
تُقاس جودة المشاريع الوطنية والبنية التحتية بالاهتمام بأدق التفاصيل، فالمشروع الناجح ليس مجرد طبقات من الإسفلت وخرسانات تتمدد عبر المدينة، بل هو منظومة متكاملة تشكل الهوية البصرية وتوفر أقصى درجات الأمان والسهولة لمستخدمي الطريق. غير أن ما نراه اليوم في بعض مقاطع «الطريق الدائري الثالث» بمدينة طرابلس يضعنا أمام علامات استفهام حقيقية تعيدنا عقودا إلى الخلف.
من يتجول في الأجزاء التي تم تنفيذها هذا العام من هذا الشريان الحيوي، يستوقفه المشهد البصري للوحات الإرشادية. لوحات تتطابق في هيكليتها ورداءة خطوطها وغياب معاييرها الهندسيّة مع نماذج ثمانينات القرن الماضي، وكأن عجلة الزمن توقفت عن الدوران عند تلكم العقود التي غابت فيها الأدلة القياسية المحلية والدولية.
العجب لا يقف عند حد الشكليات؛ بل يتجاوزه إلى حقيقة أن الجهة الموكل إليها تنفيذ هذا المشروع هو ائتلاف يضم أربع شركات استثمارية وإنشائية كبرى، يُفترض أنها تمتلك سجلا حافلا بالخبرات والتجارب العملية في بعض دول الخليج وأفريقيا. فكيف لخبرات بهذا الحجم أن تغفل عن تطبيق أبسط الكودات المرورية والهندسية في مشروع يمثل عصباً رئيساً للعاصمة؟
الفرق يبدو واضحا حين تقارن هذه الشواهد بما تم تنفيذه في «طريق المطار». هناك، تلمس محاولة جادة للاقتراب من التصميمات العصرية والتزام المقاييس التي تعتمدها الدول في هندسة العلامات المرورية، من حيث نوع الخط، والتباين البصري، والكتابة بلغتين.
أما النظر إلى اللوحات التي تم تركيبها في الطريق الدائري الثالث وعند تحليلها وفق دليل أجهزة التحكم المروري الموحد «MUTCD» واتفاقية فيينا بشأن إشارات وعلامات الطرق، نجد مجموعة من المخالفات الصريحة للمعايير الدولية في هندسة المرور والبصريات لعل أحدها هو عدم إدراج الأسماء باللغة الإنجليزية/اللاتينية بجانب اللغة الوطنية على الطرق الرئيسية التي تربط العواصم والمطارات بالمنافذ الدولية.
هنا نتساءل عن الدور الإشرافي للجهة المالكة للمشروع، والتي يبدو أنها تسلّمت ملف اللوحات باعتبارها مجرد «قطع حديدية» تُثبّت على جانب الطريق، بدلاً من كونها أدوات سلام وسيادة معمارية بصرية.
إن الطريق الدائري الثالث مشروع استراتيجي ينتظره الجميع، ولا يليق به أن يُشوَّه ببدائية اللوحات الإرشادية. المطلوب اليوم خطوة شجاعة من الجهات المتابعة لتجميد تركيب هذه النماذج، وإلزام الشركات المنفذة بإعادة تصميم جميع الشواهد الإرشادية وفق أعلى معايير السلامة والهندسة البصرية الحديثة.. فالمدينة تستحق الأفضل، والذاكرة الوطنية يجب أن لا تظل أسيرة الثمانينات.



