ثقافة

احموا‭ ‬رفوفكم‭ !‬

مفتاح‭ ‬ميلود

في‭ ‬وقائع‭ ‬موثقة‭ ‬تم‭ ‬رصدها،‭ ‬اتجهت‭ ‬شركات‭ ‬ومشاريع‭ ‬مرتبطة‭ ‬بالذكاء‭ ‬الاصطناعي،‭ ‬بشكل‭ ‬لافت‭ ‬ومحموم،‭ ‬نحو‭ ‬الاستحواذ‭ ‬على‭ ‬آلاف‭ ‬المجلدات،‭ ‬والمطبوعات‭ ‬الورقية،‭ ‬تعمد‭ ‬إلى‭ ‬نزع‭ ‬أغلفتها‭ ‬وتحويل‭ ‬صفحاتها‭ ‬رقميًا‭ ‬عبر‭ ‬الماسحات‭ ‬الضوئية،‭ ‬لتغذية‭ ‬قواعد‭ ‬بياناتها‭. ‬والمفارقة‭ ‬أن‭ ‬الآلة‭ ‬التي‭ ‬بشرت،‭ ‬وبسخرية،‭ ‬بنهاية‭ ‬عصر‭ ‬الورق،‭ ‬تهرع‭ ‬الآن‭ ‬مفزوعة‭ ‬نحو‭ ‬رفوف‭ ‬المكتبات،‭ ‬تنقب‭ ‬عن‭ ‬سرٍّ‭ ‬عجزت‭ ‬عن‭ ‬ابتكاره‭ ‬من‭ ‬العدم،‭ ‬تنقب‭ ‬عن‭ ‬صوتنا‭ ‬البشري‭.‬

لسنوات‭ ‬مضت‭ ‬تعاطينا‭ ‬مع‭ ‬الكتاب‭ ‬باعتباره‭ ‬كائناً‭ ‬يحتضر‭ ‬تحت‭ ‬وطأة‭ ‬الشاشات‭ ‬الرقمية،‭ ‬أو‭ ‬هكذا‭ ‬سُوِّق‭ ‬لنا،‭ ‬وإذ‭ ‬بمطوري‭ ‬التقنيات‭ ‬الذكية‭ ‬يستفيقون‭ ‬فجأة‭ ‬على‭ ‬معضلة‭ ‬بالغة‭ ‬التعقيد‭ ‬واجهتهم،‭ ‬إذ‭ ‬تبين‭ ‬لهم‭ ‬أن‭ ‬الفضاء‭ ‬الرقمي‭ ‬المكتظ‭ ‬بالثرثرة‭ ‬واللغة‭ ‬الاستهلاكية،‭ ‬وتغذية‭ ‬الآلات‭ ‬على‭ ‬نصوص‭ ‬صاغتها‭ ‬آلات‭ ‬أخرى،‭ ‬أمرٌ‭ ‬سينتهي‭ ‬حتماً‭ ‬إلى‭ ‬انهيار‭ ‬المعنى‭ ‬وتفسخ‭ ‬المنطق‭ ‬اللغوي‭. ‬هنا‭ ‬أدركوا‭ ‬أن‭ ‬طوق‭ ‬نجاة‭ ‬الآلة‭ ‬الوحيد‭ ‬من‭ ‬داء‭ ‬التكرار،‭ ‬يكمن‭ ‬في‭ ‬الارتماء‭ ‬بأحضان‭ ‬الضحية‭ ‬التي‭ ‬حاولت‭ ‬سحقها‭ ‬وإقصاءها‭.‬

فالكتاب‭ ‬يتجاوز‭ ‬فكرة‭ ‬كونه‭ ‬حبرًا‭ ‬سال‭ ‬على‭ ‬ورق،‭ ‬إنه‭ ‬الوعاء‭ ‬الأشد‭ ‬تكثيفاً‭ ‬وتهذيباً‭ ‬للذاكرة‭ ‬الإنسانية،‭ ‬إذ‭ ‬خلف‭ ‬كل‭ ‬صفحة‭ ‬يلوح‭ ‬مؤلف‭ ‬تجرع‭ ‬مرارة‭ ‬العزلة،‭ ‬واختبر‭ ‬قلقه‭ ‬وضعفه،‭ ‬وانتقى‭ ‬مفرداته‭ ‬ليرسم‭ ‬ملامح‭ ‬وجعٍ‭ ‬حقيقي‭ ‬أو‭ ‬بهجة‭ ‬عابرة‭. ‬يضاف‭ ‬إلى‭ ‬ذلك‭ ‬بصمات‭ ‬المحررين‭ ‬والمترجمين‭ ‬والباحثين،‭ ‬الذين‭ ‬سكبوا‭ ‬خلاصة‭ ‬وعيهم‭ ‬ليتخذ‭ ‬النص‭ ‬هيبته‭ ‬ومتانته‭. ‬هذا‭ ‬المخاض‭ ‬البشري‭ ‬المتأني‭ ‬المشبع‭ ‬بالارتياب‭ ‬والتدبر‭ ‬في‭ ‬صمت،‭ ‬يمثل‭ ‬الترياق‭ ‬والمادة‭ ‬الخام‭ ‬التي‭ ‬تفتقر‭ ‬إليها‭ ‬المعادلات‭ ‬الرياضية‭ ‬لتعلم‭ ‬كيف‭ ‬تخاطبنا‭ ‬بنبرة‭ ‬تشبه‭ ‬وجداننا‭.‬

إن‭ ‬هذه‭ ‬الانعطافات‭ ‬الحادة‭ ‬تدفعنا‭ ‬لترميم‭ ‬علاقتنا‭ ‬بوعاء‭ ‬الذاكرة‭ ‬الإنسانية،‭ ‬فالكتاب‭ ‬حصننا‭ ‬الأخير‭ ‬المتبقي‭ ‬للهوية‭ ‬اللغوية‭ ‬الإنسانية،‭ ‬الوثيقة‭ ‬الدامغة‭ ‬على‭ ‬أننا‭ ‬عبرنا‭ ‬هذا‭ ‬الوجود،‭ ‬وأننا‭ ‬فكرنا‭ ‬وشعرنا‭ ‬بأسلوب‭ ‬يستعصي‭ ‬على‭ ‬الخوارزميات‭ ‬أن‭ ‬تحاكيه،‭ ‬ما‭ ‬لم‭ ‬تبتلع‭ ‬أولاً‭ ‬الأرواح‭ ‬التي‭ ‬أودعناها‭ ‬بين‭ ‬ثنايا‭ ‬السطور‭.‬

وكلما‭ ‬أبدعت‭ ‬النماذج‭ ‬الرقمية‭ ‬في‭ ‬حبك‭ ‬تراكيب‭ ‬منمقة‭ ‬واصطناع‭ ‬العواطف،‭ ‬تعاظم‭ ‬عطشها‭ ‬إلى‭ ‬مدوناتنا‭ ‬القديمة،‭ ‬لذا‭ ‬فإن‭ ‬المعركة‭ ‬المقبلة‭ ‬ستتمحور‭ ‬حول‭ ‬السيطرة‭ ‬على‭ ‬الإرث‭ ‬البشري‭ ‬المكتوب،‭ ‬الذي‭ ‬منح‭ ‬تلك‭ ‬الكيانات‭ ‬الصماء‭ ‬لغة‭ ‬الكلام‭.‬

لذا‭ ‬احموا‭ ‬رفوفكم‭ ! ‬هي‭ ‬خطوط‭ ‬الدفاع‭ ‬الأخيرة‭ ‬عن‭ ‬وعينا‭ ‬العصيِّ‭ ‬على‭ ‬الأتمتة‭. ‬فالآلة‭ ‬مستميتة،‭ ‬لتجريدنا‭ ‬من‭ ‬ميزة‭ ‬الشك‭ ‬والتأمل‭ ‬الفردي‭ ‬لصالح‭ ‬يقينٍ‭ ‬تكنولوجي‭ ‬أعمى‭.‬

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى