
العقل المحافظ هو العقل الذي يجعل مرجعيته الأولى موروث الآباء، والأسلاف، فهو عنده أحقّ بالاتباع، وأولى من ابتداع شيء يخالفه.
هذا العقل يُقدّم اليقين على الشك والسؤال، والتقليد على التجديد، ولا يقيس الأفكار بمدى صدقها، بل بمدى انسجامها مع ما هو يقيني ومألوف عنده. لهذا يبدو عقلاً مريحًا، غير صدامي، ولا يثير إشكاليات فكرية تُقلق راحة صاحبه؛ فهو أشبه بأغنية كلاسيكية طربية، تستمتع بلحنها وكلماتها، ولا يمكن أن تصادف فيها كلمة تخدش أذنك، أو تثير فيك سؤالاً.
مهمة هذا العقل ليستْ البحث بل التكرار، فهو يعيد عليكَ ما سبق قوله، ويذكّرك به بوصفه حقيقة لا تحتاج مراجعة.
ولا يكتفي بهذا، بل إنه يؤكد لكَ ما تم تأكيده من قبل، ويحذّرك من التفكير فيه، أو السؤال عنه.
لقد أصبح العقل المحافظ هو النمط السائد الذي يحكم ويسيّر عموم المجتمعات العربية والشرقية، فهو حاضر في المؤسسات التي تُعيد إنتاج الخطاب الماضوي جيلاً بعد جيلٍ، وفي الأصوات التي تحذر من التغيير والحداثة والتطور، وتُعرّفها لأفراد المجتمع بأنها دعوات مشبوهة، هدفها إشاعة الانحلال والردة والقضاء على الهوية الموروثة.
لهذا كله يبدو العقل المحافظ هو المنتصر في أغلب معاركه ضد العقل الذي يسأل ويراجع، ويبتكر الأفكار بقصد التغيير والتطوير.



