التراثيةالرئيسيةثقافة

سيرة الجهاد والإدارة بين ورفلة وفزان

منى بن هيبة

​يُعد‭ ‬الشيخ‭ ‬عبد‭ ‬الرحيم‭ ‬احميد‭ ‬بن‭ ‬اجديرية‭ ‬الورفلي‭ ‬شخصية‭ ‬وطنية‭ ‬ليبية‭ ‬استثنائية،‭ ‬جمعت‭ ‬بين‭ ‬الحكمة‭ ‬الإدارية،‭ ‬والفروسية‭ ‬في‭ ‬ميادين‭ ‬الجهاد،‭ ‬وبلاغة‭ ‬الأدب‭ ‬الشعبي‭. ‬وُلد‭ ‬الشيخ‭ ‬بين‭ ‬عامي‭ ‬1870‭ ‬و1880م‭ ‬في‭ ‬مدينة‭ ‬بني‭ ‬وليد،‭ ‬ونشأ‭ ‬في‭ ‬كنف‭ ‬أسرة‭ ‬عريقة‭ ‬عُرفت‭ ‬بالعلم‭ ‬والتجارة‭. ‬والده‭ ‬هو‭ ‬الفقيه‭ ‬احميد‭ ‬محمد‭ ‬دياب‭ ‬منصور‭ ‬عبد‭ ‬الله‭ ‬بن‭ ‬اجديرية،‭ ‬التاجر‭ ‬ورجل‭ ‬العلم‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬كثير‭ ‬الترحال‭ ‬بين‭ ‬بني‭ ‬وليد‭ ‬وفزان،‭ ‬وهو‭ ‬الترحال‭ ‬الذي‭ ‬زرع‭ ‬في‭ ‬نفس‭ ‬ابنه‭ ‬حب‭ ‬المعرفة‭ ‬والاطلاع‭ ‬على‭ ‬جغرافيا‭ ‬الوطن‭. ‬والدته‭ ‬هي‭ ‬سعدة‭ ‬عبد‭ ‬الرحمن‭ ‬بن‭ ‬اجديرية،‭ ‬وإخوة‭ ‬احميد‭ ‬‮«‬أعمام‭ ‬عبد‭ ‬الرحيم‮»‬‭ ‬هم‭: ‬امحمد،‭ ‬ومحمد،‭ ‬ودياب،‭ ‬وعوض‭.‬

​الإرث‭ ‬الذي‭ ‬صقل‭ ‬شخصيته

نشأ‭ ‬عبد‭ ‬الرحيم‭ ‬في‭ ‬بادية‭ ‬ورفلة،‭ ‬وترعرع‭ ‬في‭ ‬وديانها‭ ‬التاريخية‭ ‬الشامخة،‭ ‬مثل‭: ‬وادي‭ ‬نفد،‭ ‬وسوف‭ ‬الجين،‭ ‬والمردوم،‭ ‬وميمون،‭ ‬وزمزم‭. ‬كان‭ ‬للشيخ‭ ‬إخوة‭ ‬برزوا‭ ‬معه‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬الفترة‭ ‬وهم‭: ‬احميد،‭ ‬ومحمد،‭ ‬ودياب،‭ ‬وعوض‭. ‬إن‭ ‬انتماءه‭ ‬لقبيلة‭ ‬ورفلة‭ ‬‮«‬بيت‭ ‬الفلادنة‮»‬‭ ‬جعل‭ ‬منه‭ ‬امتداداً‭ ‬للإرث‭ ‬النضالي‭ ‬للقبيلة،‭ ‬وهو‭ ‬الإرث‭ ‬الذي‭ ‬صقل‭ ‬شخصيته‭ ‬وجعله‭ ‬شيخاً‭ ‬ذا‭ ‬نفوذ‭ ‬اجتماعي‭ ‬واسع‭.‬

القرار‭ ‬الصعب

​كانت‭ ‬منطقة‭ ‬بني‭ ‬وليد‭ ‬مسرحاً‭ ‬لأحداث‭ ‬دامية‭ ‬عند‭ ‬دخول‭ ‬القوات‭ ‬الإيطالية‭. ‬وفي‭ ‬معركة‭ ‬وادي‭ ‬دينار‭ ‬الشهيرة،‭ ‬التي‭ ‬جاء‭ ‬فيها‭ ‬الطليان‭ ‬من‭ ‬المحاور‭ ‬الشمالية‭ ‬والغربية،‭ ‬خاض‭ ‬آل‭ ‬بن‭ ‬اجديرية‭ ‬معركة‭ ‬شرسة‭. ‬وفي‭ ‬هذه‭ ‬الملحمة‭ ‬البطولية،‭ ‬استشهد‭ ‬محمد‭ ‬بن‭ ‬عبد‭ ‬الرحيم‭ ‬عام‭ ‬1923م‭ ‬عند‭ ‬دخول‭ ‬الإيطاليين‭ ‬إلى‭ ‬بني‭ ‬وليد؛‭ ‬وكان‭ ‬أكبر‭ ‬أبناء‭ ‬الشيخ‭ ‬عبد‭ ‬الرحيم،‭ ‬وشاباً‭ ‬لم‭ ‬يتجاوز‭ ‬الثلاثين‭ ‬من‭ ‬عمره‭ ‬ولم‭ ‬يتزوج‭ ‬بعد‭. ‬تذكر‭ ‬الروايات‭ ‬التاريخية‭ ‬أن‭ ‬محمداً‭ ‬استشهد‭ ‬بعد‭ ‬نفاذ‭ ‬ذخيرة‭ ‬سلاحه‭ ‬تماماً،‭ ‬حيث‭ ‬تبين‭ ‬أن‭ ‬مخزن‭ ‬سلاحه‭ ‬كان‭ ‬فارغاً،‭ ‬وكانت‭ ‬آخر‭ ‬طلقة‭ ‬صوّبها‭ ‬قد‭ ‬انطلقت‭ ‬نحو‭ ‬العدو‭ ‬مقاوماً‭ ‬حتى‭ ‬اللحظة‭ ‬الأخيرة‭. ‬دُفن‭ ‬محمد‭ ‬وحصانه‭ ‬في‭ ‬وادي‭ ‬غبين‭ ‬ببني‭ ‬وليد،‭ ‬ليصبح‭ ‬قبره‭ ‬شاهداً‭ ‬على‭ ‬تضحيات‭ ‬العائلة‭. ‬وخلال‭ ‬المعركة‭ ‬نفسها،‭ ‬تعرض‭ ‬الشيخ‭ ‬عبد‭ ‬الرحيم‭ ‬وابنه‭ ‬اللافي‭ ‬لإصابات‭ ‬بليغة،‭ ‬مما‭ ‬جعل‭ ‬بقاءهم‭ ‬في‭ ‬بني‭ ‬وليد‭ ‬مستحيلاً،‭ ‬ليتخذ‭ ‬الشيخ‭ ‬قراره‭ ‬الصعب‭ ‬بالهجرة‭ ‬نحو‭ ‬فزان،‭ ‬حيث‭ ‬كان‭ ‬والده‭ ‬يتردد‭ ‬سابقاً‭.‬

محطات‭ ‬أسرية

​مرت‭ ‬حياة‭ ‬الشيخ‭ ‬عبد‭ ‬الرحيم‭ ‬بمحطات‭ ‬أسرية‭ ‬هامة؛‭ ‬ففي‭ ‬بني‭ ‬وليد‭ ‬كانت‭ ‬له‭ ‬زوجة‭ ‬أولى‭ ‬توفيت‭ ‬هناك‭ ‬قبل‭ ‬رحيله‭. ‬وعند‭ ‬وصوله‭ ‬إلى‭ ‬فزان،‭ ‬اقترن‭ ‬بابنة‭ ‬عمه‭ ‬خديجة‭ ‬منصور‭ ‬بن‭ ‬اجديرية،‭ ‬التي‭ ‬أنجبت‭ ‬له‭ ‬ابنه‭ ‬عبد‭ ‬السلام‭ ‬وابنته،‭ ‬وقد‭ ‬عادت‭ ‬السيدة‭ ‬خديجة‭ ‬لاحقاً‭ ‬إلى‭ ‬بني‭ ‬وليد،‭ ‬حيث‭ ‬عاشت‭ ‬مُعمرةً‭ ‬وأصبحت‭ ‬مرجعية‭ ‬تاريخية‭ ‬شاهدة‭ ‬على‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الأحداث‭. ‬كما‭ ‬تزوج‭ ‬الشيخ‭ ‬من‭ ‬غزالة‭ ‬اشويقي‭ ‬من‭ ‬قبيلة‭ ‬المغاربة،‭ ‬ومن‭ ‬سيدة‭ ‬من‭ ‬فزان‭ ‬أنجب‭ ‬منها‭ ‬ابنه‭ ‬ميلاد،‭ ‬وهو‭ ‬الابن‭ ‬الذي‭ ‬اضطر‭ ‬لتركه‭ ‬في‭ ‬فزان‭ ‬مع‭ ‬أمه‭ ‬عند‭ ‬دخول‭ ‬الإيطاليين‭ ‬إلى‭ ‬فزان‭ ‬والسيطرة‭ ‬عليها‭ ‬عام‭ ‬1929م‭.‬

ومن‭ ‬تراغن‭ ‬كانت‭ ‬هجرته

​لمع‭ ‬نجم‭ ‬الشيخ‭ ‬عبد‭ ‬الرحيم‭ ‬إدارياً‭ ‬في‭ ‬أواخر‭ ‬العهد‭ ‬العثماني،‭ ‬حيث‭ ‬عُيّن‭ ‬مديراً‭ ‬لقرية‭ ‬تراغن‭ ‬فقط‭. ‬أسست‭ ‬العائلة‭ ‬مركزاً‭ ‬اقتصادياً‭ ‬واجتماعياً‭ ‬بارزاً،‭ ‬شمل‭ ‬أملاكاً‭ ‬موثقة‭ ‬بحجج‭ ‬شرعية،‭ ‬منها‭ ‬بيت‭ ‬وأرض‭ ‬في‭ ‬مدينة‭ ‬مرزق،‭ ‬بالإضافة‭ ‬إلى‭ ‬قصر‭ ‬‮«‬بن‭ ‬اجديرية‮»‬‭ ‬في‭ ‬تراغن‭ ‬الذي‭ ‬قام‭ ‬الشيخ‭ ‬بشرائه،‭ ‬وهو‭ ‬قصر‭ ‬طيني‭ ‬مميز‭ ‬من‭ ‬طابقين‭ ‬شُيّد‭ ‬بجذوع‭ ‬النخيل‭ ‬كأسلوب‭ ‬عمارة‭ ‬دفاعي‭ ‬وسكني‭ ‬بأسوار‭ ‬سميكة،‭ ‬تحيط‭ ‬به‭ ‬مزرعة‭ ‬نخيل‭ ‬شاسعة،‭ ‬وهو‭ ‬مسجل‭ ‬كمعلم‭ ‬تاريخي‭ ‬في‭ ‬بلدية‭ ‬تراغن‭. ‬ومن‭ ‬تراغن‭ ‬كانت‭ ‬هجرته‭ ‬النهائية‭ ‬إلى‭ ‬تشاد‭.‬

​كان‭ ‬عبد‭ ‬الرحيم‭ ‬شيخاً‭ ‬لقبيلة‭ ‬ورفلة‭ ‬في‭ ‬فزان،‭ ‬وعُرف‭ ‬بشهامة‭ ‬الفرسان‭ ‬ونصرة‭ ‬المظلوم،‭ ‬ومن‭ ‬أبرز‭ ‬مواقفه‭ ‬في‭ ‬فزان‭ ‬قصيدته‭ ‬الشهيرة‭ ‬عند‭ ‬غزو‭ ‬إحدى‭ ‬القبائل‭ ‬وطلبهم‭ ‬الفزعة‭ ‬من‭ ‬قبيلة‭ ‬ورفلة،‭ ‬التي‭ ‬لبت‭ ‬النداء‭ ‬وأرجعت‭ ‬الإبل،‭ ‬حيث‭ ‬قال‭:‬

​ياريتهن‭ ‬حضرن‭ ‬نهار‭ ‬أسلومه

تريس‭ ‬عصارة‭ ‬ما‭ ‬تـُرق‭ ‬أعزومه

ياريتهن‭ ‬حضرنا

وأمنين‭ ‬لحقن‭ ‬ريتهن‭ ‬اللي‭ ‬دارنه

أولاد‭ ‬صولبه‭ ‬سوق‭ ‬البلاء‭ ‬يردنه

عليهم‭ ‬الذل‭ ‬يالعفن‭ ‬راي‭ ‬حشومه

​يقصد‭ ‬بـ‭ ‬‮«‬صولبه‮»‬‭ ‬قبيلة‭ ‬ورفلة،‭ ‬و«سلومة‮»‬‭ ‬هو‭ ‬عبد‭ ‬السلام‭ ‬الذي‭ ‬قُتل‭ ‬في‭ ‬الغزو‭ ‬وهم‭ ‬غير‭ ‬موجودين‭ .‬

​علامة‭ ‬مضيئة‭ ‬في‭ ‬تاريخ‭ ‬ليبيا‭ ‬المعاصر

بعد‭ ‬رحيل‭ ‬العثمانيين،‭ ‬تسلم‭ ‬عبد‭ ‬الرحيم‭ ‬وأبناؤه‭ ‬‮«‬اللافي‭ ‬وبعزوم‮»‬‭ ‬قيادة‭ ‬الجهاد‭ ‬في‭ ‬فزان‭ ‬بالتنسيق‭ ‬مع‭ ‬القائد‭ ‬عبد‭ ‬النبي‭ ‬بالخير‭ ‬وزعماء‭ ‬المنطقة‭. ‬شارك‭ ‬آل‭ ‬بن‭ ‬اجديرية‭ ‬مع‭ ‬كبرى‭ ‬القبائل‭ ‬ضد‭ ‬القوات‭ ‬الإيطالية‭. ‬وبعد‭ ‬استخدام‭ ‬الطيران‭ ‬الحربي‭ ‬والدبابات،‭ ‬حُسمت‭ ‬المعركة‭ ‬لصالح‭ ‬الإيطاليين‭. ‬وعند‭ ‬الانسحاب‭ ‬نحو‭ ‬الغرب،‭ ‬تعقّب‭ ‬الطيران‭ ‬الإيطالي‭ ‬القوافل،‭ ‬ووقع‭ ‬قصف‭ ‬عنيف‭ ‬على‭ ‬غات‭ ‬أدى‭ ‬لتشتت‭ ‬الرتل‭. ‬وفي‭ ‬هذه‭ ‬المأساة،‭ ‬افترق‭ ‬آل‭ ‬بن‭ ‬اجديرية‭ ‬عن‭ ‬ابن‭ ‬عمهم‭ ‬الزعيم‭ ‬عبد‭ ‬النبي‭ ‬بالخير‭ ‬الذي‭ ‬قتله‭ ‬العطش‭ ‬في‭ ‬الصحراء،‭ ‬بينما‭ ‬واصل‭ ‬الشيخ‭ ‬عبد‭ ‬الرحيم‭ ‬وأبناؤه‭ ‬المسير‭ ‬مع‭ ‬البي‭ ‬حمد‭ ‬سيف‭ ‬النصر‭ ‬نحو‭ ‬جنوب‭ ‬ليبيا‭ ‬وصولاً‭ ‬إلى‭ ‬شمال‭ ‬تشاد،‭ ‬بجوار‭ ‬إخوتهم‭ ‬المهاجرين‭ ‬من‭ ‬بقية‭ ‬القبائل‭ ‬الليبية‭ ‬المجاهدة،‭ ‬وقد‭ ‬استمر‭ ‬الابن‭ ‬المجاهد‭ ‬الشيخ‭ ‬اللافي‭ ‬عبد‭ ‬الرحيم‭ ‬في‭ ‬تشاد‭ ‬حيث‭ ‬تم‭ ‬تكليفه‭ ‬بدور‭ ‬وطني‭ ‬بارز‭ ‬ممثلاً‭ ‬عن‭ ‬الرعية‭ ‬والقبائل‭ ‬الليبية‭ ‬في‭ ‬تشاد‭ ‬نظراً‭ ‬لخبرته‭ ‬ومكانته‭. ‬وقد‭ ‬كُرّمت‭ ‬مسيرة‭ ‬الشيخ‭ ‬عبد‭ ‬الرحيم‭ ‬بمنحه‭ ‬وسام‭ ‬الجهاد‭ ‬هو‭ ‬وأبناؤه‭ ‬تقديراً‭ ‬لنضالهم‭. ‬لقد‭ ‬ترك‭ ‬الشيخ‭ ‬عبد‭ ‬الرحيم‭ ‬بن‭ ‬اجديرية‭ ‬إرثاً‭ ‬إدارياً‭ ‬وجهادياً‭ ‬وأدبياً‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬حياً‭ ‬في‭ ‬ذاكرة‭ ‬فزان‭ ‬وورفلة،‭ ‬فهو‭ ‬الرجل‭ ‬الذي‭ ‬جمع‭ ‬بين‭ ‬صرامة‭ ‬الإدارة‭ ‬وحكمة‭ ‬المشيخة‭ ‬وشجاعة‭ ‬الفارس،‭ ‬ليظل‭ ‬اسمه‭ ‬علامة‭ ‬مضيئة‭ ‬في‭ ‬تاريخ‭ ‬ليبيا‭ ‬المعاصر‭.‬

مسجد‭ ‬آل‭ ‬اجديرية‭ ‬بين‭ ‬شموخ‭ ‬العمارة‭ ‬وإرث‭ ‬الأجداد

لم‭ ‬يتوقف‭ ‬أثر‭ ‬الشيخ‭ ‬عبد‭ ‬الرحيم‭ ‬بن‭ ‬اجديرية‭ ‬وعائلته‭ ‬عند‭ ‬حدود‭ ‬الميادين‭ ‬السياسية‭ ‬والجهادية،‭ ‬بل‭ ‬امتد‭ ‬ليتجسد‭ ‬في‭ ‬الشواهد‭ ‬العمرانية‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬تنبض‭ ‬بذاكرة‭ ‬المكان،‭ ‬وعلى‭ ‬رأسها‭ ‬مسجد‭ ‬آل‭ ‬اجديرية‭ ‬في‭ ‬بني‭ ‬وليد‭.‬

​يُمثل‭ ‬هذا‭ ‬المسجد‭ ‬نموذجاً‭ ‬فريداً‭ ‬للعمارة‭ ‬التقليدية‭ ‬الصحراوية‭ ‬التي‭ ‬تعكس‭ ‬تماهي‭ ‬الإنسان‭ ‬مع‭ ‬بيئته‭ ‬الجغرافية‭ ‬القاسية؛‭ ‬حيث‭ ‬يبرز‭ ‬ككتلة‭ ‬حجرية‭ ‬متماسكة‭ ‬تتحدى‭ ‬الزمن،‭ ‬مشيدةً‭ ‬بمواد‭ ‬محلية‭ ‬خام‭ ‬تعزز‭ ‬من‭ ‬عزلته‭ ‬الحرارية‭ ‬وقوته‭ ‬الإنشائية‭. ‬يعتمد‭ ‬المسجد‭ ‬في‭ ‬بنائه‭ ‬على‭ ‬الحجارة‭ ‬الرملية‭ ‬المحلية،‭ ‬وبأسلوب‭ ‬هندسي‭ ‬يوفر‭ ‬الراحة‭ ‬الحرارية‭ ‬لطلبة‭ ‬العلم‭ ‬والمصلين،‭ ‬مع‭ ‬سقفٍ‭ ‬يعتمد‭ ‬على‭ ‬العوارض‭ ‬الخشبية‭ ‬التقليدية‭ ‬‮«‬النخيل‭ ‬والأثل‮»‬‭.‬

​إن‭ ‬وجود‭ ‬هذا‭ ‬المسجد‭ ‬لا‭ ‬يمثل‭ ‬مجرد‭ ‬هيكل‭ ‬إنشائي،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬نصّ‭ ‬معماري‭ ‬يوثق‭ ‬استقرار‭ ‬العائلة‭ ‬العريق‭ ‬في‭ ‬بني‭ ‬وليد،‭ ‬وتجسيد‭ ‬لفلسفة‭ ‬البساطة‭ ‬التي‭ ‬تقاوم،‭ ‬والجمال‭ ‬الذي‭ ‬ينبع‭ ‬من‭ ‬الوظيفة‭ ‬والالتصاق‭ ‬الوثيق‭ ‬بالطبيعة‭. ‬لقد‭ ‬كان‭ ‬هذا‭ ‬المسجد‭ ‬‭ ‬بمحرابه‭ ‬المتقن‭ ‬وفجواته‭ ‬الجدارية‭ ‬المخصصة‭ ‬للمصاحف‭ ‬والقناديل‭ ‬‭ ‬مركزاً‭ ‬روحياً‭ ‬وتعليمياً،‭ ‬يعكس‭ ‬الجانب‭ ‬الإيماني‭ ‬والاجتماعي‭ ‬الذي‭ ‬التزم‭ ‬به‭ ‬الشيخ‭ ‬عبد‭ ‬الرحيم‭ ‬وعائلته،‭ ‬ليظل‭ ‬المسجد‭ ‬شاهداً‭ ‬حياً‭ ‬على‭ ‬إرثهم‭ ‬الذي‭ ‬جمع‭ ‬بين‭ ‬حماية‭ ‬الأرض‭ ‬‮«‬الجهاد‮»‬‭ ‬وعمارة‭ ‬الروح‭ ‬‮«‬المسجد‭ ‬والعلم‮»‬‭.‬

يُعد‭ ‬مسجد‭ ‬آل‭ ‬اجديرية‭ ‬في‭ ‬بني‭ ‬وليد‭ ‬نموذجاً‭ ‬فريداً‭ ‬للعمارة‭ ‬التقليدية‭ ‬الصحراوية‭ ‬التي‭ ‬تعكس‭ ‬تماهي‭ ‬الإنسان‭ ‬مع‭ ‬بيئته‭ ‬الجغرافية‭ ‬القاسية،‭ ‬حيث‭ ‬يبرز‭ ‬في‭ ‬الصور‭ ‬المسجد‭ ‬ككتلة‭ ‬حجرية‭ ‬متماسكة‭ ‬تتحدى‭ ‬الزمن،‭ ‬بأسلوب‭ ‬بناء‭ ‬يعتمد‭ ‬على‭ ‬مواد‭ ‬محلية‭ ‬خام‭ ‬تعزز‭ ‬من‭ ‬عزلته‭ ‬الحرارية‭ ‬وقوته‭ ‬الإنشائية‭.‬

​طريقة‭ ‬البناء‭ ‬والأساسات‭: ‬يظهر‭ ‬البناء‭ ‬معتمداً‭ ‬بشكل‭ ‬أساسي‭ ‬على‭ ‬الحجارة‭ ‬الرملية‭ ‬المحلية‭ ‬ذات‭ ‬اللون‭ ‬الضارب‭ ‬إلى‭ ‬الصفرة،‭ ‬والتي‭ ‬يتم‭ ‬رصُّها‭ ‬بطريقة‭ ‬البناء‭ ‬الجاف‭ ‬أو‭ ‬باستخدام‭ ‬مونة‭ ‬طينية‭ ‬بسيطة،‭ ‬مما‭ ‬يمنح‭ ‬الجدران‭ ‬صلابة‭ ‬وقدرة‭ ‬على‭ ‬تحمل‭ ‬التقلبات‭ ‬الحرارية‭ ‬بين‭ ‬الليل‭ ‬والنهار‭.‬

​سمك‭ ‬الجدران‭: ‬تتسم‭ ‬الجدران‭ ‬بسمك‭ ‬استثنائي،‭ ‬وهو‭ ‬إجراء‭ ‬هندسي‭ ‬ضروري‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬البيئة‭ ‬لضمان‭ ‬العزل‭ ‬الحراري،‭ ‬حيث‭ ‬تعمل‭ ‬الكتلة‭ ‬الحجرية‭ ‬الثقيلة‭ ‬كمخزن‭ ‬حراري‭ ‬يُبقي‭ ‬الداخل‭ ‬بارداً‭ ‬صيفاً‭ ‬ودافئاً‭ ‬في‭ ‬ليالي‭ ‬الشتاء‭ ‬الصحراوية‭.‬

​نظام‭ ‬السقف‭: ‬يعتمد‭ ‬السقف‭ ‬على‭ ‬العوارض‭ ‬الخشبية‭ ‬المصنوعة‭ ‬من‭ ‬جذوع‭ ‬الأشجار‭ ‬المحلية‭ ‬‮«‬مثل‭ ‬النخيل‭ ‬أو‭ ‬الأثل‮»‬،‭ ‬والتي‭ ‬تُمدد‭ ‬بشكل‭ ‬عرضي‭ ‬لتشكل‭ ‬هيكلاً‭ ‬يحمل‭ ‬طبقات‭ ‬الطين‭ ‬والتراب،‭ ‬وهو‭ ‬أسلوب‭ ‬تقليدي‭ ‬يضمن‭ ‬خفة‭ ‬الوزن‭ ‬مع‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬التماسك‭.‬

​العمارة‭ ‬والوظيفة‭ (‬المحراب‭ ‬والفتحات‭)‬

​المحراب‭: ‬يظهر‭ ‬في‭ ‬إحدى‭ ‬الصور‭ ‬محراب‭ ‬مقبب‭ ‬ببراعة،‭ ‬حيث‭ ‬تم‭ ‬تشكيل‭ ‬القوس‭ ‬بشكل‭ ‬انسيابي‭ ‬يعكس‭ ‬التقوى‭ ‬المعمارية‭ ‬والتركيز‭ ‬الوظيفي‭ ‬على‭ ‬اتجاه‭ ‬القبلة‭.‬

​الفجوات‭ ‬الجدارية‭: ‬نلاحظ‭ ‬وجود‭ ‬تجاويف‭ ‬مستطيلة‭ ‬داخل‭ ‬الجدران‭ ‬‮«‬مشكوات‮»‬،‭ ‬كانت‭ ‬تُستخدم‭ ‬قديماً‭ ‬لوضع‭ ‬المصاحف‭ ‬أو‭ ‬القناديل‭ ‬الزيتية‭ ‬للإنارة،‭ ‬وهي‭ ‬سمة‭ ‬جمالية‭ ‬ووظيفية‭ ‬في‭ ‬آن‭ ‬واحد‭.‬

​الأبواب‭ ‬والنوافذ‭: ‬تُظهر‭ ‬الصور‭ ‬بقايا‭ ‬فتحات‭ ‬صغيرة،‭ ‬وهي‭ ‬سمة‭ ‬مميزة‭ ‬للعمارة‭ ‬العتيقة‭ ‬في‭ ‬المنطقة؛‭ ‬حيث‭ ‬تُصمم‭ ‬الفتحات‭ ‬بحجم‭ ‬محدود‭ ‬لتقليل‭ ‬دخول‭ ‬الرياح‭ ‬الساخنة‭ ‬المحملة‭ ‬بالرمال،‭ ‬وللتحكم‭ ‬في‭ ‬شدة‭ ‬الإضاءة‭ ‬وضمان‭ ‬الخصوصية‭ ‬داخل‭ ‬فضاء‭ ‬العبادة‭.‬

​التكوين‭ ‬والشكل‭ ‬العام‭: ‬المسجد‭ ‬لا‭ ‬يمثل‭ ‬مجرد‭ ‬هيكل‭ ‬إنشائي،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬تجسيد‭ ‬لعمارة‭ ‬الفناء،‭ ‬حيث‭ ‬تندمج‭ ‬المآذن‭ ‬‮«‬بقاياها‭ ‬تظهر‭ ‬في‭ ‬الصورة‭ ‬الأولى‮»‬‭ ‬والكتل‭ ‬الجدارية‭ ‬مع‭ ‬التضاريس‭ ‬المحيطة،‭ ‬مما‭ ‬يجعله‭ ‬يبدو‭ ‬كجزء‭ ‬من‭ ‬الأرض‭ ‬الصخرية‭ ‬التي‭ ‬نبت‭ ‬منها‭.‬

​إن‭ ‬هذا‭ ‬المسجد‭ ‬ليس‭ ‬مجرد‭ ‬أطلال،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬نصّ‭ ‬معماري‭ ‬يروي‭ ‬قصة‭ ‬حرفة‭ ‬البناء‭ ‬التي‭ ‬توارثها‭ ‬الأجداد‭ ‬في‭ ‬بني‭ ‬وليد،‭ ‬حيث‭ ‬تُختصر‭ ‬فلسفة‭ ‬العمارة‭ ‬هنا‭ ‬في‭ ‬البساطة‭ ‬التي‭ ‬تقاوم،‭ ‬والجمال‭ ‬الذي‭ ‬ينبع‭ ‬من‭ ‬الوظيفة‭ ‬والالتصاق‭ ‬الوثيق‭ ‬بالطبيعة‭ ‬المحلية‭.‬

​بين‭ ‬ساحات‭ ‬الجهاد‭ ‬ومحاريب‭ ‬العلم‭ ‬ومخازن‭ ‬الخير

ذاكرة‭ ‬بن‭ ‬اجديرية‭ ‬في‭ ‬بني‭ ‬وليد

​لم‭ ‬تكن‭ ‬سيرة‭ ‬الشيخ‭ ‬عبد‭ ‬الرحيم‭ ‬بن‭ ‬اجديرية‭ ‬وأبنائه‭ ‬مجرد‭ ‬صفحاتٍ‭ ‬مطوية‭ ‬في‭ ‬تاريخ‭ ‬الجهاد،‭ ‬بل‭ ‬كانت‭ ‬ملحمةً‭ ‬متكاملة‭ ‬تجسدت‭ ‬في‭ ‬معالم‭ ‬عمرانيةٍ‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬شاهدةً‭ ‬على‭ ‬عمق‭ ‬جذورهم‭ ‬في‭ ‬أرض‭ ‬بني‭ ‬وليد‭. ‬فإذا‭ ‬كان‭ ‬مسجد‭ ‬آل‭ ‬اجديرية‭ ‬قد‭ ‬شُيّد‭ ‬ليكون‭ ‬منارةً‭ ‬للروح،‭ ‬وملاذاً‭ ‬للسكينة،‭ ‬ومدرسةً‭ ‬لحفظ‭ ‬القرآن‭ ‬وعمارة‭ ‬القلب،‭ ‬فإن‭ ‬مخزن‭ ‬اللافي‭ ‬بن‭ ‬اجديرية‭ ‬جاء‭ ‬ليكون‭ ‬الرئة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والاجتماعية‭ ‬التي‭ ‬تنبض‭ ‬بالحياة،‭ ‬ومجتمعاً‭ ‬مصغراً‭ ‬لفض‭ ‬النزاعات،‭ ‬وإدارة‭ ‬شؤون‭ ‬الناس،‭ ‬وحفظ‭ ‬أقواتهم‭.‬

​لقد‭ ‬شكل‭ ‬هذا‭ ‬التناغم‭ ‬بين‭ ‬المسجد‭ ‬والمخزن‭ ‬فلسفةً‭ ‬حياتية‭ ‬متكاملة‭ ‬للعائلة؛‭ ‬حيث‭ ‬تلاقت‭ ‬عمارة‭ ‬الدين‭ ‬في‭ ‬المسجد‭ ‬مع‭ ‬عمارة‭ ‬الدنيا‭ ‬في‭ ‬المخزن،‭ ‬ليُثبتا‭ ‬أن‭ ‬‮«‬آل‭ ‬اجديرية‮»‬‭ ‬لم‭ ‬يكونوا‭ ‬مجرد‭ ‬شيوخٍ‭ ‬وعلماء،‭ ‬بل‭ ‬كانوا‭ ‬بناةً‭ ‬للحضارة،‭ ‬حريصين‭ ‬على‭ ‬استقرار‭ ‬المجتمع‭ ‬وتماسكه،‭ ‬ومؤمنين‭ ‬بأن‭ ‬الشموخ‭ ‬لا‭ ‬يكتمل‭ ‬إلا‭ ‬بالجمع‭ ‬بين‭ ‬طهارة‭ ‬المحراب‭ ‬وحكمة‭ ‬الإدارة‭. ‬إن‭ ‬هذه‭ ‬الآثار‭ ‬ليست‭ ‬مجرد‭ ‬حجارةٍ‭ ‬طينية‭ ‬أو‭ ‬أقواسٍ‭ ‬خشبية،‭ ‬بل‭ ‬هي‭ ‬وثيقة‭ ‬تاريخية‭ ‬حية،‭ ‬تروي‭ ‬قصة‭ ‬عائلةٍ‭ ‬وهبت‭ ‬حياتها‭ ‬للوطن،‭ ‬فخلّدها‭ ‬التاريخ‭ ‬في‭ ‬ذاكرة‭ ‬بني‭ ‬وليد‭ ‬كنموذجٍ‭ ‬للفروسية،‭ ‬والعلم،‭ ‬والبناء‭.‬

مخزن‭ ‬اللافي‭ ‬بن‭ ‬اجديرية‭: ‬ذاكرة‭ ‬بني‭ ‬وليد‭ ‬العمرانية‭ ‬والاجتماعية

​يعتبر‭ ‬مخزن‭ ‬اللافي‭ ‬بن‭ ‬ذياب‭ ‬بن‭ ‬عبد‭ ‬الله‭ ‬بن‭ ‬منصور‭ ‬بن‭ ‬اجديرية‭ ‬أحد‭ ‬أبرز‭ ‬المعالم‭ ‬التاريخية‭ ‬والاجتماعية‭ ‬في‭ ‬مدينة‭ ‬بني‭ ‬وليد‭. ‬تأسس‭ ‬المخزن‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬1313‭ ‬هجري،‭ ‬وانتهى‭ ‬العمل‭ ‬فيه‭ ‬تقريباً‭ ‬عام‭ ‬1318‭ ‬هجري‭ ‬بما‭ ‬يوافق‭ ‬عام‭ ‬1890‭ ‬ميلادي،‭ ‬وتم‭ ‬إكمال‭ ‬بنائه‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬1895‭ ‬ميلادي،‭ ‬ما‭ ‬يقارب‭ ‬13‭ ‬عقدا‭ ‬من‭ ‬الزمن،‭ ‬وفي‭ ‬إطار‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬الإرث،‭ ‬تم‭ ‬ضم‭ ‬المخزن‭ ‬مؤخراً‭ ‬إلى‭ ‬مصلحة‭ ‬الآثار‭.‬

​التوصيف‭ ‬المعماري‭ ‬والإنشائي

​يعد‭ ‬المخزن‭ ‬من‭ ‬أطول‭ ‬المخازن‭ ‬في‭ ‬بني‭ ‬وليد،‭ ‬ويتميز‭ ‬باحتوائه‭ ‬على‭ ‬13‭ ‬قوساً،‭ ‬حيث‭ ‬كان‭ ‬عدد‭ ‬الأقواس‭ ‬يمثل‭ ‬رمزاً‭ ‬للفخر‭ ‬والوجاهة‭ ‬لدى‭ ‬العائلات‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تتباهى‭ ‬بها،‭ ‬يعتمد‭ ‬البناء‭ ‬على‭ ‬تقنيات‭ ‬تقليدية‭ ‬تشمل‭ ‬الحجارة‭ ‬والطين‭ ‬اللبن،‭ ‬مع‭ ‬استخدام‭ ‬جذوع‭ ‬النخيل‭ ‬والأخشاب‭ ‬المحلية‭ ‬في‭ ‬الأسقف،‭ ‬وهي‭ ‬تقنية‭ ‬توفر‭ ‬عزلاً‭ ‬حرارياً‭ ‬طبيعياً‭. ‬يظهر‭ ‬السقف‭ ‬مكوناً‭ ‬من‭ ‬جذوع‭ ‬نخيل‭ ‬مصفوفة‭ ‬بانتظام‭ ‬ترتكز‭ ‬على‭ ‬الأقواس،‭ ‬ومغطاة‭ ‬بطبقة‭ ‬من‭ ‬الطين‭ ‬والمواد‭ ‬الطبيعية‭ ‬لضمان‭ ‬مقاومة‭ ‬العوامل‭ ‬الجوية‭.‬

الوظائف‭ ‬الاجتماعية‭ ‬والتربوية

​لم‭ ‬يقتصر‭ ‬دور‭ ‬المخزن‭ ‬على‭ ‬كونه‭ ‬مستودعاً‭ ‬للغلال،‭ ‬بل‭ ‬كان‭ ‬ديواناً‭ ‬مفتوحاً‭ ‬ومقراً‭ ‬رئيسياً‭ ‬لأبناء‭ ‬ورفلة‭ ‬وسكان‭ ‬نفد‭ ‬أثناء‭ ‬تواجدهم‭ ‬في‭ ‬سوق‭ ‬بني‭ ‬وليد‭. ‬كان‭ ‬المكان‭ ‬مخصصاً‭ ‬لاستقبال‭ ‬الضيوف‭ ‬والزوار،‭ ‬وتوزيع‭ ‬الوصايا‭ ‬من‭ ‬الشيخ‭ ‬اللالفي‭ ‬وأبنائه‭. ‬كما‭ ‬مثّل‭ ‬فضاءً‭ ‬حيوياً‭ ‬لعقد‭ ‬الاجتماعات،‭ ‬وفض‭ ‬النزاعات،‭ ‬وإجراء‭ ‬المصالحة‭ ‬الوطنية‭ ‬بين‭ ‬قبائل‭ ‬بني‭ ‬وليد‭. ‬وعلاوة‭ ‬على‭ ‬ذلك،‭ ‬لعب‭ ‬المخزن‭ ‬دوراً‭ ‬تربوياً‭ ‬هاماً‭ ‬كمكان‭ ‬لتحفيظ‭ ‬القرآن‭ ‬الكريم‭ ‬على‭ ‬يد‭ ‬مشايخ‭ ‬مثل‭ ‬الشيخ‭ ‬بوبكر‭ ‬الفرفوري‭ ‬والشيخ‭ ‬فتح‭ ‬الله‭ ‬رحمهم‭ ‬الله‭.‬

​البناء‭ ‬الاجتماعي‭ ‬للمشاركين‭ ‬في‭ ‬التأسيس‭ ‬والصيانة

​شارك‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬هذا‭ ‬الصرح‭ ‬أبناء‭ ‬اللالفي‭ ‬وهم‭ ‬امبية‭ ‬وبحر‭ ‬ونصر،‭ ‬بمشاركة‭ ‬إخوتهم‭ ‬من‭ ‬عائلات‭ ‬بن‭ ‬اجديرية‭ ‬والوريثات‭ ‬والقريفات‭ ‬وبن‭ ‬غريبة،‭ ‬حيث‭ ‬حرصت‭ ‬هذه‭ ‬العائلات‭ ‬على‭ ‬المشاركة‭ ‬الدورية‭ ‬في‭ ‬عمليات‭ ‬صيانة‭ ‬المخزن‭ ‬للحفاظ‭ ‬عليه،‭ ‬مما‭ ‬يعكس‭ ‬تلاحم‭ ‬المجتمع‭ ‬حول‭ ‬معالمهم‭ ‬التراثية‭. ‬كما‭ ‬تحتوي‭ ‬جدران‭ ‬المخزن‭ ‬على‭ ‬نقوش‭ ‬وكتابات‭ ‬توثيقية‭ ‬قديمة‭ ‬تعد‭ ‬شاهداً‭ ‬تاريخياً‭ ‬على‭ ‬هوية‭ ‬المكان‭ ‬والأفراد‭ ‬الذين‭ ‬ارتبطوا‭ ‬به‭ ‬ارتباطاً‭ ‬وثيقا‭.‬

ختاما

​إننا‭ ‬اليوم،‭ ‬وبينما‭ ‬نستحضر‭ ‬سيرة‭ ‬الشيخ‭ ‬عبد‭ ‬الرحيم‭ ‬بن‭ ‬اجديرية‭ ‬وإرث‭ ‬عائلته‭ ‬المعماري‭ ‬الفريد،‭ ‬ندرك‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الآثار‭ ‬من‭ ‬مسجدٍ‭ ‬ومخزن‭ ‬ليست‭ ‬مجرد‭ ‬أطلالٍ‭ ‬تُزار،‭ ‬بل‭ ‬هي‭ ‬دروسٌ‭ ‬حية‭ ‬في‭ ‬الوفاء‭ ‬والارتباط‭ ‬بالأرض‭. ‬إن‭ ‬انتقال‭ ‬مخزن‭ ‬بن‭ ‬اجديرية‭ ‬إلى‭ ‬عهدة‭ ‬مصلحة‭ ‬الآثار،‭ ‬واستمرار‭ ‬ذكر‭ ‬المسجد‭ ‬كشاهدٍ‭ ‬على‭ ‬تقوى‭ ‬الأجداد،‭ ‬هو‭ ‬تكريمٌ‭ ‬مستحق‭ ‬لنضالٍ‭ ‬استمر‭ ‬عقوداً،‭ ‬وجهادٍ‭ ‬امتد‭ ‬من‭ ‬وديان‭ ‬ورفلة‭ ‬إلى‭ ‬صحاري‭ ‬فزان‭ ‬وما‭ ‬وراء‭ ‬الحدود‭.‬

​ستظل‭ ‬سيرة‭ ‬هذه‭ ‬العائلة،‭ ‬وما‭ ‬خلّفته‭ ‬من‭ ‬شواهد،‭ ‬منارةً‭ ‬للأجيال‭ ‬القادمة،‭ ‬تذكرهم‭ ‬بأن‭ ‬العظمة‭ ‬الحقيقية‭ ‬تكمن‭ ‬في‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬حماية‭ ‬الأرض،‭ ‬وإعمار‭ ‬المكان،‭ ‬وصون‭ ‬الذاكرة‭ ‬الوطنية،‭ ‬لتظل‭ ‬بني‭ ‬وليد‭ ‬شامخةً‭ ‬بأبنائها‭ ‬الذين‭ ‬جعلوا‭ ‬من‭ ‬إرثهم‭ ‬الوطني‭ ‬نبراساً‭ ‬لا‭ ‬يغيب،‭ ‬ومن‭ ‬أسمائهم‭ ‬علامةً‭ ‬مضيئة‭ ‬في‭ ‬سجل‭ ‬الخلود‭ ‬الليبي‭.‬

الروايات‭ ‬الشفهية‭: ‬أحفاد‭ ‬الشيخ

الوثائق‭ ‬التاريخية‭: ‬من‭ ‬مكتبة‭ ‬آل‭ ‬بن‭ ‬اجديرية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى