رأي

ليبيا ينقصها من يجرؤ على قول الحقيقة ولا يخجل منها

عبدالله خويلد

متى أصبح سقوط الإنسان مادة للفرح ونجاحه سببًا للغيظ وفشله مناسبة للاحتفال.. متى تحولت صفحات التواصل الاجتماعي إلى محاكم تفتيش لا تبحث عن الحقيقة بل تبحث عن عثرة وعن صورة وعن كلمة عن زلة وفي أي شيء يمكن أن تستخدم وتستغل لتكسير شخص نجح أو تميّز أو حاول أن يفعل شيئًا ؟
أصبحنا نراقب بعضنا أكثر مما نراقب الفساد. نفتش في حياة الناس أكثر مما نفتش في ضياع المال العام . نحصي في أخطاء الأفراد ولا نحصي مليارات الدولة. نختلف على منشور ولا نختلف على انهيار مدرسة. نضحك على إنسان ولا نبكي على مريض يبحث عن علاج.
يا لها من مفارقة موجعة ! بلد يملك كل الثروات ثم يصبح فيه راتب الموظف معركة ودواء المريض أمنية ومستقبل الشاب سؤالًا بلا جواب. والأكثر إيلامًا أن هناك من وجد في هذا الخراب سوقًا رائجًا. صفحات ومنصات لا تعيش إلا على الفضائح وعلى التشهير وعلى إشعال الخصومات وعلى تحويل كل نجاح إلى شبهة وكل شخصية عامة إلى هدف وكل اختلاف إلى معركة.
فيا ترى من المستفيد من إبقاء الناس منشغلين ببعضهم ؟ من المستفيد عندما يتحول المواطن إلى محقق في حياة مواطن آخر بدلا من أن يكون مواطنًا يسأل أين تذهب أموال بلاده ومن المستفيد وتصبح قصة شخص على فيسبوك أهم من قصة مستشفى لا يملك ما يكفي لعلاج مرضاه ؟ من المستفيد عندما نعرف كل تفاصيل خلافات الناس ولا نعرف تفاصيل ما يُصرف من المال العام ؟ هذه هي الكارثة. لقد نجح البعض في جعلنا ننظر إلى بعضنا حتى نسينا أن ننظر إلى الأعلى.
المواطن الذي أفنى عمره في العمل الوظيفي ماذا أخذ ؟ هناك متقاعد قضى ثلاثين أو أربعين عامًا من عمره خلف مكتب أو في مدرسة أو مستشفى أو مؤسسة عامة. أعطى شبابه للدولة. واليوم يحسب ثمن الدواء وثمن الغذاء وثمن الكهرباء وثمن أبسط متطلبات الحياة. وفي المقابل تتسع أمام آخرين أبواب المرتبات والبدلات والمزايا والامتيازات بالسيارات الفارهة والفلل المعشبة والمزينة بأحواض السباحة والاستراحات للترفيه والسمر والسفر والعلاج بالخارج والعلاج على حساب الدولة والمرتب بالدولار.
وموظف او مدرس او طبيب او صحفى واعلامي آخر يؤدي عملًا لا يقل أهمية ولا يحصل إلا على جزء يسير. فهل هذه دولة مؤسسات ؟ هل هذه عدالة .. لماذا تختلف قيمة الإنسان المالية باختلاف الباب الذي دخل منه إلى الدولة ؟ لماذا يكون الموقع أهم من الكفاءة ؟ ولماذا يصبح القرب من السلطة أحيانًا طريقًا أسرع إلى الامتياز من العلم والخبرة وسنوات الخدمة ؟ إذا كانت الدولة تريد العدالة فلتضع نظامًا واضحًا وشفافًا للمرتبات وليكن في عين الاعتبار لصناع القرار كما يضعون لا نفسهم ويراعوا الدرجة والمؤهل والخبرة والمسؤولية وطبيعة العمل ويضعوا حدًا للفوارق غير المبررة.
أما أن يعيش موظف في جهة ما بدخل ومزايا لا يحلم بها موظف آخر يؤدي عملًا عامًا في مؤسسة أخرى فهذا ما فتح الباب للسؤال والاضراب المشروع .. فأين العدالة في الحقوق بين ابناء الوطن الواحد ؟ البرلمان والمسؤولين ومركز المال العام عندما يصل الحديث إلى رواتب المسؤولين ومزاياهم يجب ألا تكون الأرقام أسرارًا. فالمواطن الذي يدفع الضرائب والرسوم والذي تعود إليه أموال الدولة في النهاية له الحق في معرفة كم يتقاضى المسؤول وما المزايا التي يحصل عليها وما المصروفات ومن يراقبها .
يجب الا توجد حصانة أمام السؤال عن المال العام ولا ينبغي أن يكون المنصب بابًا للثراء . فالمنصب العام ليس جائزة بل هو تكليف مؤقت لخدمة الناس . ومن يجلس على كرسي الدولة ثم يتعامل معه وكأنه ملك شخصي فقد نسي أن الكرسي يبقى بينما الأشخاص يرحلون .
أين حقوق المعلم الذي كاد ان يكون رسولا ونقول له أنت معلما للأجيال ثم نتركه يواجه غلاء المعيشة وهموم الحياة وحده . أين الطبيب الذي دائما ما نتهمه بالتقصير ونطلب منه أن يعالج الناس وهو يفتقر الى ابسط الامكانيات ونحن تركنا المنظومة الصحية تنهار من حوله .
اين الصحفي والاعلامي الذي نطالبه ان ينحاز الى قول الحقيقة ولا يكون اداة لاحد , وهو لا يسمح في صوته احد ولا من يعير له اهتماما ونستغرب لماذا لا تكون لدينا صحافة ونتأسف بانه لايوجد لدينا صحافة واعلام ..
أين الطالب الذي نطالبه ببناء المستقبل بينما التعليم نفسه يبحث عن مستقبله ثم نستغرب لماذا يتراجع التعليم واصبح الشباب يبحث عن فرصة خارج بلاده . لماذا أصبح السفر للعلاج أمرًا مألوفًا وتركنا مستشفياتنا عاجزة ولم ندرك ان الأمراض لا تنتظر في الوقت الذي يستهلك فيه الناس ساعات طويلة في المعارك الإلكترونية ..
هناك مريض لا ينتظر منشورًا ولا إعجابًا. المريض يريد علاجًا. يريد مستشفى يعمل. يريد دواء. يريد طبيبًا. يريد أن يشعر أن حياته ليست أرخص من أي شيء آخر. فلا تنقصوا من قول احد يقول ان الأمراض المزمنة والأورام والأوبئة متفشية والغذاء يحتاج الى مراقبة شديدة فالمطلوب دولة تتعامل مع هذه المطالب بالعلم وإحصاءات شفافة ووقاية دائمة وفحوصات مبكرة ومختبرات متطورة وعلاج متوفر ورقابة صحية حقيقية .
أما أن يبقى المواطن خائفًا والحقائق غائبة والخدمات ضعيفة ثم نطلب منه أن يطمئن فهذه ليست إدارة لأزمة. هذه إدارة للقلق والشباب الليبي لا يريد خطبة عن حب الوطن بل يريد فرصة ويريد جامعة محترمة. يريد وظيفة ومشروعًا. يجتهد فيه ويطور من نفسة ويحقق مستقبله برضاء ويريد أن يعرف أن هذا المستقبل لن يتوقف على واسطة أو اسم عائلة أو قرب من مسؤول.
ويريد دولة تقول له اجتهد وستجد مكانًا لك. لكن عندما يرى أن النفوذ قد يسبق الكفاءة وأن الواسطة قد تتغلب على الشهادة وأن بعض الأبواب تفتح لمن يملك العلاقات وتغلق في وجه من يملك العلم . فمن الطبيعي أن يسأل ..
هل في هذا البلد مكان لي وعندما لا يجد الإجابة يبدأ في البحث عنها في مكان آخر. ثم نلومه لأنه هاجر ! أما السيادة يا اخوة ليست شعارًا على جدار ليست كلمة تُقال في المناسبات والحدود ليست خطًا على الخريطة..
إذا كانت الدولة لا تستطيع ضبط حدودها وتنظيم الدخول والإقامة والعمل ومواجهة شبكات الهجرة والتهريب والمخدرات والجريمة المنظمة وحماية سوق العمل والتعامل مع الوجود الأجنبي وفق القانون فهناك خلل يجب أن يُعالج . نريد دولة تعرف من يدخل إليها ومن يقيم فيها ومن يعمل فيها ومن يخالف قوانينها.
نريد دولة لا تكون أرضًا سائبة لمن يملك القوة أو المال أو النفوذ. وفى مجمل الكلام يراودني هذا السؤال .. لماذا نغضب من شخص نجح أكثر مما نغضب من فساد يسرق مستقبل أبنائنا ؟ ونجتهد في البحث والتشفي عن فضيحة شخص أكثر مما نبحث عن ملف مال عام لماذا يصبح سقوط إنسان ترندًا .. بينما سقوط التعليم والطب والاعلام وانهيار الاقتصاد واهمال الزراعة لا يحركنا .. لماذا نتشاجر حول الأشخاص ولا نتشاجر من أجل المبادئ .. هل فقدنا القدرة على التمييز بين المعركة الحقيقية والمعركة المصطنعة .. نريد اجابة عن ماذا حدث للصحة والوظيفة العامة والتعليم والاقتصاد والمصانع التي نهبت والاستيراد الغير مقنن وماذا حدث للمال العام وماذا حدث للعدالة والامن ماذا حدث للشباب ماذا حدث للمتقاعد ماذا حدث للمؤسسات والهيئات وماذا حدث لنا نحن ؟ لا تجعلوا الشماتة وطنًا ليس إنجازًا أن تسقط شخصًا.
وليس بطولة أن تفضح إنسانًا. وليس شجاعة أن تشتم موظفًا أو تسخر من فقير أو تفرح بفشل شخص. البطولة أن تواجه الفساد. أن تسأل عن المال العام. أن تدافع عن المظلوم. أن تقول للمسؤول أين ذهبت الأموال .
أن تقول لمن يملك القرار. لماذا هذا التفاوت . أن تقول لمن يملك السلطة: الكرسي ليس ملكًا لك. وأن تقول لمن يعتقد أن الدولة غنيمة ليبيا ليست مزرعة لأحد . نحن بحاجة إلى صحافة تكشف الفساد وتجاهر بالحقيقة لا صفحات ومواقع ومنصات تبتز. نحن بحاجة إلى نقد يبني لا شماتة تهدم . إلى رقابة على السلطة لا مراقبة لحياة الناس.
إلى مؤسسات تحاسب لا مواطنون يتقاتلون على فيسبوك. نحتاج إلى عدالة تجعل قيمة الإنسان في كفاءته وعمله وحقوقه لا في واسطته وقربه من صاحب القرار. كفى انشغالًا بسقوط بعضنا.
البلد يسقط أمام أعيننا عندما تصبح المدرسة بلا مستقبل والمستشفى بلا إمكانات والشاب بلا أمل والمتقاعد بلا كرامة والموظف بلا عدالة والمال العام بلا رقابة والسلطة بلا مساءلة. وعندما يصل بنا الأمر إلى أن نفرح بفشل أي مواطن أكثر مما نفرح بنجاح وطننا فالمشكلة لم تعد في السياسي وحده ولا في المسؤول وحده. المشكلة أصبحت فينا جميعًا. فليبيا لا تحتاج إلى مزيد من الشامتين. ولا تحتاج إلى مزيد من صائدي الأخطاء.
ولا تحتاج إلى جيوش إلكترونية تتقاتل على تفاصيل تافهة.
ليبيا تحتاج إلى مواطن يقول هذا حقي وهذه أمانة بلادي وهذا فساد يجب أن يُحاسب وهذا مظلوم يجب أن نقف معه. أما الذين يريدون أن يبقونا منشغلين ببعضنا فليتذكروا انهم قد يشغلوا الناس يومًا وشهرًا وسنة لكن لا يمكن أن تخدعوا وطنًا إلى الأبد. والسؤال الذي يجب أن يبقى في وجه كل مسؤول وكل صاحب نفوذ ماذا فعلت من أجل ليبيا وأين ذهبت أموال الليبيين …

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى