فنون

على خشبة الوعي حين يُسلب الفنّ من أهله

طارق الجحاوي

لا‭ ‬يُقاس‭ ‬جمالُ‭ ‬الشعوب‭ ‬ومستوى‭ ‬حضارتها‭ ‬بشيء‭ ‬كما‭ ‬يُقاس‭ ‬بفنونها؛‭ ‬فالأغنية،‭ ‬والمسرحية،‭ ‬واللوحة،‭ ‬والقصيدة‭ ‬ليست‭ ‬مجرد‭ ‬وسائل‭ ‬للترفيه،‭ ‬بل‭ ‬هي‭ ‬ذاكرة‭ ‬الأمة،‭ ‬وصوت‭ ‬وجدانها،‭ ‬والمرآة‭ ‬التي‭ ‬تعكس‭ ‬أصالتها‭ ‬وقيمها‭. ‬لكن،‭ ‬حين‭ ‬تتراجع‭ ‬معايير‭ ‬الموهبة‭ ‬وتُفتح‭ ‬الأبواب‭ ‬على‭ ‬مصراعيها‭ ‬لمن‭ ‬لا‭ ‬يحملون‭ ‬من‭ ‬الفن‭ ‬سوى‭ ‬‮«‬الرغبة‭ ‬في‭ ‬الشهرة‮»‬،‭ ‬نصبح‭ ‬أمام‭ ‬ظاهرة‭ ‬خطيرة‭ ‬تهدد‭ ‬ذائقتنا‭ ‬العامة‭: ‬ظاهرة‭ ‬الدخلاء‭ ‬على‭ ‬الوسط‭ ‬الفني‭.‬

لقد‭ ‬أتاحتْ‭ ‬الطفرة‭ ‬الرقمية‭ ‬وصفحات‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي‭ ‬منصات‭ ‬لمن‭ ‬يمتلكون‭ ‬الموهبة‭ ‬ومن‭ ‬لا‭ ‬يمتلكونها‭ ‬على‭ ‬حد‭ ‬سواء‭. ‬وفي‭ ‬غياب‭ ‬الرقابة‭ ‬النقدية‭ ‬الجادة‭ ‬والمعايير‭ ‬الأكاديمية‭ ‬الصارمة،‭ ‬وجدنا‭ ‬أنفسنا‭ ‬نتابع‭ ‬أصواتاً‭ ‬بلا‭ ‬نبرة،‭ ‬وأدواراً‭ ‬بلا‭ ‬روح،‭ ‬وأعمالاً‭ ‬تفيد‭ ‬السطحية‭ ‬وتفتقر‭ ‬إلى‭ ‬الأدوات‭ ‬الأولية‭ ‬لصناعة‭ ‬الفن‭ ‬الحقيقي‭. ‬إن‭ ‬الشهرة‭ ‬السريعة‭ ‬أصبحت‭ ‬تُغري‭ ‬العابرين‭ ‬بالقفز‭ ‬فوق‭ ‬سور‭ ‬الفن‭ ‬السامي،‭ ‬مستغلين‭ ‬‮«‬الترند‮»‬‭ ‬والابتذال‭ ‬لتحقيق‭ ‬حضور‭ ‬زائف‭ ‬على‭ ‬حساب‭ ‬القامات‭ ‬والخبرات‭ ‬التي‭ ‬أمضتْ‭ ‬سنوات‭ ‬تتلمذ‭ ‬وتثقل‭ ‬مواهبها‭ ‬بالدراسة‭ ‬والجهد‭.‬

إنّ‭ ‬خطر‭ ‬هؤلاء‭ ‬لا‭ ‬يقتصر‭ ‬على‭ ‬تقديم‭ ‬منتج‭ ‬هابط‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬يمتد‭ ‬ليزيح‭ ‬المبدعين‭ ‬الحقيقيين‭ ‬إلى‭ ‬الظل،‭ ‬ويشوّه‭ ‬المعايير‭ ‬لدى‭ ‬الأجيال‭ ‬الجديدة‭ ‬التي‭ ‬باتت‭ ‬تظن‭ ‬أن‭ ‬الفن‭ ‬مجرد‭ ‬‮«‬استعراض‮»‬،‭ ‬أو‭ ‬‮«‬جرأة‭ ‬خاوية‮»‬‭.‬

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى