
ينفضُ المعلمُ غبارَ الطباشيرِ عن أصابعه، يمسح اللوحَ في أحد فصول مدرسة )النهضة(، ثم يخرج إلى شوارع درنة. يعبر الوجوه التي تألفه مربيًا هادئًا، يتبادل معها تحيات عابرة، قبل أن يغلق باب غرفته ليلاً ليواجه اللغة ذاتها التي كان يروض قواعدها في النهار. في تلك الغرفة، ترك عبد السلام محمد الهوش العجيلي إعرابَ الجملِ وتطابق الصفة والموصوف لأوراق المدرسة، وشرع يفكك الكلماتِ ليصغي إلى أنينها الإنساني الخفي. تلك المسافة الفاصلة بين صرامة النحو في الصباح وحرية قصيدة النثر في المساء.
اختصرتْ سيرة رجل غادر العالم في أغسطس 2025 عن خمسة وستين عامًا، تاركاً وراءه مدينةً فقدتْ صوتًا كان يكتبها بصمتٍ.
حارس الكلمات في الظل
حين عاد «العجيلي» من سبها، حاملاً ليسانس اللغة العربية، اختار درنة، مسقط رأسه، لتكون فضاءه الأوحد. هناك؛ حيث البحر يراقب الجبل، والجبل يتربص بالبحر، عاش تفاصيل علاقته بالنَّاس والقصيدة.
مارس تعليم اللغة في النهار بوصفها مادة للمعرفة، ولجأ إليها في الليل بوصفها قارب نجاة.
هذا التناقض الظاهري بين المعلم المنضبط والشاعر المتمرد ذاب تمامًا في شخصيته؛ متسلحًا بإيمان عميق بأنَّ الكلمة هي الطريقة المَّمكنة لفهم العالم المربك من حوله.
انصرف «العجيلي» مبكرًا عن الأضواء والحضور المفتعل، متجنبًا الضجيج الذي يُصاحب عادة مَنْ يحترفون صناعة صورة «الشاعر» قبل كتابة الشعر نفسه. اكتفى بحضور خافتْ، وعميق في المهرجانات والملتقيات الثقافية، يشبه إيقاع قصيدته؛ يمر بهدوء، يُلقي نصه، ويترك للقصيدة مهمة الدفاع عن نفسها. لقد أدرك باكرًا أن القصيدة الجيدة تشق طريقها بلا حنجرة عالية، وأن الشاعر الحقيقي يترك نصه يتحدث نيابة عنه حين يغيب.
شكلتْ درنة لحم القصيدة ودمها في نصوص «العجيلي»، متجاوزة دور المسرح الخلفي العابر.
في تسعينيات القرن الماضي، وحين كانتْ الطائرات تحلق فوق المدينة تاركة ظلالاً من الخوف الثقيل، كتب «منشورات سرية». تحوَّلت المدينة في تلك المجموعة إلى مادة للخوف والأمل معًا. صاغ الوطن من خلال أزقة مدينته، ووجوه أبنائها، وتلك الذاكرة المرتجفة الباحثة عن ملاذ.
هذا الانحياز الصارخ لمكابدة الألم الإنساني التقطه الشاعر مفتاح العماري حين قرأ ديوان )شجر الكلام( الصادر سنة 2001.
رأى العماري في تلك المجموعة نكهة خاصة تضاف إلى مسار قصيدة النثر الليبية، ومحاولة جادة لارتياد مناطق بكرًا في الكتابة.
كان «العجيلي» يكثف الألم، يضغط عليه بالكلمات حتى يقطر شعرًا صافيًا، متجاوزًا الانفعال إلى تأمل أعمق في ضعف الكائن البشري.
غبار الرؤية في مهب الريح
حين تصبح حالة الطقس عنوانًا لكتاب، يتحوَّل المكان تلقائيًا إلى استعارة. هكذا فعل «العجيلي» في مجموعته )مهب القبلي(. رياح القبلي المحملة بالغبار، التي تعمي العيون وتخنق الأنفاس، مثّلتْ معادلاً موضوعياً لزمن مضطرب ولحياة يحاول الإنسان فيها أن يفتح عينيه ليرى حقيقة الأشياء رغم العواصف.
تظهر ليبيا في شعره عبر هذه الاستعارات؛ بلاد مجروحة، عطشى، يثقلها الماضي، وتقاوم الموت.
هذا التوتر الدقيق بين وجع اللحظة وأمل النجاة منح تجربته بعدًا إنسانيًا واسعًا، منقذًا نصوصه من الخطابة الوطنية المباشرة. ولأن النصّ الصادق يشق طريقه ببطء وثبات، بدأتْ تجربة «العجيلي» تفرض أسئلتها على البحث الأكاديمي والنقد المنهجي في الجامعات الليبية.
انتبه النقدُ أخيرًا إلى أن الشاعر الذي آثر الظلَ، تركَ في العراء نصوصًا قادرة على إثارة الزوابع.
رغم ثقل المنجز الشعري، تظل صورة المعلم تنازع صورة الشاعر في سيرة «العجيلي». أولئك الذين عرفوه في فصول درنة يتحدثون عن مربٍ استثنائي، منح وقته وصبره لأجيال متلاحقة. تجاوزتْ حصة اللغة العربية معه حدود الوقت المقتطع من اليوم الدراسي، لتصبح درسًا خفيًا في الانتماء. علّم طلابه أنّ اللغة يمكن أن تكون بيتًا دافئًا نأوي إليه حين تضيق بنا الشوارع، وأن الكلمة، حين ننطقها باحترام، قادرة على ترميم عطب الروح.
هذا الأثر الهادئ الذي حفره «العجيلي» في حراك مدينته المجتمعي والثقافي، يفسر الكثير من زهده الإعلامي. لقد رأى ثمار عمله تنمو أمام عينيه في عقول طلابه، وفي مجالس أصدقائه، وعلى أرصفة درنة. أحدث تغييًا حقيقيًا وملموسًا، بعيدًا عن العدسات التي تلتقط القشور وتخطئ الجوهر.
أسئلة الرفوف المفتوحة
بعد عام كامل على رحيله، يبرز سؤالُ الذاكرة ثقيلاً وملحًا.هل نكتفي برثاء المعلم والشاعر في ذكرى غيابه الأولى، ونعيد اسمه إلى رفوف النسيان ريثما يحين موعد الذكرى الثانية؟
يُطالبنا «العجيلي» اليوم بفعل يتجاوز الرثاء. تستدعي تجربته جهدًا حقيقيًا لجمع نصوصه المتناثرة، ومخطوطاته التي طواها الورق القديم. تستحق حواراته وشهادات طلابه التوثيق لتشكل مادةً خصبة للدراسات التي تبحث في علاقة الأدب بالمكان، وكيف تكتب قصيدة النثر تاريخ مدينة خائفة.
ربما يتمثل الواجب الأصدق تجاه عبدالسلام العجيلي اليوم، في فتح «شجر الكلام»، وتصفح «منشورات سرية»، والوقوف في «مهب القبلي»، لاستنطاق نصوص ما زالتْ تنبض بالحياة، قادرة حتى اللحظة على طرح أصعب الأسئلة عن الإنسان، والوطن، والخوف، وتلك المسافة الشاسعة التي نقطعها لندرك أننا مجرد كلمات تبحث عن جملة مفيدة تأوي إليها.


