
للأستاذ الراحل علي مصطفى المصراتي، القامة الأدبية والفكرية الكبيرة، مؤلفات عدة في شتى صنوف الثقافة والفكر والإبداع تجاوزت الأربعين مؤلفًا، من أوائلها «أعلام من طرابلس» عام 1955، «ولمحات أدبية»، «وإبراهيم الأسطى عمر شاعر من ليبيا»، «وجحا في ليبيا»، «وصحافة ليبيا في نصف قرن»، «وغومة فارس الصحراء»، «والمجتمع الليبي من خلال أمثاله الشعبية». سلسلة طويلة من الكتب القيمة التي أثرى بها الكاتب والقاص والناقد والمؤرخ الكبير علي مصطفى المصراتي المكتبة الوطنية بمخزون هائل من الإبداع الفكري الذي بقي خالدًا من بعد رحيله، وشاهدًا على هذه الشخصية الوطنية الثقافية الفذة. ينهل منه المتعطشون لفكره الباحثون عن كنوزه المطروحة في أرفف المكتبات.
«قطرات من يراع» كتاب يقع في ثلاثمائة صفحة، طبع في التسعينيات، وضع فيه الأستاذ علي مصطفى المصراتي أجمل وأرقى الكلمات والحكم، هي عصارة تجاربه في الحياة، نقلها على الورق بمداد من ذهب، ستبقى شاهدًا حيا على أسلوب هذا الأديب والقامة الثقافية الرائدة في بلادنا الحبيبة.
وتعميما للفائدة، حاولت اقتطاف جزء من هذه الروائع التي وردت في الكتاب، وقد وصفها عميد الأدب العربي طه حسين «بالشيء الممتع للمصراتي»، وقال عنها الناشر إنها ومضات وخواطر بين الشعر والنثر، لون من ألوان التعبير، شوارد تأتي إلى ساحة الإدراك، فيض من الحس والتأمل، مشاعر وأحاسيس ذات طابع فني يقدمها علي المصراتي إلى المكتبة العربية.
يقول المصراتي: «الدرهم بعرق الجبين غالٍ عزيز على النفس مثل فلدة الكبد ولو كان ضئيلًا قميئًا». «بين التوكل والتواكل حرف ‹ألف› يتكئ عليه الكسالى». «ما أتعس من يريد أن يصل للحقيقة عن طريق الباطل، وأتعس منه من يجعل الحق طريقًا للباطل». «التواضع المزيف نفاق مزدوج، والتبجح غرور مستفحل يستأصل الإبداع». «الجهل المركب في عصرنا ولكل عصر أنارته وجهالته هو تداخل المصطلحات ووضعها في غير موضعها». «المجاملة على حساب الشخص مكرمة ورصيد أخلاقي، لكن المجاملة على حساب الحقيقة هدر وضياع للقيم». «قال لصاحبه: لقد برع أهل الحضارة القديمة في تحنيط الموتى، فأجابه: بلا غرابة ولا تعجب، وفي عصرنا هناك من برعوا في تحنيط الشعوب!». «الشهرة فاكهة تغرس في حقل المعاناة والتجارب، وتعطب بالأنانية وتذبل وتسحق بالغرور». روائع لا تنتهي، وكلمات تغرس في القلوب حب هذا الأديب الفذ.
رحمه الله وأسكنه فسيح جنانه.



