ثقافة

غبار الطباشير ورياح القبلي عــام على غياب عبد السلام العجيلي

مفتاح ميلود

ينفضُ‭ ‬المعلمُ‭ ‬غبارَ‭ ‬الطباشيرِ‭ ‬عن‭ ‬أصابعه،‭ ‬يمسح‭ ‬اللوحَ‭ ‬في‭ ‬أحد‭ ‬فصول‭ ‬مدرسة‭ )‬النهضة‭(‬،‭ ‬ثم‭ ‬يخرج‭ ‬إلى‭ ‬شوارع‭ ‬درنة‭. ‬يعبر‭ ‬الوجوه‭ ‬التي‭ ‬تألفه‭ ‬مربيًا‭ ‬هادئًا،‭ ‬يتبادل‭ ‬معها‭ ‬تحيات‭ ‬عابرة،‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يغلق‭ ‬باب‭ ‬غرفته‭ ‬ليلاً‭ ‬ليواجه‭ ‬اللغة‭ ‬ذاتها‭ ‬التي‭ ‬كان‭ ‬يروض‭ ‬قواعدها‭ ‬في‭ ‬النهار‭. ‬في‭ ‬تلك‭ ‬الغرفة،‭ ‬ترك‭ ‬عبد‭ ‬السلام‭ ‬محمد‭ ‬الهوش‭ ‬العجيلي‭ ‬إعرابَ‭ ‬الجملِ‭ ‬وتطابق‭ ‬الصفة‭ ‬والموصوف‭ ‬لأوراق‭ ‬المدرسة،‭ ‬وشرع‭ ‬يفكك‭ ‬الكلماتِ‭ ‬ليصغي‭ ‬إلى‭ ‬أنينها‭ ‬الإنساني‭ ‬الخفي‭. ‬تلك‭ ‬المسافة‭ ‬الفاصلة‭ ‬بين‭ ‬صرامة‭ ‬النحو‭ ‬في‭ ‬الصباح‭ ‬وحرية‭ ‬قصيدة‭ ‬النثر‭ ‬في‭ ‬المساء‭.‬

‭ ‬اختصرتْ‭ ‬سيرة‭ ‬رجل‭ ‬غادر‭ ‬العالم‭ ‬في‭ ‬أغسطس‭ ‬2025‭ ‬عن‭ ‬خمسة‭ ‬وستين‭ ‬عامًا،‭ ‬تاركاً‭ ‬وراءه‭ ‬مدينةً‭ ‬فقدتْ‭ ‬صوتًا‭ ‬كان‭ ‬يكتبها‭ ‬بصمتٍ‭.‬

‮ ‬حارس‭ ‬الكلمات‭ ‬في‭ ‬الظل

حين‭ ‬عاد‭ ‬‮«‬العجيلي‮»‬‭ ‬من‭ ‬سبها،‭ ‬حاملاً‭ ‬ليسانس‭ ‬اللغة‭ ‬العربية،‭ ‬اختار‭ ‬درنة،‭ ‬مسقط‭ ‬رأسه،‭ ‬لتكون‭ ‬فضاءه‭ ‬الأوحد‭. ‬هناك؛‭ ‬حيث‭ ‬البحر‭ ‬يراقب‭ ‬الجبل،‭ ‬والجبل‭ ‬يتربص‭ ‬بالبحر،‭ ‬عاش‭ ‬تفاصيل‭ ‬علاقته‭ ‬بالنَّاس‭ ‬والقصيدة‭.‬

مارس‭ ‬تعليم‭ ‬اللغة‭ ‬في‭ ‬النهار‭ ‬بوصفها‭ ‬مادة‭ ‬للمعرفة،‭ ‬ولجأ‭ ‬إليها‭ ‬في‭ ‬الليل‭ ‬بوصفها‭ ‬قارب‭ ‬نجاة‭.‬

هذا‭ ‬التناقض‭ ‬الظاهري‭ ‬بين‭ ‬المعلم‭ ‬المنضبط‭ ‬والشاعر‭ ‬المتمرد‭ ‬ذاب‭ ‬تمامًا‭ ‬في‭ ‬شخصيته؛‭ ‬متسلحًا‭ ‬بإيمان‭ ‬عميق‭ ‬بأنَّ‭ ‬الكلمة‭ ‬هي‭ ‬الطريقة‭ ‬المَّمكنة‭ ‬لفهم‭ ‬العالم‭ ‬المربك‭ ‬من‭ ‬حوله‭.‬

انصرف‭ ‬‮«‬العجيلي‮»‬‭ ‬مبكرًا‭ ‬عن‭ ‬الأضواء‭ ‬والحضور‭ ‬المفتعل،‭ ‬متجنبًا‭ ‬الضجيج‭ ‬الذي‭ ‬يُصاحب‭ ‬عادة‭ ‬مَنْ‭ ‬يحترفون‭ ‬صناعة‭ ‬صورة‭ ‬‮«‬الشاعر‮»‬‭ ‬قبل‭ ‬كتابة‭ ‬الشعر‭ ‬نفسه‭. ‬اكتفى‭ ‬بحضور‭ ‬خافتْ،‭ ‬وعميق‭ ‬في‭ ‬المهرجانات‭ ‬والملتقيات‭ ‬الثقافية،‭ ‬يشبه‭ ‬إيقاع‭ ‬قصيدته؛‭ ‬يمر‭ ‬بهدوء،‭ ‬يُلقي‭ ‬نصه،‭ ‬ويترك‭ ‬للقصيدة‭ ‬مهمة‭ ‬الدفاع‭ ‬عن‭ ‬نفسها‭. ‬لقد‭ ‬أدرك‭ ‬باكرًا‭ ‬أن‭ ‬القصيدة‭ ‬الجيدة‭ ‬تشق‭ ‬طريقها‭ ‬بلا‭ ‬حنجرة‭ ‬عالية،‭ ‬وأن‭ ‬الشاعر‭ ‬الحقيقي‭ ‬يترك‭ ‬نصه‭ ‬يتحدث‭ ‬نيابة‭ ‬عنه‭ ‬حين‭ ‬يغيب‭.‬

شكلتْ‭ ‬درنة‭ ‬لحم‭ ‬القصيدة‭ ‬ودمها‭ ‬في‭ ‬نصوص‭ ‬‮«‬العجيلي‮»‬،‭ ‬متجاوزة‭ ‬دور‭ ‬المسرح‭ ‬الخلفي‭ ‬العابر‭.‬

في‭ ‬تسعينيات‭ ‬القرن‭ ‬الماضي،‭ ‬وحين‭ ‬كانتْ‭ ‬الطائرات‭ ‬تحلق‭ ‬فوق‭ ‬المدينة‭ ‬تاركة‭ ‬ظلالاً‭ ‬من‭ ‬الخوف‭ ‬الثقيل،‭ ‬كتب‭ ‬‮«‬منشورات‭ ‬سرية‮»‬‭. ‬تحوَّلت‭ ‬المدينة‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬المجموعة‭ ‬إلى‭ ‬مادة‭ ‬للخوف‭ ‬والأمل‭ ‬معًا‭. ‬صاغ‭ ‬الوطن‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬أزقة‭ ‬مدينته،‭ ‬ووجوه‭ ‬أبنائها،‭ ‬وتلك‭ ‬الذاكرة‭ ‬المرتجفة‭ ‬الباحثة‭ ‬عن‭ ‬ملاذ‭.‬

هذا‭ ‬الانحياز‭ ‬الصارخ‭ ‬لمكابدة‭ ‬الألم‭ ‬الإنساني‭ ‬التقطه‭ ‬الشاعر‭ ‬مفتاح‭ ‬العماري‭ ‬حين‭ ‬قرأ‭ ‬ديوان‭ )‬شجر‭ ‬الكلام‭(‬‭ ‬الصادر‭ ‬سنة‭ ‬2001‭.‬

رأى‭ ‬العماري‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬المجموعة‭ ‬نكهة‭ ‬خاصة‭ ‬تضاف‭ ‬إلى‭ ‬مسار‭ ‬قصيدة‭ ‬النثر‭ ‬الليبية،‭ ‬ومحاولة‭ ‬جادة‭ ‬لارتياد‭ ‬مناطق‭ ‬بكرًا‭ ‬في‭ ‬الكتابة‭.‬

كان‭ ‬‮«‬العجيلي‮»‬‭ ‬يكثف‭ ‬الألم،‭ ‬يضغط‭ ‬عليه‭ ‬بالكلمات‭ ‬حتى‭ ‬يقطر‭ ‬شعرًا‭ ‬صافيًا،‭ ‬متجاوزًا‭ ‬الانفعال‭ ‬إلى‭ ‬تأمل‭ ‬أعمق‭ ‬في‭ ‬ضعف الكائن‭ ‬البشري‭.‬

غبار‭ ‬الرؤية‭ ‬في‭ ‬مهب‭ ‬الريح

حين‭ ‬تصبح‭ ‬حالة‭ ‬الطقس‭ ‬عنوانًا‭ ‬لكتاب،‭ ‬يتحوَّل‭ ‬المكان‭ ‬تلقائيًا‭ ‬إلى‭ ‬استعارة‭. ‬هكذا‭ ‬فعل‭ ‬‮«‬العجيلي‮»‬‭ ‬في‭ ‬مجموعته‭ )‬مهب‭ ‬القبلي‭(. ‬رياح‭ ‬القبلي‭ ‬المحملة‭ ‬بالغبار،‭ ‬التي‭ ‬تعمي‭ ‬العيون‭ ‬وتخنق‭ ‬الأنفاس،‭ ‬مثّلتْ‭ ‬معادلاً‭ ‬موضوعياً‭ ‬لزمن‭ ‬مضطرب‭ ‬ولحياة‭ ‬يحاول‭ ‬الإنسان‭ ‬فيها‭ ‬أن‭ ‬يفتح‭ ‬عينيه‭ ‬ليرى‭ ‬حقيقة‭ ‬الأشياء‭ ‬رغم‭ ‬العواصف‭.‬

تظهر‭ ‬ليبيا‭ ‬في‭ ‬شعره‭ ‬عبر‭ ‬هذه‭ ‬الاستعارات؛‭ ‬بلاد‭ ‬مجروحة،‭ ‬عطشى،‭ ‬يثقلها‭ ‬الماضي،‭ ‬وتقاوم‭ ‬الموت‭.‬

هذا‭ ‬التوتر‭ ‬الدقيق‭ ‬بين‭ ‬وجع‭ ‬اللحظة‭ ‬وأمل‭ ‬النجاة‭ ‬منح‭ ‬تجربته‭ ‬بعدًا‭ ‬إنسانيًا‭ ‬واسعًا،‭ ‬منقذًا‭ ‬نصوصه‭ ‬من‭ ‬الخطابة‭ ‬الوطنية‭ ‬المباشرة‭. ‬ولأن‭ ‬النصّ‭ ‬الصادق‭ ‬يشق‭ ‬طريقه‭ ‬ببطء‭ ‬وثبات،‭ ‬بدأتْ‭ ‬تجربة‭ ‬‮«‬العجيلي‮»‬‭ ‬تفرض‭ ‬أسئلتها‭ ‬على‭ ‬البحث‭ ‬الأكاديمي‭ ‬والنقد‭ ‬المنهجي‭ ‬في‭ ‬الجامعات‭ ‬الليبية‭.‬

انتبه‭ ‬النقدُ‭ ‬أخيرًا‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬الشاعر‭ ‬الذي‭ ‬آثر‭ ‬الظلَ،‭ ‬تركَ‭ ‬في‭ ‬العراء‭ ‬نصوصًا‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬إثارة‭ ‬الزوابع‭.‬

رغم‭ ‬ثقل‭ ‬المنجز‭ ‬الشعري،‭ ‬تظل‭ ‬صورة‭ ‬المعلم‭ ‬تنازع‭ ‬صورة‭ ‬الشاعر‭ ‬في‭ ‬سيرة‭ ‬‮«‬العجيلي‮»‬‭. ‬أولئك‭ ‬الذين‭ ‬عرفوه‭ ‬في‭ ‬فصول‭ ‬درنة‭ ‬يتحدثون‭ ‬عن‭ ‬مربٍ‭ ‬استثنائي،‭ ‬منح‭ ‬وقته‭ ‬وصبره‭ ‬لأجيال‭ ‬متلاحقة‭. ‬تجاوزتْ‭ ‬حصة‭ ‬اللغة‭ ‬العربية‭ ‬معه‭ ‬حدود‭ ‬الوقت‭ ‬المقتطع‭ ‬من‭ ‬اليوم‭ ‬الدراسي،‭ ‬لتصبح‭ ‬درسًا‭ ‬خفيًا‭ ‬في‭ ‬الانتماء‭. ‬علّم‭ ‬طلابه‭ ‬أنّ‭ ‬اللغة‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬بيتًا‭ ‬دافئًا‭ ‬نأوي‭ ‬إليه‭ ‬حين‭ ‬تضيق‭ ‬بنا‭ ‬الشوارع،‭ ‬وأن‭ ‬الكلمة،‭ ‬حين‭ ‬ننطقها‭ ‬باحترام،‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬ترميم‭ ‬عطب الروح‭.‬

هذا‭ ‬الأثر‭ ‬الهادئ‭ ‬الذي‭ ‬حفره‭ ‬‮«‬العجيلي‮»‬‭ ‬في‭ ‬حراك‭ ‬مدينته‭ ‬المجتمعي‭ ‬والثقافي،‭ ‬يفسر‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬زهده‭ ‬الإعلامي‭. ‬لقد‭ ‬رأى‭ ‬ثمار‭ ‬عمله‭ ‬تنمو‭ ‬أمام‭ ‬عينيه‭ ‬في‭ ‬عقول‭ ‬طلابه،‭ ‬وفي‭ ‬مجالس‭ ‬أصدقائه،‭ ‬وعلى‭ ‬أرصفة‭ ‬درنة‭. ‬أحدث‭ ‬تغييًا‭ ‬حقيقيًا‭ ‬وملموسًا،‭ ‬بعيدًا‭ ‬عن‭ ‬العدسات‭ ‬التي‭ ‬تلتقط‭ ‬القشور‭ ‬وتخطئ‭ ‬الجوهر‭.‬

أسئلة‭ ‬الرفوف‭ ‬المفتوحة

بعد‭ ‬عام‭ ‬كامل‭ ‬على‭ ‬رحيله،‭ ‬يبرز‭ ‬سؤالُ‭ ‬الذاكرة‭ ‬ثقيلاً‭ ‬وملحًا‭.‬هل‭ ‬نكتفي‭ ‬برثاء‭ ‬المعلم‭ ‬والشاعر‭ ‬في‭ ‬ذكرى‭ ‬غيابه‭ ‬الأولى،‭ ‬ونعيد‭ ‬اسمه‭ ‬إلى‭ ‬رفوف‭ ‬النسيان‭ ‬ريثما‭ ‬يحين‭ ‬موعد‭ ‬الذكرى‭ ‬الثانية؟

يُطالبنا‭ ‬‮«‬العجيلي‮»‬‭ ‬اليوم‭ ‬بفعل‭ ‬يتجاوز‭ ‬الرثاء‭. ‬تستدعي‭ ‬تجربته‭ ‬جهدًا‭ ‬حقيقيًا‭ ‬لجمع‭ ‬نصوصه‭ ‬المتناثرة،‭ ‬ومخطوطاته‭ ‬التي‭ ‬طواها‭ ‬الورق‭ ‬القديم‭. ‬تستحق‭ ‬حواراته‭ ‬وشهادات‭ ‬طلابه‭ ‬التوثيق‭ ‬لتشكل‭ ‬مادةً‭ ‬خصبة‭ ‬للدراسات‭ ‬التي‭ ‬تبحث‭ ‬في‭ ‬علاقة‭ ‬الأدب‭ ‬بالمكان،‭ ‬وكيف‭ ‬تكتب‭ ‬قصيدة‭ ‬النثر‭ ‬تاريخ‭ ‬مدينة‭ ‬خائفة‭.‬

ربما‭ ‬يتمثل‭ ‬الواجب‭ ‬الأصدق‭ ‬تجاه‭ ‬عبدالسلام‭ ‬العجيلي‭ ‬اليوم،‭ ‬في‭ ‬فتح‭ ‬‮«‬شجر‭ ‬الكلام‮»‬،‭ ‬وتصفح‭ ‬‮«‬منشورات‭ ‬سرية‮»‬،‭ ‬والوقوف‭ ‬في‭ ‬‮«‬مهب‭ ‬القبلي‮»‬،‭ ‬لاستنطاق‭ ‬نصوص‭ ‬ما‭ ‬زالتْ‭ ‬تنبض‭ ‬بالحياة،‭ ‬قادرة‭ ‬حتى‭ ‬اللحظة‭ ‬على‭ ‬طرح‭ ‬أصعب‭ ‬الأسئلة‭ ‬عن‭ ‬الإنسان،‭ ‬والوطن،‭ ‬والخوف،‭ ‬وتلك‭ ‬المسافة‭ ‬الشاسعة‭ ‬التي‭ ‬نقطعها‭ ‬لندرك‭ ‬أننا‭ ‬مجرد‭ ‬كلمات‭ ‬تبحث‭ ‬عن‭ ‬جملة‭ ‬مفيدة‭ ‬تأوي‭ ‬إليها‭.‬

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى