اقتصاد

صمت الأطلال: أمطار الليلة الواحدة تُسقط 600 عام من تاريخ توش في وادي الحياة

​ منى بن هيبة

​بين‭ ‬عشية‭ ‬وضحاها،‭ ‬استيقظ‭ ‬أهالي‭ ‬بلدة‭ ‬‮«‬توش‮»‬‭ ‬التاريخية‭ ‬الواقعة‭ ‬في‭ ‬وادي‭ ‬الحياة‭ ‬بليبيا‭ ‬على‭ ‬وقع‭ ‬كارثة‭ ‬بيئية‭ ‬وثقافية‭ ‬صامتة‭. ‬فعلى‭ ‬وقع‭ ‬أمطار‭ ‬غزيرة‭ ‬لم‭ ‬تتوقف‭ ‬طوال‭ ‬ليلة‭ ‬كاملة،‭ ‬انهارت‭ ‬الشواهد‭ ‬الطينية‭ ‬والمعالم‭ ‬الأثرية‭ ‬التي‭ ‬ظلت‭ ‬تقاوم‭ ‬عواصف‭ ‬الزمن‭ ‬وقسوته‭ ‬لعقود‭ ‬وربما‭ ‬لقرون،‭ ‬لتطوي‭ ‬السيول‭ ‬العارمة‭ ‬صفحة‭ ‬ناصعة‭ ‬من‭ ‬حضارة‭ ‬الصحراء‭ ‬الليبية‭ ‬وتراثها‭ ‬العريق‭.‬

​حين‭ ‬تتحدث‭ ‬الجدران‭: ‬متحف‭ ‬مفتوح‭ ‬تحت‭ ‬وطأة‭ ‬السيول

​لم‭ ‬تكن‭ ‬أطلال‭ ‬‮«‬توش‭ ‬القديمة‮»‬‭ ‬مجرد‭ ‬كتل‭ ‬طينية‭ ‬متداعية،‭ ‬بل‭ ‬كانت‭ ‬صفحات‭ ‬مفتوحة‭ ‬تحكي‭ ‬قصص‭ ‬رجال‭ ‬وشيوخ‭ ‬وأئمة،‭ ‬ووعاظ‭ ‬ومجاهدين،‭ ‬وذكريات‭ ‬لقوافل‭ ‬تجارية‭ ‬عابرة‭ ‬اتخذت‭ ‬من‭ ‬المكان‭ ‬محطة‭ ‬للعبور‭ ‬والاستراحة‭. ‬فالبلدة‭ ‬التي‭ ‬شهدت‭ ‬فترات‭ ‬زاهية‭ ‬من‭ ‬الازدهار‭ ‬الاقتصادي‭ ‬والاجتماعي‭ ‬والثقافي‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يهجرها‭ ‬سكانها‭ ‬لاحقاً،‭ ‬تحولت‭ ‬بفعل‭ ‬السيول‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬يشبه‭ ‬‮«‬المتحف‭ ‬المفتوح‮»‬‭ ‬المهشم‭.. ‬وقد‭ ‬نالت‭ ‬الأمطار‭ ‬بغزارتها‭ ‬من‭ ‬أبرز‭ ‬معالم‭ ‬البلدة‭ ‬التاريخية‭ ‬وفي‭ ‬مقدمتها‭: ‬جامع‭ ‬توش‭ ‬العتيق‭: ‬الذي‭ ‬طالته‭ ‬أضرار‭ ‬بالغة‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬محضرتة‭ ‬وبئره‭ ‬التاريخية‭. ‬البوابات‭ ‬العريقة‭: ‬مثل‭ ‬‮«‬الباب‭ ‬الكبير‮»‬‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬شاهداً‭ ‬على‭ ‬تسيير‭ ‬تجارة‭ ‬القوافل‭ ‬بين‭ ‬بلاد‭ ‬السودان‭ ‬‮«‬مدينة‭ ‬كانو‭ ‬بنيجيريا‭ ‬حالياً‮»‬‭ ‬وطرابلس‭ ‬الغرب،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬باب‭ ‬حمراية،‭ ‬باب‭ ‬الدكاكين،‭ ‬وباب‭ ‬الخوخة‭. ‬المعالم‭ ‬المعمارية‭ ‬البارزة‭: ‬كقصر‭ ‬‮«‬بيت‭ ‬اكنيمو‮»‬‭ ‬الشاهق‭ ‬الذي‭ ‬يتوسط‭ ‬البلدة،‭ ‬فضلاً‭ ‬عن‭ ‬رمال‭ ‬‮«‬بن‭ ‬كرو‮»‬‭ ‬التي‭ ‬شهدت‭ ‬بطولات‭ ‬الأجداد‭ ‬وحصارها‭ ‬لشهور‭.. ‬وفي‭ ‬وصف‭ ‬مؤثر‭ ‬لحجم‭ ‬الكارثة،‭ ‬نعى‭ ‬الباحث‭ ‬عبد‭ ‬السلام‭ ‬هويدي،‭ ‬مدير‭ ‬مكتبة‭ ‬هويدي‭ ‬للوثائق‭ ‬والمخطوطات‭ ‬التاريخية،‭ ‬هذا‭ ‬الموت‭ ‬لحضارة‭ ‬الخرمان،‭ ‬مؤكداً‭ ‬أن‭ ‬المياه‭ ‬غمرت‭ ‬الدروب‭ ‬الأثرية‭ ‬ونالت‭ ‬من‭ ‬البنيان‭ ‬الضارب‭ ‬في‭ ‬عمق‭ ‬التاريخ،‭ ‬مستحضراً‭ ‬الآيات‭ ‬القرآنية‭ ‬التي‭ ‬تدبر‭ ‬في‭ ‬سنن‭ ‬الكون‭ ‬وتصريف‭ ‬الأمطار‭.‬

​نهاية‭ ‬مرحلة‭ ‬أم‭ ‬بداية‭ ‬استراحة‭ ‬محارب؟

​بينما‭ ‬اعتبر‭ ‬الكاتب‭ ‬فرج‭ ‬المرابط‭ ‬أن‭ ‬ما‭ ‬جرى‭ ‬ليس‭ ‬مجرد‭ ‬لحظة‭ ‬انهيار‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬‮«‬لحظة‭ ‬وداع‮»‬‭ ‬صامتة‭ ‬تسلم‭ ‬فيها‭ ‬الأطلال‭ ‬ما‭ ‬تبقى‭ ‬من‭ ‬أسرارها‭ ‬للأرض‭ ‬في‭ ‬مشهد‭ ‬حزين‭ ‬يختصر‭ ‬نهاية‭ ‬مرحلة‭ ‬كاملة،‭ ‬رأى‭ ‬آخرون‭ ‬في‭ ‬الأزمة‭ ‬دافعاً‭ ‬للنهوض‭. ‬فقد‭ ‬أكد‭ ‬عبد‭ ‬العزيز‭ ‬هويدي‭ ‬بحرقة‭ ‬وألم‭ ‬كبيرين‭ ‬أن‭ ‬انحناء‭ ‬الجدران‭ ‬الطينية‭ ‬ليس‭ ‬وداعاً‭ ‬أبدياً،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬‮«‬استراحة‭ ‬محارب‮»‬‭ ‬يستعد‭ ‬للنهوض‭ ‬من‭ ‬جديد‭. ‬وكتب‭ ‬متسلحاً‭ ‬بروح‭ ‬الأمل‭ ‬وأبيات‭ ‬التحدي‭:‬

​سَنَبْنِيْهَا‭ ‬وَنَبْعَثُهَا‭ ‬صُرُوْحاً

تُطَاوِلُ‭ ‬فِيْ‭ ‬شُمُوْخِهَا‭ ‬السَّمَاءَ

وَنَنْفُضُ‭ ‬عَنْ‭ ‬مَعَالِمِهَا‭ ‬غُبَاراً

لِيَرْجِعَ‭ ‬مَجْدُهَا‭ ‬الْبَاقِيْ‭ ‬إِضَاءَ

​مشيراً‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬توش‭ ‬ليست‭ ‬مجرد‭ ‬حجارة‭ ‬بل‭ ‬هي‭ ‬روح‭ ‬تسكن‭ ‬أبناءها،‭ ‬وتاريخ‭ ‬وثقته‭ ‬المجالس‭ ‬والشيوخ‭ ‬كأمثال‭ ‬الشيخ‭ ‬مولاي‭ ‬أحمد‭ ‬بن‭ ‬محمد‭ ‬بن‭ ‬محمد‭ ‬بن‭ ‬الحاج‭ ‬قاسم‭ ‬الشريف‭ ‬وغيره‭.‬

​نداء‭ ‬عاجل‭ ‬لإنقاذ‭ ‬ما‭ ‬يمكن‭ ‬إنقاذه

​من‭ ‬جانبه،‭ ‬أبدى‭ ‬محمد‭ ‬الأخضر‭ ‬الشريف‭ ‬أسفه‭ ‬لفقدان‭ ‬هذه‭ ‬الشواهد‭ ‬التاريخية‭ ‬التي‭ ‬تعد‭ ‬دليلاً‭ ‬ساطعاً‭ ‬على‭ ‬العراقة‭ ‬والأصالة‭ ‬بوادي‭ ‬الآجال‭. ‬ووجه‭ ‬نداءً‭ ‬صريحاً‭ ‬إلى‭ ‬كل‭ ‬الغيورين‭ ‬وشباب‭ ‬المنطقة‭ ‬للتحرك‭ ‬العاجل‭ ‬لإعادة‭ ‬إحياء‭ ‬ذاكرة‭ ‬المدينة،‭ ‬عبر‭ ‬ترميم‭ ‬ما‭ ‬تصدع‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬الإرث‭ ‬التاريخي‭ ‬‮«‬لا‭ ‬سيما‭ ‬المساجد‭ ‬ومدارس‭ ‬القرآن‮»‬‭ ‬باستخدام‭ ‬نفس‭ ‬مواد‭ ‬البناء‭ ‬التقليدية،‭ ‬مع‭ ‬الاستعانة‭ ‬بالمواد‭ ‬الحديثة‭ ‬المانعة‭ ‬لتسرب‭ ‬المياه‭ ‬وحمايتها‭ ‬من‭ ‬الكوارث‭ ‬المستقبلية‭.. ‬يبقى‭ ‬أهالي‭ ‬توش‭ ‬اليوم‭ ‬بين‭ ‬مطرقة‭ ‬الأسى‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬فقدوه‭ ‬من‭ ‬عبق‭ ‬الماضي،‭ ‬وسندان‭ ‬الأمل‭ ‬المعقود‭ ‬على‭ ‬سواعد‭ ‬أبنائهم‭ ‬لتوثيق‭ ‬وبناء‭ ‬وترميم‭ ‬هذا‭ ‬الإرث‭ ‬العريق،‭ ‬لكي‭ ‬تظل‭ ‬شواهد‭ ‬توش‭ ‬حية‭ ‬تروي‭ ‬للأجيال‭ ‬القادمة‭ ‬حكاية‭ ‬أرض‭ ‬لم‭ ‬تمتها‭ ‬ريح‭ ‬ولا‭ ‬سيل‭.‬

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى