتشات والرقص والأغاني.
في المهرجان المدرسي الذي أقامته وزارة التعليم على مستوى ليبيا، وتأهلت فيه التصفيات من درنة إلى طرابلس لنلتقي ونتنافس على الجوائز المسرحية، تعرفت على أسماء بارزة من طلبة بنغازي ومصراته وطرابلس وسبها، مثل الكاتب منصور بوشناف، والشاعر والممثل حسين خالد خميس والفنان محمد الشوبكي، والناقد رضا بن موسى، والممثل سعد السماط (رحمه الله) من مدرسة شهداء يناير، والذي واصل مشواره في التلفزيون والمسرح والإذاعة. وكان من رفاقي من مدرسة إبراهيم الأسطى عمر الثانوية الكاتب عبد العظيم شلوف، وأحمد بللو، وحسين عبدالهادي، وسليمان المنفي. وغيرهم من المبدعين. 
س: درنة كانت دائماً حاضرة في تفاصيل تجربتك، كيف أثّر مناخها الثقافي والاجتماعي على ذائقتك؟
ج: درنة كانت حاضرة الشرق الليبي ورائدة في مجالات المعرفة والفنون. كانت مشاهداتي للعروض المسرحية في الكشاف، ونادي الاتحاد الأفريقي حاليا، ونادي دارنس، هذه العروض كانت تبث فيّ الفرح والسعادة. يضاف إلى ذلك الزوايا الصوفية؛ حيث كان جدي لأمي شيخ الطريقة العروسية في درنة، فكانت الأناشيد والأذكار حاضرة دوماً، وكذا الأعراس الدرناوية وما يصاحبها من عزف وغناء ورقص وجو مسرحي متكامل. 
س: تجربة الدراسة في بودابست بالمجر كانت محطة فارقة، كيف أثرت هذه الدورة الأكاديمية على تكوينك وتكوين جيلكم؟
ج: كانت دورة دراسية مكثفة لمدة عامين دراسيين في المعهد العالي للفنون المسرحية والسينمائية بالمجر. لم اتفاجأ كثيرا بالدروس والمواد لأنني كنت على اطلاع معقول بها، لكن معرفتي السابقة كانت عشوائية غير منتظمة،الدورة نظّمت وبوّبت مفاهيمنا المسرحية والفنية بشكل منتظم (تاريخ المسرح، أدب المسرح، الديكور، الأساليب والتكنيك). نتاج هذه الدورة كان له تأثير كبير ومميز على حركتنا المسرحية وتطورها بشهادة الجميع . 
س: قدمت اعمالاً لافته مع المسرح الوطني/ درنة وفرق اخرى، ما هي ابرز تلك المحطات الاخراجية والتمثيلية؟
ج: بداية أعمالي بالمسرح الوطني كان مشروع اخراج مسرحية ( ام السعد في الدور الرابع) 1981 ولم يكتمل بسبب سفري إلى الدورة الدراسية، عملت كمخرج مساعد مع استاذي خليفة بن زبيه في مسرحية (العمر نهبة والضحك حكمة) عام 1980 وقمت بتنفيذها لاحقا عام 1984. اخرجت مسرحية (احزان أفريقيا) عام 1985، ومثلت واخرجت مسرحية (الحارس) للكاتب الإنجليزي هارولد بنتر في مهرجان درنة الثقافي عام 1986 ونلت عنها جائزة احسن ممثل. كما اخرجت مسرحية ( تفاحة العم قريره) للأستاذ البوصيري عبدالله عام 1991، ومسرحية (المفتاح) للعراقي يوسف العاني عام 1997، ومسرحية (بندير موالف زفة) للكاتب علي الفلاح عام 1997و 1998، ومسرحية (بائع الريح) للكاتب سالم العوكلي (عن الكاتب خليفة الفاخري)عام 2006، ومسرحية (الخاسر يربح) لفرقة الفن المسرحي بطبرق عام 1999.
وفي التمثيل:
1. مسرحية (موعد نحن ضربناه). 
2. مسرحية (شمشون ودليلة). 
3. مسرحية (الحربة والسهم)،
4. مسرحية (أيوب). 
5. مسرحية (محاكمة رجل مجهول). 
6. مسرحية (الأرض تنبت الرجال). 
7. مسرحية (المعنى في باطن الأرض). 
8. مسرحية (العمر نهب والضحك حكمة)
9. مقاطع مسرحية أثناء الدراسة في بودابست: تمثيل مشاهد عديدة من (ألف ليلة وليلة) لعبد الكريم جولا المستشرق المجري، ومشاهد من (محكمة العدل) لتوفيق الحكيم، ومسرحية (السحب/ أريستوفانيس)، و(في انتظار جودو) لصامويل بيكيت، وغيرها. 
10. مسرحية (عشرة ماهيش اللي يتفرج). 
11. مسرحية (الخروج من الجب). 
12. مسرحية (الحارس). 
13. مسرحية (زيارة ذات مساء). 
14. مسرحية (بيت الأحلام) أو (ليلة القتلة) مع المسرح العربي بنغازي. 
15. مسرحية (طاحن شناب الليل)
16. مسرحية (اشباح حامد). 
17. مسرحية (قلبي في بلاد الأحلام). 
18. مسرحية (بندير موالف زفة). 
19. مسرحية (سر المصباح). 

س: تميزت مسيرتك أيضاً بالتنوع والظهور في الأعمال المرئية (التلفزيونية والسينمائية) والإذاعية، ما هي أبرز هذه المشاركات؟
ج: في المجال المرئي والتلفزيوني شاركت في عدة أعمال منها:
المشاركة في سهرة مرئية بعنوان (الأم) مع أحمد بروين. 
إخراج الشريط المرئي (الآخرون ) الذي عُرض في مهرجان الخيالة بنغازي عام1994. 
البطولة في مسلسل (العدالة) للمخرج محمود الزردومي. 
المشاركة في مسلسل (مستقبل زاهر) الجزء الثاني للمخرج لنزار الحراري. 
العمل كمخرج مساعد مع المخرج الصادق بوعمود في مسلسل (العرس.. بطولة صلاح الشيخي). 
المشاركة مع المخرج محمد بن عروس في برنامج (علوم وإعلام). 
التمثيل في (المنتدى الأدبي) مع محمود الزردومي. 
تقديم مجموعة كبيرة جداً من الأعمال المسموعة عبر إذاعتي بنغازي ودرنة. 
س: ذكرت تجربة مسرحية (زيارة ذات مساء) مع الممثل عبد العزيز الزني، ما هي طبيعة العلاقة التي تجمعكما؟ وكيف تنظر للمونودراما؟
ج: الأستاذ عبد العزيز الزني ليس فقط زميل دراسة وبلدياتي، بل هو صهري ونسيبي، خضنا معاً تجربة الممثل الواحد (المونودراما) لأول مرة في مسرحنا الليبي. هي تجربة أثارت جدلاً ونقاشاً حول ماهية المسرح والبناء الدرامي. ورغم اعتزازي بها، إلا أنني لا أميل شخصياً لهذا النوع كثيراً؛ لأنه يحتاج لبناء مرسوم وخلفيات فكرية وتقنية معقدة. 
س: بصفتك خضت تجارب تحكيمية عديدة، كيف تقيم عمل لجان التحكيم وطبيعة قراراتها؟
ج: لجنة التحكيم كَالعمل الإبداعي “كل إناء بما فيه ينضح”. إن أداء أعضاء اللجنة يتدرج بحسب مشاهداتهم وإجازتهم للأنصوص والعروض. نتائج التحكيم نسبية وتعتمد على ذائقة الأعضاء؛ فلو تغيرت اللجنة لترشح فنانون آخرون للجوائز. حتى في مهرجان عالمي مثل الأوسكار، تضم اللجان أكثر من ثلاثمائة عضو للوصول إلى دقة أكبر في التقييم. 
س: ما هي كلمتك الأخيرة حول المكانة الجوهرية للمسرح ونصيحتك للنشء؟
ج: السؤال الجوهري الذي يحتاج مسرحنا إجابته اليوم من كل مؤسسات المجتمع وأفراده هو: هل الفنون شيء حيوي ومهم في حياتنا يُسمح به ويُدعم؟ أم أنها مجرد لهو وزمزامات وخلاعة؟ المسرح ليس كذلك؛ الفن المسرحي ليس له حدود، ولا يقتصر على اللهو، بل هو شأن إنساني وثقافي عظيم، وعندما يجاب عن هذا السؤال بوعي، سيزدهر مسرحنا ويتطور. 
أما نصيحتي للنشء الجديد: “الجدية في التعامل مع العمل المسرحي، واحترام المتلقي، وتقديم كل القدرات والاستعدادات، واحترام الزملاء عدم التدخل في عملهم، فالأصل في المسرح هو الانضباط واحترام أعرافه الأصيلة”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى