ثقافة

قراءة.. لناصر سالم المقرحي

 

 

من يرى الحياة قصيدة يجد الشعر في كل ما حوله ولا يكتفي بالشعر المكتوب بالكلمات، ومن ينتبه للشعر المبثوث في الما حول ينصرف إلى الشعر الحقيقي. هذا هو حال الشاعر غير المُعلن «محمد بن لامين“…

فالجميع تقريباَ من المُثقفين والعامة يعرفون محمد بن لامين كفنان تشكيلي -حداثوي- يُسخر الألوان والأسطح والمواد الأُخرى المختلفة كالخشب والحديد وغيرها – لا سيما من مخلفات الحروب لإنجاز أعماله الفنية وتشكيلاته النحتية وتنصيباته الفنية.

وفي السنوات الأخيرة ظهر الفنان بوجه آخر غير وجهه الذي عُرِفَ به في السابق، ولا زال يُرسخه في المشهد الثقافي بهدوء وبلا جعجعة، ذلك هو وجه الشاعر الذي تتميز قصيدته بالبساطة والعمق فهي سهلة الهضم غير عسيرة على الفهم تخاطب قارئها بشيء من الحميمية والأُلفة، حتى أنهُ -أي القارئ- يكاد أن ينخرط فيها طائعاَ ويصير جزءأ منها -أو أنه يتمنى ذلك ويرغب فيه بشدة-، ذلك أن القصيدة التي تبدأ بالواقع وتنتهي فيه لا تتعالى على متلقيها ولا تستعرض عضلاتها الأسلوبية عليه بل تخاطبه بود كصديق قديم أو عزيز مُقرب لا كُلفة بينها وبينه، والشاعر لا يذهب بعيداً حين يشتهي كتابة الشعر فكل ما اعليه هو أن يغادر مسكنه إذا ما كان مسافراً لبلد غير بلده ويجلس متأملاً ما يرى ويرصد حالة المكان الذي يحل به، يكفي أن يصف ما يرى وما يعترضه من مواقف وما يُجريه من حوارات وما يتكون من صداقات عابرة مع شخوص المكان -هي علاقات عابرة ولكنها تنضح بالأُلفة والمحبة كالعلاقات الدائمة والراسخة تماماً-، حتى تتشكل القصيدة تلقائياً وتنبني لوحدها، ذلك أنَّ محمد بن لامين يهيء لها التربة الخصبة لتطل برأسها وتنمو مثل أية نبتة صالحة، وهذا يعكس نظرة الشاعر الحالمة للحياة ورومانسيته التي تنشط عند السفر.

الشاعر في قصيدة سابقة كنت قد اطلعت عليها يرصد طبيعة وإيقاع المكان الذي أقام به في تونس بشيء من الشاعرية الحالمة والغامرة كما لو أنهُ يستخرج منه الشعر وينتزعه انتزاعاً، كما لو أنهً يعتصره اعتصاراً، ففيما يراه الآخرون مكاناً عادياً لا يختلف عن أي مكان آخر يحلون به او يعبرونه – مع الأخذ في الأعتبار أختلاف الأمكنة وخصوصيتها – يراه هو مشروع قصيدة طازجة وشعر خام لا تشوبه شائبة فينهض مدفوعاً بخياله الوثاب إلى استنطاقه وتحويله إلى مكان ساحر غير مُستهلك بصرياً ووجدانياً ويمنحه بُعداً آخراً ويجعل له مُعادلاً جمالياً بالشعر ويؤسسه في عالم الكلمات ويخلدهُ بالقصائد ويصيرهُ متناً بعد أن ظل هامشاً لأماد طويلة.

أما القصيدة الأخيرة التي لفتت انتباهي وتدور في ذات السياق الحميمي الحنيني نتيجة الوقوع في حب الأمكنة والتشابك معها وجدانياً وشعورياً، حتى أن العلاقة معها لا تنتهي بمغادرتها ولربما بدأت قصة العشق تلك في اللحظة الأولى التي تلي المغادرة، جاءت القصيدة الأخيرة لتُكمل ما بدأه الشاعر ولتُرسخ مشروعه وتقدمه كشاعر ناجز.

أما مكان هذه القصيدة كما تشير تفاصيلها فهو أسطنبول ذات أحد نوفمبري بارد، وفيها يظهر الشاعر الذي لا تخلو قصيدته من بعض النفحات الصوفية العطرة  كهائم أبدي وعاشق أزلي للأمكنة ومتفاعل معها يعيد ترتيب أولوياتها وفقاً لمزاجه الشعري وطبقاً لذائقته الجمالية، وحتى لا نطيل الكلام وندخل في باب الثرثرة وحتى لا ننزلق إلى منحدر الشرح المسهب لندع القصيدة تقول نفسها وتعبر عن ذاتها وعن شاعرها وعنّا نحن أيضاً، إذ يكفي أن تعيش ما عاشه الشاعر وترى بعينيه الحالمتين حتى يتسرب إليك الشعر رقراقاً عسلياً صافياً ولا تعود أنت ذاتك كما كنت قبل قراءتها، فالشعر فيما يرى الشاعر أمامه مُكتمل والشاعر فقط قامَ بلملمته من هنا وهناك وحبسه في كلمات، كما لو أنهُ يلتقط صورة بانوراميه شاملة لذلك الصباح المختلف مضافاً إليها مشاعره وانفعالاته وعواطفه المكنونة كما لو أنه ينشغل بتصفيف ورص القطع الخزفية لتكتمل اللوحة الفسيفسائية، إلى حد أن سؤال يقول، هل المكان ساحر إلى هذا المستوى..؟ أم أن القصيدة كذأبها في تجميل الوجود هي التي جعلته ساحرا وجذاباً ، يتبادر إلى ذهنك لوهلة ولا تجد له جواباً شافياً…

كلب تقسيم يجوب شارع الاستقلال

أبيض وله بقع سوداء مثل البقرة

مجرد أحد من آحاد نوفمبر الباردة

أنصار فريق كرة القدم

Ekimin Bir Günü

يعيثون في الجوار صياحاً !

مباراة الوجود والعدم

بائعة الماء الحلبية وشفاهها الجافة من دوام المناداة

صديقي سردار يعبث بلحيته الكثيفة ويحملق في كأس جعته الموشك على النفاد، ثم يكرر كلامه ويقول أنت تشبه عمي !

مسبحة العقيق الأخضر تلك

ذات الـ 33 حبة ومئذنة وصومعتين

أكاد أراها بين أصابع ذلك المنشد

عندما يمل ريشة العود

الآن أحدنا مات

صعدت روحه قريبا من الجبل ذو القرنين !

أرتعد الطير في تونس وطرابلس

في الأستانة شربت كأس شاي الزيزفون لأجل!

النادل يتأمل مسبحتي الدنيوية الجميلة على الطاولة ثم يقول

تمام – ايڤيت – تمام !

بلح البحر بلا نخلة تهز.

الساعة تنام وأنا أفيقها

أنتظر وقت الطائرة،

الفيسبوك يبكي

والموسيقى السلجوقية أيضا !

كتاب النفري في حوزتي

قلت أجتنبه وأجعله معي

تتردد في رأسي قولته

كل ذي عدة مهزوم !

كنت أريد أن أسأل أحدهم في شارع الاستقلال

هل لهذا الكلب إسم؟

سميته: رستم

عندما ودعني على جادة ميدان تقسيم !.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى