رتوش

الباب‭ ‬القصير‭ ‬للبيت‭ ‬العتيق‭ !!‬

زكريا‭ ‬محمد

كان‭ ‬هو‭ ‬الرجلُ‭ ‬الأطول‭ ‬قامةً‭ ‬في‭ ‬حيّهم‭ ‬المتواضع،‭ ‬بل‭ ‬كان‭ ‬بطولٍ‭ ‬مبالغ‭ ‬فيه،‭ ‬ورغمًا‭ ‬عن‭ ‬طوله‭ ‬ذاك‭ ‬كان‭ ‬قصير‭ ‬الجمل،‭ ‬قليل‭ ‬الكلام‭ .‬

كان‭ ‬يخشاه‭ ‬الجميع‭ ‬لفرط‭ ‬طوله،‭ ‬وكان‭ ‬يعلم‭ ‬أنهم‭ ‬يسمونه‭ ‬خفية‭ ‬بـــ‭ )‬البالة‭ .. ‬انجانجو‭ .. ‬لونقوو‭(‬‭ ‬الخ‭.. ‬

لم‭ ‬يبالِ‭ ‬بذلك،‭ ‬وكأن‭ ‬الأمرَ‭ ‬لم‭ ‬يكنْ‭ ‬يعنيه،‭ ‬فقد‭ ‬كان‭ ‬مزهوًا‭ ‬بنفسه‭ ‬معتدًا‭ ‬بها،‭ ‬فهو‭ ‬رجل‭ ‬عامل‭ ‬بيديه‭ ‬وصاحب‭ ‬صنعة،‭ ‬ولكونه‭ ‬بلا‭ ‬عائلة،‭ ‬وقليل‭ ‬المصاريف،‭ ‬لربما‭ ‬كان‭ ‬أفضلهم‭ ‬حالاً،‭ ‬ولطالما‭ ‬قصده‭ ‬الجميع،‭ ‬ولم‭ ‬يخيب‭ ‬أي‭ ‬احد‭ ‬منهم،‭ ‬حتى‭ ‬لو‭ ‬كان‭ ‬ممن‭ ‬يُعيرونه‭ ‬خُفية‭ ‬بطوله‭.‬

همّ‭ ‬وحيد‭ ‬كان‭ ‬يشعل‭ ‬باله،‭ ‬وهو‭ ‬باب‭ ‬بيته‭ ‬العتيق،‭ ‬فقد‭ ‬كان‭ ‬قصيرًا‭ ‬جدًا‭ ‬ويجبره‭ ‬على‭ ‬الانحناء‭ .‬

‭ )‬رجل‭ ‬طويل‭ ‬معتد‭ ‬بنفسه‭ ‬ولا‭ ‬يبال‭ ‬بالعالم،‭ ‬ويذله‭ ‬باب‭ ‬قصير‭ ‬لبيت‭ ‬عتيق‭ !!(.‬

‭ ‬كان‭ ‬يردَْد‭ ‬هذا‭ ‬في‭ ‬سره،‭ ‬كلما‭ ‬عاد‭ ‬من‭ ‬عمله،‭ ‬وهمّ‭ ‬بالدخول‭ ‬لذلك‭ ‬البيت‭ .‬

‭ ‬ذات‭ ‬يوم‭ ‬شاهده‭ ‬جيرانه،‭ ‬وهو‭ ‬يعود‭ ‬باتجاه‭ ‬بيته،‭ ‬ويحمل‭ ‬على‭ ‬كتفه‭ ‬فأسًا‭ ‬كبيرة،‭ ‬راقبوه‭ ‬من‭ ‬بعيد‭ ‬حتى‭ ‬لحظة‭ ‬وصوله‭ ‬لذاك‭ ‬الباب،‭ ‬مسك‭ ‬الفأس‭ ‬بكلتا‭ ‬يديه،‭ ‬وبقوة‭  ‬ذراعيه‭ ‬هوى‭ ‬عليه‭ ‬وحطمه‭ ‬بالكامل،‭ ‬رمى‭ ‬بالخشبِ‭ ‬بعيدًا،‭ ‬ثم‭ ‬أخذ‭ ‬يهوي‭ ‬على‭ ‬الحجارة‭ ‬أعلى‭ ‬الباب،‭ ‬فزاد‭ ‬منسوب‭ ‬ارتفاعه‭ ‬حتى‭ ‬ناسب‭ ‬طول‭ ‬قامته‭.‬

بعد‭ ‬أن‭ ‬انهى‭ ‬عمله‭ ‬رمى‭ ‬بالفأس‭ ‬على‭ ‬كومة‭ ‬الخشب‭ ‬والحجارة،‭ ‬اغمض‭ ‬عيناه‭ ‬وأخذ‭ ‬نفسًا‭ ‬عميقًا،‭ ‬ودخل‭ ‬ولأول‭ ‬مرة‭ ‬لبيته‭ ‬برأس‭ ‬مرفوع‭ .‬

في‭ ‬ثورته‭ ‬تلك،‭ ‬شاهد‭ ‬الجيران‭ ‬مشهد‭ ‬دخوله‭ ‬المهيب‭ ‬ذاك‭ ‬كاملاً،‭ ‬لكنهم‭ ‬أبدًا‭ ‬لم‭ ‬يرونه،‭ ‬وهو‭ ‬يرتمي‭ ‬على‭ ‬سريره،‭ ‬يمد‭ ‬رجليه،‭ ‬وقدميه‭ ‬خارج‭ ‬الغطاء‭ ‬كما‭ ‬تعود‭ ‬دائمًا،‭ ‬فهو‭ ‬ومن‭ ‬زمن‭ ‬طويل‭ ‬لم‭ ‬ينم،‭ ‬وقدماه‭ ‬بداخله‭.‬

اغمض‭ ‬عيناه‭ ‬وسرعان‭ ‬ما‭ ‬نام‭ ‬على‭ ‬جانبه‭ ‬الأيمن،‭ ‬نومًا‭ ‬عميقًا،‭ ‬لا‭ ‬هواجس،‭ ‬لا‭ ‬كوابيس‭.‬

‭ ‬فقط‭ ‬راوده‭ ‬حُلمٌ‭ ‬بأنه‭ ‬‮«‬العزير‮»‬،‭ ‬ودون‭ ‬عنب‭ ‬ولا‭ ‬حمار،‭ ‬وسينام‭ ‬مئة‭ ‬عام،‭ ‬وحين‭ ‬يصحو‭ ‬سيجد‭ ‬كل‭ ‬جيرانه‭ ‬بالحي،‭ ‬اطول‭ ‬منه‭ ‬قامة،‭ ‬وكل‭ ‬بيوتهم‭ ‬عتيقة،‭ ‬وأبوابها‭ ‬قصيرة‭ .‬

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى