في زمنِ “الخوارزميات”، لم يعد النقد الفني هو من يحدد جودة العرض، ولم تعد الجوائز هي المعيار الأوحد للنجاح. في ليبيا، دخلت “أرقام المشاهدات” كلاعب أساسي، لا يكتفي بالمشاركة، بل يفرض شروطه على المبدع والمنتج على حد سواء.. فهل تحول “الترند” إلى مقصلة للذائقة الفنية؟ وهل أصبح الفنان الليبي مجبراً على الاختيار بين “الصدق الإبداعي” و”البقاء في المشهد”؟
”وهم الأرقام”: هل المشاهدات مقياس؟
في رصدنا لآراء نخبة من فنانينا، كان الإجماع شبه تام على أن “الرقم” مخادع.. يرى الفنان عزالدين الدويلي أن “المشاهدات تقيس الانتشار، لا القيمة”، وهو ما يؤكده الفنان عيد سعيد، مشبهاً العمل الفني بـ “الفاكهة الطازجة” التي تبقى في الوجدان، بينما “الترند” أشبه بوجبات سريعة تذوب بانتهاء تأثيرها.
ومع ذلك، لا يمكن تجاهل الواقع؛ فالفنانة حنان الشويهدي تضع يدها على الجرح حين تقول: “الرقم صار هو الذي يفرض نفسه على شركات الإنتاج والمعلنين”، مما يخلق حالة من “الإكراه الإبداعي”.
صراع “الوجبات السريعة” والذائقة الفنية
هل نحن أمام إثراء أم تراجع؟ الفنان فرج عبد الكريم يتحدث بمرارة عن غياب البنية التحتية للنقد والإنتاج، محذراً من أن استسهال التقنية «كاميرا هاتف وبرنامج مونتاج» خلق جيلاً من “المنتجين” الذين لا علاقة لهم بالفن.
الفنانة حنان الشويهدي ترى أننا أمام تراجع صريح للذائقة، حيث باتت العين “لا تفرق بين الفن الجاد والمحتوى الرقمي”، بينما يذهب محمد الفاخري إلى حد التأكيد أن “كل فن جاد بات مقيداً بضرورة التواجد في الفضاء الرقمي”.
بين “الانتحار الإبداعي” و”المقاومة”
هل يملك الفنان الأصيل ترف الاختيار؟ هنا تنقسم الآراء، لكنها تجتمع على “صعوبة المهمة”. يصف الفنان محمد الصادق مسايرة التيار لمجرد البقاء بـ “الانتحار الإبداعي”، داعياً الفنان ليكون قائداً للتكنولوجيا لا تابعاً لها. بينما يتخذ عبد العزيز هواد موقفاً مبدئياً رافضاً لتقمص دور “عارض الموضة” على حساب المحتوى، مؤمناً بأن النقلة النوعية قادمة لا محالة.
أما ميلود العمروني، فيدعو إلى الحكمة؛ مطالباً الفنان “الأصيل” بأن يستثمر خبرته ليكون داعماً للجيل الجديد، لا حجر عثرة، مع الحفاظ على “توازنه” الخاص دون تنازلات تضر بسيرته الفنية.
ختاماً: هل نبحث عن بوصلة؟
إن المشهد الفني الليبي اليوم يمر بمرحلة انتقالية حاسمة، كما يصفها محمد الصادق. الأزمة ليست في الوسيلة الرقمية، بل في “عقلية التسويق” التي طغت على “عقلية الفن”.
خلاصة القول التي نخرج بها من هذا الاستقصاء، هي أن الفن الليبي يملك طاقات ومواهب حقيقية، لكنه يفتقد إلى “نقابة” تحميه، و”نقد” يوجهه، و”منتج” يحترم عقل المشاهد. لقد أصبح التحدي الحقيقي للفنان الليبي اليوم، ليس في إنتاج “الترند”، بل في كيفية تطويع الأدوات الحديثة ليظل “الفن” -بقيمته النبيلة- هو السيد، وليس “الخوارزمية”.