
تختزل تجربة الفنان والكاتب والمؤرخ المسرحي ميلود العمروني مسيرة حافلة وممتدة لعقود من العطاء الفني الثري.
مسيرة لم تقتصر على خشبة المسرح ممثلاً ومخرجاً ومؤلفاً، بل امتدتْ لتشمل التوثيق التاريخي للمسرح، والكتابة الصحفية، وتأسيس الصالونات الثقافية.
في هذا الحوار الخاص لصحيفة )فبراير(، نفتح مع الفنان ميلود العمروني أوراق البدايات من أروقة الأندية الرياضية، والثقافية ببنغازي، ونقف عند محطات الارتجال، والنص الكوميدي الناقد، والتوثيق للمسرح والقضية الفلسطينية.
نودّ أن نستهل هذا الحوار بالعودة إلى البدايات؛ كيف أسهمت البيئة الثقافية بنادي «نجوم الجمهور» (السواعد حالياً) في تشكيل هويتك المسرحية، وما الذي تعنيه لك تجربة الارتجال الأولى أمام رواد المسرح الحديث؟
كانت البيئة الثقافية بنادي «نجوم الجمهور» -السواعد حالياً- هي أكبر داعم ليّ لدخولي المسرح؛ حيث تلقيتُ تشجيعاً من الجميع، ومن خلال فرقة «هواة التمثيل» التابعة للجنة الثقافية بالنادي شاركت كممثل في مشهد تمثيلي بسيط رفقة صديقي مفتاح عبدالكريم العريبي بعنوان «الخطوبة»، وهو مشهد ارتجالي تم عرضه أمام أعضاء فرقة المسرح الحديث بمقرهم السابق المعروف بسينما النهضة. وكان الفضل في تلك الزيارة يعود للأساتذة: محمد عمر، سالم الرملي والحاج أحمد السوداني. ومن خلال هذه الزيارة، أصبحتْ أتردد على المسرح الحديث كعضو، واستمريتُ مع النادي وقدمتُ معهم 25 عرضاً مسرحياً لخمسة أعمال مسرحية وهي: )المدينة، الضياع، المتسلق، القاضي بوسعدية، ختال(. ومن خلال تلك العروض تعلمتُ فنَ الارتجال.
عاصرت كبار رواد المسرح الليبي، وأنت في هذه السن المبكرة وتلقيت نصائحهم؛ كيف انعكس ذلك على وقوفك على الخشبة اليوم؟
ما من شك أنَّ وقوفي على خشبة المسرح اليوم هو نتيجة بدايتي المبكرة في اكتشاف موهبة التمثيل لدي، وذلك في سن الرابعة عشرة من عمري؛ حيث أدركتُ وجايلتُ أغلب رواد ومؤسسي المسرح الأوائل وتعرفتُ عليهم في سن صغيرة واستمعتُ إليهم عن قرب، وقدموا لَّي كل النصائح والإرشادات وتدربتُ على أيديهم ووقفتُ مع أغلبهم على نفس الخشبة نفسها ممثلاً.
قدمتَ أكثر من 50 مسرحية سادها خيط «الكوميديا السوداء»، والنقد الاجتماعي باللهجة المحكية، في حين اقتصر حضور اللغة الفصحى على تجريبتين فقط؛ كيف ترى هذه التجربة وتأثيرها في الجمهور؟
خلال تجربتي المسرحية الطويلة دون انقطاع حاولتُ أن أكون قريباً من النَّاس من خلال أعمال باللهجة المحلية والتي بلغ عددها 50 مسرحية يغلب عليها الكوميديا السوداء، والنقد الاجتماعي.
أما باللغة الفصحى فقد قدمتُ عملين فقط وهما: مسرحية «المضطهدون» لفرقة المسرح الشعبي عام 1982م بالمهرجان الوطني الثالث الذي أقيم مناصفة بين بنغازي وطرابلس، ومسرحية «الغجر غجر» لفرقة المسرح الوطني ببنغازي وعرضتْ ضمن المهرجان الوطني الثامن عام 1999م.
ذكرتَ أنك في تجاربك التأليفية والإخراجية حرصتَ على تقديم رؤية مختلفة دون تقليد أحد.. كيف تُعرّف هُوية وخصوصية «مسرح ميلود العمروني»؟
خلال تلك الأعمال لم أقلد أحدًا، حاولتُ أن أضيف شيئاً للمسرح من خلال ممارستي للإعداد، والكتابة والإخراج، وأتحتُ الكثير من الفرص لمن يرغبون في التمثيل من خلال أعمالي المسرحية التي أخرجتها للمسرح.
أغلب الأعمال التي قمتُ بإخراجها هي من إعدادي، وإخراجي من باب الإضافة من حيث الشكل أو المضمون بأسلوب مختلف عن تجارب أساتذتي وزملائي الفنانين.
وستبقى تجربتي تختلف عن جميع تجارب الآخرين وسيكون لها خصوصيتها التي تميزها عن غيرها.
مساهمتك في التوثيق المسرحي متشعّبة، بين الكتب والمشاركات العربية، لا سيما ما يتعلق بالقضية الفلسطينية ومسرح بنغازي..
حدثنا عن هذا الجانب التوثيقي.
صدرتْ ليّ مجموعة من الكتب منها: )الضحك والإضحاك(، و)اليوم العالمي للمسرح في ذاكرة بنغازي(، و)مسرحنا(.
كما أسهمتُ في كتابة كتاب ضمن 26 كاتباً عربياً بعنوان )فلسطين في الدراما العربية(، وهو يتحدث عن السينما العربية، وكيف تناولت القضية الفلسطينية، وقد صدر الكتاب عام 2020م بمناسبة الدورة الخامسة لمهرجان القدس السينمائي.
وفي عام 2023م، وفي مهرجان بنغازي للفنون المسرحية في دورته الثانية «دورة الفنان رجب العقوري»، صدر ليّ الجزء الأول من كتاب «مسرحنا» ضمن احتفالية بنغازي عاصمة الثقافة في العالم الإسلامي.
انطلاقتك الصحفية والثقافية ارتبطتْ بالنادي الرياضي، والمجلات الرياضية، ثم تطورت إلى أعمدة ثنائية وصالونات ثقافية .. كيف تشكّلت هذه المسيرة؟
علاقتي بالصحافة جاءتْ من خلال الصحف والمجلات الرياضية، والسبَّب في ذلك ربما يعود لانطلاقتي من نادٍ رياضي ثقافي اجتماعي؛ حيث كانت البداية من لقاء قصير أجريته مع اللاعب الدولي محمد المجدوب بعد مشاركته في البطولة الأفريقية الثالثة عشرة التي أقيمتْ على ملعبي طرابلس، وبنغازي، ونُشر اللقاء بمجلة «الصقر الرياضي».
كما كتبتُ أيضاً بصحيفة «أخبار بنغازي» بتشجيع من الأساتذة فاروق النعاس، وسالم العبار للكتابة عن المسرح تحت عنوان )هذا هو المسرح( كمقال أسبوعي.
كما كتبتُ أخبارًا فنية وتلفزيونية ومقالات ثقافية بالصحف الرياضية الليبية منها: )جيل النصر والهلال(، ومجلة )الفن النبيل(.
أثمرتْ هذه التجربة الإعلامية والثقافية المتنوعة عن حراك ثقافي تجسّد في الصالونات الثقافية؛ حدثنا عن هذه التجربة.
بالتأكيد إنني استفدتُ من تلك التجربة بشكل مباشر وغير مباشر؛ حيث قمتُ بأربع جلسات ثقافية كل يوم ثلاثاء من كل أسبوع بحديقة المسرح الشعبي، ثم أسستُ صالون النصر الثقافي، وكذلك عملتُ كـ مشرف ومنسق لـ صالون وكالة الأنباء الليبية.
وجميع هذه الصالونات هي صالونات رياضية ثقافية اجتماعية فنية لا تتعاطى الشأن السياسي .. وهذه من التجارب الأخرى وهو المطلوب.


