التراثيةفنون

الجمال‭ ‬الموصوف(ين‭ ‬الحمورة‭ ‬والبياض‭ ‬اشعالت)

طارق‭ ‬الفلاح

‭ ‬قراءة‭ ‬نقدية‭ ‬لقصيدة‭ ‬حسن‭ ‬لقطع

تعد‭ ‬قصيدة‭ ‬الشاعر‭ ‬حسن‭ ‬لقطع‭ ‬في‭ ‬وصف‭ ‬أم‭ ‬الهنا‭ ‬نموذجاً‭ ‬بديعاً‭ ‬من‭ ‬الشعر‭ ‬النبطي‭ ‬الليبي‭ ‬الذي‭ ‬يجسد‭ ‬فن‭ ‬الوصف‭ ‬والغزل‭ ‬العفيف‭ ‬المتجذر‭ ‬في‭ ‬تقاليد‭ ‬البادية‭ ‬العربية،‭ ‬حيث‭ ‬يمتزج‭ ‬تقدير‭ ‬المرأة‭ ‬بالاحترام‭ ‬والمكانة‭ ‬الاجتماعية‭ ‬الرفيعة‭. ‬يكمن‭ ‬جوهر‭ ‬النص‭ ‬في‭ ‬كونه‭ ‬مدحاً‭ ‬في‭ ‬صورة‭ ‬وصف‭ ‬تبرز‭ ‬خصال‭ ‬المرأة‭ ‬البدوية‭ ‬المثالية،‭ ‬المتمثلة‭ ‬في‭ ‬الحشمة‭ ‬والرزانة‭ ‬والستر‭ ‬والجمال‭ ‬المعتدل‭ ‬الذي‭ ‬يجمع‭ ‬بين‭ ‬رقة‭ ‬اللون‭ ‬ونضارة‭ ‬الحيوية‭.‬

تأتي‭ ‬المناسبة‭ ‬كقصيدة‭ ‬سائرة‭ ‬تعكس‭ ‬تقاليد‭ ‬الضيافة‭ ‬والفروسية‭ ‬عند‭ ‬العرب‭ ‬في‭ ‬المجالس‭ ‬التي‭ ‬تلتزم‭ ‬بحدود‭ ‬الأدب‭ ‬والوقار،‭ ‬ويبرز‭ ‬اختيار‭ ‬الأبيات‭ ‬قيمة‭ ‬الستيرة‭ ‬التي‭ ‬تعد‭ ‬في‭ ‬المجتمع‭ ‬البدوي‭ ‬أعلى‭ ‬درجات‭ ‬المدح‭ ‬للمرأة‭. ‬يبدأ‭ ‬الشاعر‭ ‬استهلاله‭ ‬بوصف‭ ‬أم‭ ‬الهنا‭ ‬كأنها‭ ‬صورة‭ ‬بقيت‭ ‬على‭ ‬حالها‭ ‬من‭ ‬النقاء‭ ‬والاعتدال‭ ‬الذي‭ ‬هو‭ ‬غاية‭ ‬الجمال‭ ‬حيث‭ ‬ليست‭ ‬بالطويلة‭ ‬المفرطة‭ ‬ولا‭ ‬بالقصيرة‭. ‬ثم‭ ‬ينتقل‭ ‬الشاعر‭ ‬من‭ ‬الوصف‭ ‬المعنوي‭ ‬المتمثل‭ ‬في‭ ‬الحشمة‭ ‬إلى‭ ‬الوصف‭ ‬المادي‭ ‬كدقة‭ ‬الأصابع‭ ‬وجمال‭ ‬الخاتم‭ ‬مع‭ ‬الإشارة‭ ‬إلى‭ ‬محافظة‭ ‬المرأة‭ ‬على‭ ‬عفتها‭ ‬منذ‭ ‬صباها‭ ‬وشبابها‭.‬

يتوسع‭ ‬الشاعر‭ ‬في‭ ‬إظهار‭ ‬بلاغة‭ ‬المرأة‭ ‬في‭ ‬صمتها‭ ‬وذكائها‭ ‬الاجتماعي‭ ‬وقدرتها‭ ‬على‭ ‬احتواء‭ ‬العائلة‭ ‬برزينة‭ ‬واتزان،‭ ‬ويمدح‭ ‬اعتدال‭ ‬شخصيتها‭ ‬فلا‭ ‬هي‭ ‬سليطة‭ ‬اللسان‭ ‬ولا‭ ‬هي‭ ‬انطوائية‭ ‬بل‭ ‬كلامها‭ ‬موزون‭ ‬ومحسوب‭. ‬وفي‭ ‬بيت‭ ‬القصيد‭ ‬يأتي‭ ‬وصف‭ ‬البشرة‭ ‬بأنها‭ ‬بين‭ ‬الحمورة‭ ‬والبياض‭ ‬اشعالت،‭ ‬وهو‭ ‬تعبير‭ ‬بليغ‭ ‬يصور‭ ‬البشرة‭ ‬الصافية‭ ‬التي‭ ‬يمتزج‭ ‬فيها‭ ‬بياض‭ ‬الوجه‭ ‬بحمرة‭ ‬الخجل‭ ‬أو‭ ‬حيوية‭ ‬الصحة،‭ ‬كأنها‭ ‬جمرة‭ ‬متقدة‭ ‬تحت‭ ‬بياض‭ ‬ناصع،‭ ‬وهو‭ ‬أرقى‭ ‬درجات‭ ‬وصف‭ ‬الوجه‭ ‬عند‭ ‬الشعراء‭ ‬العرب‭.‬

تكتمل‭ ‬الصورة‭ ‬في‭ ‬نهاية‭ ‬القصيدة‭ ‬بوصف‭ ‬أناقة‭ ‬المرأة‭ ‬في‭ ‬مشيتها‭ ‬وفي‭ ‬ترتيب‭ ‬ملابسها‭ ‬كالتحزم‭ ‬والزينة،‭ ‬وهو‭ ‬وصف‭ ‬يعبر‭ ‬عن‭ ‬الاهتمام‭ ‬بالمظهر‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬الحشمة‭ ‬والوقار‭. ‬ويختم‭ ‬الشاعر‭ ‬بجمال‭ ‬الشعر‭ ‬الذي‭ ‬يميل‭ ‬مع‭ ‬حركتها‭ ‬برزانة،‭ ‬مما‭ ‬يضفي‭ ‬لمسة‭ ‬جمالية‭ ‬حركية‭ ‬على‭ ‬النص‭.‬

تتميز‭ ‬القصيدة‭ ‬بخصائص‭ ‬فنية‭ ‬بارزة‭ ‬تعتمد‭ ‬على‭ ‬الواقعية‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬استخدام‭ ‬مفردات‭ ‬بيئية‭ ‬تجعل‭ ‬الصورة‭ ‬قريبة‭ ‬للذهن،‭ ‬وعلى‭ ‬التكثيف‭ ‬الذي‭ ‬جعل‭ ‬الشاعر‭ ‬يركز‭ ‬على‭ ‬الهيبة‭ ‬والحشمة‭ ‬بدلاً‭ ‬من‭ ‬الوصف‭ ‬المباشر‭ ‬لمفاتن‭ ‬الجسد‭ ‬مما‭ ‬أعطى‭ ‬للنص‭ ‬عمقاً‭ ‬أخلاقياً،‭ ‬بالإضافة‭ ‬إلى‭ ‬الموسيقى‭ ‬الداخلية‭ ‬التي‭ ‬منحت‭ ‬القصيدة‭ ‬إيقاعاً‭ ‬يناسب‭ ‬الإلقاء‭ ‬في‭ ‬المجالس‭ ‬الشعبية‭.‬

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى