
فرغَ العدو الصهيوني من إجراء انتخاباته النيابية الدورية لتجديد برلمانه الموصوف عندهم بـ«الكنيست»، وأسفرت نتائج مكوناته السياسية عن النسبة المنتظرة، تلك التي تستبعد الوصول إلى الأغلبية المطلقة، وإنما تفرض العمل بأسلوب ما يُطلق عليه سلطة الوحدة الوطنية الناتجة عن التوافق لتوفير الأغلبية المريحة، على أن الجديد الذي ظهر في هذه المرة هو ذلك الذي عبَّرَ عنه ارتفاع قائمة الفائزين من النَّواب العرب، وهو ما كان له أن يتحقَّق لولا ارتفاع نسبة المشاركة العربية الناتجة عن ارتفاع مستوى الوعي والإصرار على الحضور مهما كانت الصعوبات العملية من ناحية، والإصرار على اعتبار المواطنين العرب في عداد الدرجة الثانية من ناحية أخرى، لما ترتب على ذلك دائمًا من تثبيط همم هؤلاء المواطنين وتيئيسهم من إمكانية القيام بأي دور من خلال هذه المجالس، إنْ أثناء التصويت من خلال عضويتها، أو الوصول إلى المستوى الذي يمكن بواسطته التأثير في نِسَبِ التصويت.
فقد تأكد من خلال وصول عدد النَّواب في «الكنيست» المشار إليه استحالة تشكيل أي حكومة ما لم يكن للأصوات العربية دورٌ فيها، لا فرق أن يكون ذلك في مجال الإسناد، أو الإبعاد، فقد تأكد منذ احتدام المعركة الانتخابية وظهور عديد الإحصائيات أن الحضور العربي قد كان سريع التأثير في حتمية إقصاء «نتنياهو» من موقعه في قيادة الحكومة وبالذات حين يكون هذا الهدف يمثل الأولوية التي لا تساويها أي مشاركة أخرى، وحسبُها أن تأتي في هذا الزمن الذي اتخذ فيه عديد الأعلام الذين اكتسبوا ذات يوم صفة النضال وشغلها عديد المواقع في الداخل الفلسطيني كما هو المصطلح، ولا سيما عند هبوب زوابع الربيع العربي عندما ملأ بعضهم عديد الفضائيات انحيازًا لتلك الثورات والتي لم تكن بلادنا خارجها لولا أن فوجئنا بهم يفرون سريعًا إلى خليج «النفط» العربي ليؤسسوا أحدث مراكز التدريب ويستقبلوا المزيد من شباب العرب الذين أوفدتهم حكوماتهم للدراسة بتلك البرامج المكثفة ليُصارَ بهم إلى التخرّج الذي لا يستغرق سوى أقل القليل من الوقت، ومن ثم الالتحاق بمواقع العمل المؤمَّلة ومُحددة الأهداف سلفًا بالضرورة، وقد علمتنا التجارب دومًا أن كل لجوء إلى كل حديث قوامه الأوجه المتعددة، فإن التخلص من التزاماته دائمًا أوسع من أن يُحَدَّدَ لها مدى، أو يُحصى عنها أي عدد.
ونعود إلى ما بدأنا به حول هذه الانتخابات وما ظهر من جدية الدور العربي بها وتأثيره في نتائجها، فنثمن عاليًا دور فلسطيني الداخل أملًا في الاستمرار وعدم الالتفات لأي داعٍ من دواعي التثبيط، وشبرٌ في الوطن يزن قارات الدنيا لدى كل من يدرك معنى الأوطان ولو كانت المساحة لا تزيد عن زنزانة كما قال أحد سجناء ليبيا وقياداتهم الطلابية «نوري الماقنِّي» ذات يوم.


