
لم يعد ما يحدث في التعليم مجرد تعثرٍ عابر، ولا أزمةً يمكن تجاوزها ببيانٍ جديد أو قرارٍ مؤقت. نحن أمام مشهد مؤلم: دراسة تتوقف، ومؤسسات تعليمية تتعطل، وتعليم تقني يترنح، وتعليم خاص يواجه أزمات متلاحقة، ومعلمٌ تُمس كرامته، وطالبٌ يدفع ثمن التخبط. فأي دولةٍ هذه التي يُترك فيها مستقبل أبنائها معلقًا بين قرارٍ يصدر وقرارٍ يُلغى، وبين جهةٍ تقول وأخرى تنفي؟ وأي إصلاحٍ هذا الذي يبدأ بالارتباك وينتهي بالمزيد من الارتباك؟ التعليم ليس حقلًا للتجارب، والطالب ليس ورقةً في ملف إداري، والمعلم ليس موظفًا هامشيًا. إن توقف الدراسة لا يعني توقف الحصص فقط، بل يعني سرقة جزء من مستقبل الطالب. وتعطيل مؤسسات التعليم الخاص لا يعني إغلاق أبوابٍ ومكاتب، بل يعني تهديد استقرار آلاف الطلاب والعاملين وأسرهم. أما تعطيل مؤسسات التعليم التقني، فهو ضربة مباشرة لمسارٍ يفترض أن يكون من أهم مسارات بناء سوق العمل والتنمية. ثم يأتي المعلم؛ ذلك الذي يُطلب منه أن يصنع أجيالًا قادرة على بناء الوطن، بينما يجد نفسه في كثير من الأحيان يصارع من أجل أبسط حقوقه، ويشعر أن مكانته وكرامته أصبحتا آخر ما يُلتفت إليه. أي إصلاحٍ للتعليم يبدأ بإهانة المعلم أو تجاهل صوته؟ المشكلة لم تعد في نقص البيانات والتصريحات؛ فقد سمعنا الكثير. المشكلة في غياب الرؤية المستقرة والقرار المسؤول. نحن بحاجة إلى سياسة تعليمية واضحة، لا قرارات مرتبكة. بحاجة إلى مؤسسات تُدار وفق القانون والمعايير، لا وفق ردود الأفعال. بحاجة إلى مسؤول يستمع إلى أهل الميدان قبل أن يصدر قراره، ويعرف أن خلف كل قرار آلاف الطلاب والمعلمين والمؤسسات.
التعليم العام يحتاج إلى استقرار، والتعليم الخاص يحتاج إلى تنظيم عادل وواضح، والتعليم التقني والفني يحتاج إلى دعم حقيقي، والمعلم يحتاج قبل كل شيء إلى الاحترام والتقدير. فلا يمكن أن نتحدث عن بناء الدولة ونحن نهدم أهم أساساتها. ولا يمكن أن نتحدث عن التنمية ونحن نترك التعليم يتعثر. ولا يمكن أن نطالب الشباب ببناء المستقبل ونحن لا نوفر لهم تعليمًا مستقرًا يفتح لهم أبوابه. لقد بلغ السيل الزبى. فإلى متى يبقى التعليم ضحية التخبط؟ وإلى متى يدفع الطالب ثمن القرارات غير المستقرة؟ وإلى متى يُترك المعلم في آخر الصف، رغم أنه يقف في مقدمة صناعة المستقبل؟ وإلى متى تستمر هذه المهازل؟ التعليم ليس منّة من أحد، بل حقٌّ وطني. والمعلم ليس عبئًا على الدولة، بل صانعٌ لمستقبلها. والطالب ليس رقمًا في سجلات المؤسسات، بل هو مستقبل الوطن نفسه. إن كان هناك من يريد إنقاذ التعليم، فليبدأ الآن، لا غدًا. فالوطن الذي يعبث بتعليمه، إنما يعبث بمستقبله. وحين يسقط التعليم… لا تسألوا بعد ذلك: لماذا سقط الوطن؟



