
هذا هو العنوان الذي اختاره الدكتور عطية خليفة البدراني عنوانا لمحاضرته التي ألقاها ضحى الثاني عشر من سبتمبر تلبية لدعوة الصالون الثقافي لحزب السلام والازدهار، وحضرها عدد من المهتمين بالصناعة والاقتصاد، أولئك الذين ضمت بينهم المراكز المختصة ولا سيما البحوث الصناعية الذين كثيرا ما زخر بهم ذلك القطاع وبهروا عديد المتابعين بما اتصفوا به من حسن التأهيل وقوة الإصرار على العطاء في ستينيات القرن الماضي وسبعينياته، عندما أفلحت في انتقائهم وزارة الصناعة وما تبعها من مراكز البحث ومؤسسات التكوين، تلك التي جمع العاملون فيها بين مواصلة التحصيل وقوة الهاجس الوطني الذي دفعهم جميعا إلى التفريق بين الوطني والقومي، حينما حاولت بعض الدول أن تتخذ منه غطاء لإخفاء ما كانت تسعى إليه من تبرير مكاسبها العامة والخاصة بحجة الرهان على قرب انبعاث دولة الوحدة تعويلا على الحماس الذي استفاد من استعداد الأجيال الليبية التي تقدمت الصفوف الرسمية في نظام الفاتح وهي تُصرِّح على ألسنة بعضها بالاستعداد للتضحية بكل شيء في سبيل الوحدة العربية والتي اغتيلت ذات يوم جرَّاء دهاء القيادات البعثية وسوء أداء بعض ضباط مصر المتدثرين بغطاء الناصرية وهي تسبب في الحرب الأهلية اليمنية وما أطلق عليه أخيرا النكسة العربية، فكان أن شهدت السبعينيات ما ترتب على العمل غير المدروس للمشروع الوحدوي والإنفاق الموسع على مشاريع البنية التحتية الليبية وما اقتضته من شراهة استهلاكية المترتبة على رفع أسعار البترول وما أوجدَ لبعض المؤهلين الليبيين إرضاء حماسهم للتصنيع فترة من الوقت والتي لم ينل منها لاحقا سوى الٌإقدام على تطبيق القطاع وما استوجبه من الإنفاق غير المبرمج والذي زاد منه دون شك الخلط بين التعاون والسعي إلى الهيمنة والإطاحة بأكثر من نظام حكم. إنها المفارقات التي فضّل الدكتور البدراني دون شك أن يبتعد عن الخوض فيها وهو يتحدث عن معادن العوينات والشاطئ وتيبستي حيث الذهب والحديد والسليكون والذي يستخرج بعضه بالطرق البدائية، ولأن عددا من الحاضرين قد كانوا شهودا للمرحلة وإلمامهم أيضا ليس بالبسيط رأينا المحاضر يحرص على إشراكهم ودفعهم للإضافة وقد تحولت خواتيم المحاضرة إلى ما يشبه الندوة وزاد منها تعليقات المهندس خالد الغويل ومعرفته بمفاصل الكلام، وأشهد أنني على الصعيد الشخصي قد أحسست بأن ما يتم تداوله بين هؤلاء المسكونين وطنيةً وكفاءةً وانشغالا صادقا بما نشهده من سوء التصرف الفني والمالي مما يعني أن الاستفادة تتعدى الاستشارة إلى الأخرى الملزمة والتي تحتاج إلى اليد القوية التي تحيل المشورة إلى قرار ما دامت ليست متبوعة بتقريب هذا أو إبعاد ذاك، وعسى أن يجد ما استمعت إليه طريقه إلى التناول الأكثر قربا من الصورة.



