
اختتمت فعاليات الدورة الثالثة لمعرض ليبيا الدولي للتنمية الزراعية والحيوانية، والذي استمر على مدى ثلاثة أيام من 22 -24 سبتمبر تحت إشراف الهيئة العامة للمعارض والمؤتمرات. حيث شهد المعرض مشاركة 55 شركة محلية ودولية متخصصة في المجال الزراعي والحيواني، وسلسلة من ورش العمل والمحاضرات العلمية، بمشاركة نخبة من الأكاديميين والخبراء على المستوى المحلي والإقليمي.. وتناولت الجلسات العلمية عدداً من المحاور الهامة، منها محاضرة بعنوان «تحديث الري في ليبيا»، التي استعرضت أهم التقنيات الحديثة في مجال الري، واستخدام البيانات الإحصائية لحساب الاحتياجات المائية للمحاصيل الزراعية وسبل تحسين الإنتاج.. كما ناقشت جلسة بعنوان :«الآفات العابرة ومسارات الانتشار» آليات تتبع البؤر الحشرية ومسارات وصولها وانتشارها داخل ليبيا وطرق الوقاية منها.. وتناولت بقية فقرات البرنامج العلمي ورقة بحثية حول «معايير السلامة في التعامل مع المبيدات، ثم تقنيات الزراعة المحمية، وصولاً إلى آفاق تطبيق المقاومة البيولوجية».
توطين العلاج
أوضحت الدكتورة/ أحلام راشد، المدير العام للمركز المتقدم لأبحاث النبات والطب التكميلي بجامعة الزاوية، عن رؤية المركز التي تقوم على الربط المباشر بين البحث العلمي والواقع الصحي والبيئي في ليبيا. وقالت ل«فبراير» هامش فعاليات معرض: أن المركز يهتم بالصحة البحثية النباتية من خلال محورين رئيسيين، المحور الأول يختص بدراسة المبيدات الزراعية وتأثيراتها وجودتها، والمحور الثاني يختص بالطب البديل والتكميلي المستمد من الطب الشعبي والموروث المحلي، مؤكدة أن العمل لا يتم بمعزل، بل بتكامل مع تخصصات الهندسة والعلوم الأساسية وعلم الاجتماع والعلاقات والتنمية المجتمعية، لأن الصحة النباتية والبشرية منظومة واحدة.
معاناة المرضى
وأضافت: المركز يحاول أن يكون حلقة وصل بين المشاكل التي تعاني منها ليبيا وتلك التي تعاني منها الدول الأخرى، وضربت مثالاً على ذلك بدور المركز في دراسة بعض الأمراض المسرطنة التي تم تهميشها ونسيانها محلياً، حيث يعمل المركز على تشخيصها وتتبع أسبابها النباتية والبيئية. وتابعت: «نحن كجهة بحثية نؤمن أن البحث العلمي يجب ألا يبقى حبيس الأدراج، بل يجب أن تكون هناك ضرورة حتمية للربط بين البحث كبذرة أولى والمخرجات النهائية التطبيقية داخل المختبرات البحثية، حتى يتحول البحث إلى منتج يخدم المجتمع».
نموذج ناجح
وتحدثت أحلام عن نموذج ناجح حققه المركز، وهو نبتة الزعفران التي كانت مهملة في ليبيا لسنوات طويلة، حيث أثبتت الدراسات التقليدية والمختبرية التي أجراها المركز أن البيئة الليبية صالحة لإنتاجه بجودة عالية بعد إجراء التجارب المختبرية الدقيقة واكتشاف فوائد عناصره التركيبية الفعالة. وأشارت إلى أن هذا الإنجاز له بعدان اقتصاديان وصحيان، فمن الناحية الاقتصادية سيحد من استنزاف ثروة كبيرة من العملة الصعبة كانت تذهب للخارج لاستيراد الزعفران ومستحضراته، ومن الناحية الصحية فإن توطين زراعته وتصنيعه كعلاج في الداخل محلياً سيوفر على الدولة الكثير ويقلل من حدة الأمراض المستوطنة من خلال تعزيز مناعة الجسم..
حملتنا مستمرة
وأكد الدكتور/ نصر الدين الشفلو من المركز الوطني للصحة الحيوانية أن المركز يُعد الواجهة الرئيسية للوقاية من الأمراض الحيوانية في ليبيا.. وأوضح الشفلو أن المركز يضم تحت مظلته عدة إدارات حيوية، أبرزها إدارات الحجر البيطري، والأمراض المشتركة، والأوبئة، والتقصي والرصد، والخدمات البيطرية.. وكشف أنه تم مؤخراً تنفيذ حملة وطنية للتحصين ضد مرض الحمى القلاعية، وهو مرض فيروسي شديد العدوى وسريع الانتشار، يصيب الحيوانات مشقوقة الظلف كالأبقار والأغنام والماعز والجاموس.
صعوبات
وأشار إلى أن من أبرز الصعوبات التي تواجه المركز هي عدم قيام المربين بالإبلاغ عن هذه الأمراض، مشدداً على ضرورة إبلاغ أقرب وحدة للصحة الحيوانية فور الاشتباه، حتى يتسنى للفرق المختصة التدخل السريع للمساعدة ومحاصرة بؤرة المرض ومنع انتشاره بشكل أوسع. وعن طرق الوقاية، أوضح أن أهمها يتمثل في الإبلاغ الفوري عن أي أعراض مشتبه بها لأقرب وحدة بيطرية، والالتزام الصارم ببرنامج التحصين الوطني، وعزل الحيوانات المصابة في مكان بعيد، ومنع اختلاطها مع الحيوانات السليمة القابلة للعدوى، ومنع دخول الحيوانات السليمة إلى المزارع الموبوءة.
بناء منظومة زراعية
ومن جانبه أفادنا المهندس/ هشام بحير، مدير مركز المعلومات والتوثيق بوزارة الزراعة والثروة الحيوانية، عن الدور المحوري الذي يلعبه المركز في إعادة هيكلة الوزارة على أسس علمية ورقمية حديثة. وقال بحير: إن المركز أنشئ ليكون الذراع الرقمي للوزارة، ويهدف بشكل أساسي إلى قيادة عملية التحول الرقمي الكامل داخل مفاصل الوزارة وقطاعاتها المختلفة. وأوضح أن آلية عمل المركز تقوم على ثلاث مراحل مترابطة، تبدأ بمرحلة جمع البيانات من كافة الإدارات والقطاعات والمشاريع التابعة للوزارة، مروراً بمرحلة حفظها وأرشفتها وتنظيفها وتدقيقها لضمان دقتها، وانتهاءً بمرحلة تحليلها وتقديمها بشكل مستمر وآني لصناع القرار، وصياغتها في تقارير فنية وإحصائية دقيقة تساعد في تحديد الاحتياجات ورسم السياسات.
هل البيانات من أرض الواقع؟
وإجابة عن سؤال حول مصادر هذه البيانات وهل هي ميدانية من أرض الواقع؟ أكد بحير أن المركز لا يزال في طور الإنشاء والتطوير الداخلي، وأن عملية بناء قاعدة بيانات وطنية شاملة هي عملية تراكمية تحتاج وقتاً.. وأضاف: «لا نستطيع أن نقول إننا حققنا الاكتفاء الذاتي المعلوماتي، فالواقع الزراعي الليبي نفسه لا يزال يعتمد بشكل كبير على الاستيراد لتغطية احتياجات السوق المحلية التي لا تزال متعطشة، وهذا ما نعمل على تغييره». وشدد على أن قطاع الزراعة ليس مجرد قطاع خدمي، بل هو قطاع حيوي واقتصادي وركيزة أساسية للأمن القومي الغذائي، مشيراً إلى أن الوزارة تولي هذا القطاع اهتماماً استراتيجياً خاصاً.. واختتم: بالتأكيد على أن المشروع المستقبلي للوزارة يهدف إلى النهوض بهذا القطاع وفق خطط متقنة ومدروسة ومبنية على بيانات حقيقية يوفرها المركز، بما يمهد الطريق لفتح باب الاستثمار الزراعي والحيواني أمام القطاع الخاص المحلي والأجنبي، وتحويل ليبيا من دولة مستوردة إلى دولة منتجة.
ضوابط استثمارية
بينت مفيدة رمضان فرج، مدير مكتب تسجيل الشركات بجهاز الاستثمار والتنمية الزراعية والثروة الحيوانية، عن حجم محفظة المشاريع التي يشرف عليها الجهاز، ودورها في دعم الاقتصاد الوطني. واوضحت: أن هذه هي المشاركة الثانية للجهاز في هذا المعرض المتخصص، والذي يمثل منصة مهمة للتواصل المباشر مع المستثمرين والمربين والمهتمين بالقطاع. وأن جهاز الاستثمار والتنمية الزراعية والثروة الحيوانية تم إنشاؤه في عام 2022 بموجب قرار إنشاء، وأنيطت به مهمة الإشراف وتنظيم الاستثمار في القطاع الزراعي بشقيه النباتي والحيواني، وفتح المجال أمام القطاع الخاص للاستثمار في أراضي ومشاريع القطاع العام وفق ضوابط استثمارية واضحة. وأضافت: أن الجهاز يشرف حالياً على 137 مشروعاً استثمارياً، تتوزع بين مشاريع زراعية وحيوانية، تهدف جميعها إلى توفير منتجات وطنية للسوق الليبي بجودة إنتاجية عالية قادرة على المنافسة وتقليل فاتورة الاستيراد. وحول آلية المتابعة، أكدت مفيدة أن الجهاز لا يكتفي بمنح التراخيص والتسجيل فقط، بل قام بتشكيل لجنة فنية متخصصة لمتابعة المشاريع، وخاصة المشاريع الصغرى والمتوسطة التي تم طرحها كفرص استثمارية، مشيرة إلى أن كل مشروع له إطار زمني تعاقدي محدد للدخول في مرحلة الإنتاج الفعلي. واختتمت: أن الطموح كبير في أن تشهد الفترة القادمة دخول عدد من هذه المشاريع مرحلة الإنتاج الفعلي، بما يساهم في تحقيق جزء من الأمن الغذائي ودعم الاقتصاد الوطني.
رؤية علمية
داخل جناح كلية الزراعة التقينا الطالبة هبة بن عاشور من كلية الزراعة التي أوضحت أن مشاركة الكلية هذا العام لم تكن مجرد مشاركة عرضية، بل جاءت لتقديم رؤية علمية متكاملة حول «الاستزراع المائي» كحل استراتيجي. وأوضحت بن عاشور: أن الكلية أفردت قسماً خاصاً ومستقلاً لهذا التخصص، انطلاقاً من إدراكها أن الموارد البحرية الوطنية تعاني من استنزاف حاد نتيجة الصيد الجائر والعشوائي، وأن الاستمرار في الاعتماد على المصائد الطبيعية وحدها سيؤدي إلى فجوة غذائية كبيرة. وأضافت: «هدف القسم هو تنمية واستثمار مواردنا البحرية بشكل مستدام، وتعويض النقص الحاصل في السوق من خلال تربية وإنتاج الأسماك بدلاً من اصطيادها فقط، وهذا هو المفهوم الحقيقي للاستثمار في هذه الثروة». وأردفت بن عاشور أن الكلية لا تكتفي بالتدريس النظري، بل تقوم بتأهيل خريجين قادرين علمياً وعملياً على إدارة مفارخ ومزارع سمكية، من خلال تدريبهم على تفريخ وتربية الأسماك المرغوبة والمطلوبة محلياً وعالمياً، والتي لها قيمة اقتصادية عالية.
مليون شجرة زيتون
وفي الجانب الاستثماري، كشف المهندس/ فرج حسن، مدير التخطيط بشركة الربيع للاستثمار الزراعي والحيواني، عن مشروع طموح تتبناه الشركة. قائلا إن الشركة أطلقت مشروعاً استثمارياً زراعياً استراتيجياً يستهدف غرس مليون شجرة زيتون في مختلف المناطق المؤهلة، في خطوة تهدف إلى إحياء زراعة الزيتون كمحصول استراتيجي له أبعاد اقتصادية وبيئية. وأوضح أن المشروع لا يهدف فقط إلى إنتاج الزيت وزيتون المائدة، بل إلى خلق صناعة متكاملة، وتوفير فرص عمل، ومكافحة التصحر، والمساهمة في تحقيق الأمن الغذائي. وأكد أن البداية الفعلية للمشروع ستنطلق من مدينة زليتن.
تجربة ناجحة
وأضاف أن مشروع زليتن الزراعي سجل أرقاما لافتة تعكس نجاح تجربة الاستثمار الزراعي المحلي رغم التحديات. وقال: إن المشروع انطلق بغرس 250 ألف شجرة زيتون، وقد دخل مرحلة الإنتاج الفعلي، حيث تم إنشاء معصرة زيتون خاصة بالمشروع بطاقة إنتاجية تصل إلى 70 ألف طن سنوياً. وأكد: أن المشروع تمكن من الحصول على المرتبة الأولى في جودة إنتاج زيت الزيتون، وفق المعايير المعتمدة محلياً ودولياً، وهو ما يعكس قدرة المنتج الوطني على المنافسة. وفي مجال البحث والتطوير، أشار إلى أن المشروع لديه معملاً لزراعة الأنسجة النباتية، يتم من خلاله إجراء البحوث العلمية لتحسين السلالات لتكون أكثر ملاءمة للاستهلاك المحلي ومتوافقة مع خصائص البيئة الليبية. وأوضح أن المعمل يعمل على استنباط أجيال محسنة من المحاصيل، مثل محصول البطاطا، بدءاً من الجيل الصفري وصولاً إلى الجيل الأول والثاني، وهي تقنية تنفذ لأول مرة في ليبيا، وتهدف إلى توفير بذور نقية وعالية الإنتاجية.
تحديات وعراقيل
وأشار المهندس/ فرج حسن أن أبرز التحديات التي تواجههم تتمثل في أزمة الوقود والكهرباء، وهو ما ينعكس بشكل مباشر على ارتفاع سعر التكلفة عند البيع. هنا طالب بدعم من الدولة في مجال الطاقة الشمسية كحل بديل ومستدام لتجاوز أزمة الكهرباء وخفض تكاليف الإنتاج، بما يضمن استمرارية المشروع وتوسعته. كما طالب الجهات المسؤولة بتزويدهم بمياه من «النهر الصناعي» لضمان استدامة الري ومواجهة النقص الحاصل في مصادر المياه، باعتبار أن التوسع في مثل هذه المشاريع الاستراتيجية مرتبط بشكل مباشر بتوفر المياه. كما شدد على نقطة جوهرية تتعلق بجودة المنتج الوطني، مؤكدا أن تقييّم الإنتاج والمنتج يجب أن يستند إلى أسس علمية، وهو ما يتطلب وجود مختبرات داعمة ومعتمدة لهذا الاستثمار الوطني في مجال الزراعة.



