ثقافة

العقل المحافظ

د.عادل بشير الصاري

العقل‭ ‬المحافظ‭ ‬هو‭ ‬العقل‭ ‬الذي‭ ‬يجعل‭ ‬مرجعيته‭ ‬الأولى‭ ‬موروث‭ ‬الآباء،‭ ‬والأسلاف،‭ ‬فهو‭ ‬عنده‭ ‬أحقّ‭ ‬بالاتباع،‭ ‬وأولى‭ ‬من‭ ‬ابتداع‭ ‬شيء‭ ‬يخالفه‭.‬

هذا‭ ‬العقل‭ ‬يُقدّم‭ ‬اليقين‭ ‬على‭ ‬الشك‭ ‬والسؤال،‭ ‬والتقليد‭ ‬على‭ ‬التجديد،‭ ‬ولا‭ ‬يقيس‭ ‬الأفكار‭ ‬بمدى‭ ‬صدقها،‭ ‬بل‭ ‬بمدى‭ ‬انسجامها‭ ‬مع‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬يقيني‭ ‬ومألوف‭ ‬عنده‭. ‬لهذا‭ ‬يبدو‭ ‬عقلاً‭ ‬مريحًا،‭ ‬غير‭ ‬صدامي،‭ ‬ولا‭ ‬يثير‭ ‬إشكاليات‭ ‬فكرية‭ ‬تُقلق‭ ‬راحة‭ ‬صاحبه؛‭ ‬فهو‭ ‬أشبه‭ ‬بأغنية‭ ‬كلاسيكية‭ ‬طربية،‭ ‬تستمتع‭ ‬بلحنها‭ ‬وكلماتها،‭ ‬ولا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تصادف‭ ‬فيها‭ ‬كلمة‭ ‬تخدش‭ ‬أذنك،‭ ‬أو‭ ‬تثير‭ ‬فيك‭ ‬سؤالاً‭.‬

مهمة‭ ‬هذا‭ ‬العقل‭ ‬ليستْ‭ ‬البحث‭ ‬بل‭ ‬التكرار،‭ ‬فهو‭ ‬يعيد‭ ‬عليكَ‭ ‬ما‭ ‬سبق‭ ‬قوله،‭ ‬ويذكّرك‭ ‬به‭ ‬بوصفه‭ ‬حقيقة‭ ‬لا‭ ‬تحتاج‭ ‬مراجعة‭.‬

ولا‭ ‬يكتفي‭ ‬بهذا،‭ ‬بل‭ ‬إنه‭ ‬يؤكد‭ ‬لكَ‭ ‬ما‭ ‬تم‭ ‬تأكيده‭ ‬من‭ ‬قبل،‭ ‬ويحذّرك‭ ‬من‭ ‬التفكير‭ ‬فيه،‭ ‬أو‭ ‬السؤال‭ ‬عنه‭.‬

لقد‭ ‬أصبح‭ ‬العقل‭ ‬المحافظ‭ ‬هو‭ ‬النمط‭ ‬السائد‭ ‬الذي‭ ‬يحكم‭ ‬ويسيّر‭ ‬عموم‭ ‬المجتمعات‭ ‬العربية‭ ‬والشرقية،‭ ‬فهو‭ ‬حاضر‭ ‬في‭ ‬المؤسسات‭ ‬التي‭ ‬تُعيد‭ ‬إنتاج‭ ‬الخطاب‭ ‬الماضوي‭ ‬جيلاً‭ ‬بعد‭ ‬جيلٍ،‭ ‬وفي‭ ‬الأصوات‭ ‬التي‭ ‬تحذر‭ ‬من‭ ‬التغيير‭ ‬والحداثة‭ ‬والتطور،‭ ‬وتُعرّفها‭ ‬لأفراد‭ ‬المجتمع‭ ‬بأنها‭ ‬دعوات‭ ‬مشبوهة،‭ ‬هدفها‭ ‬إشاعة‭ ‬الانحلال‭ ‬والردة‭ ‬والقضاء‭ ‬على‭ ‬الهوية‭ ‬الموروثة‭.‬

لهذا‭ ‬كله‭ ‬يبدو‭ ‬العقل‭ ‬المحافظ‭ ‬هو‭ ‬المنتصر‭ ‬في‭ ‬أغلب‭ ‬معاركه‭ ‬ضد‭ ‬العقل‭ ‬الذي‭ ‬يسأل‭ ‬ويراجع،‭ ‬ويبتكر‭ ‬الأفكار‭ ‬بقصد‭ ‬التغيير‭ ‬والتطوير‭.‬

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى