
بين عشية وضحاها، استيقظ أهالي بلدة «توش» التاريخية الواقعة في وادي الحياة بليبيا على وقع كارثة بيئية وثقافية صامتة. فعلى وقع أمطار غزيرة لم تتوقف طوال ليلة كاملة، انهارت الشواهد الطينية والمعالم الأثرية التي ظلت تقاوم عواصف الزمن وقسوته لعقود وربما لقرون، لتطوي السيول العارمة صفحة ناصعة من حضارة الصحراء الليبية وتراثها العريق.
حين تتحدث الجدران: متحف مفتوح تحت وطأة السيول
لم تكن أطلال «توش القديمة» مجرد كتل طينية متداعية، بل كانت صفحات مفتوحة تحكي قصص رجال وشيوخ وأئمة، ووعاظ ومجاهدين، وذكريات لقوافل تجارية عابرة اتخذت من المكان محطة للعبور والاستراحة. فالبلدة التي شهدت فترات زاهية من الازدهار الاقتصادي والاجتماعي والثقافي قبل أن يهجرها سكانها لاحقاً، تحولت بفعل السيول إلى ما يشبه «المتحف المفتوح» المهشم.. وقد نالت الأمطار بغزارتها من أبرز معالم البلدة التاريخية وفي مقدمتها: جامع توش العتيق: الذي طالته أضرار بالغة إلى جانب محضرتة وبئره التاريخية. البوابات العريقة: مثل «الباب الكبير» الذي كان شاهداً على تسيير تجارة القوافل بين بلاد السودان «مدينة كانو بنيجيريا حالياً» وطرابلس الغرب، إضافة إلى باب حمراية، باب الدكاكين، وباب الخوخة. المعالم المعمارية البارزة: كقصر «بيت اكنيمو» الشاهق الذي يتوسط البلدة، فضلاً عن رمال «بن كرو» التي شهدت بطولات الأجداد وحصارها لشهور.. وفي وصف مؤثر لحجم الكارثة، نعى الباحث عبد السلام هويدي، مدير مكتبة هويدي للوثائق والمخطوطات التاريخية، هذا الموت لحضارة الخرمان، مؤكداً أن المياه غمرت الدروب الأثرية ونالت من البنيان الضارب في عمق التاريخ، مستحضراً الآيات القرآنية التي تدبر في سنن الكون وتصريف الأمطار.
نهاية مرحلة أم بداية استراحة محارب؟
بينما اعتبر الكاتب فرج المرابط أن ما جرى ليس مجرد لحظة انهيار بل هو «لحظة وداع» صامتة تسلم فيها الأطلال ما تبقى من أسرارها للأرض في مشهد حزين يختصر نهاية مرحلة كاملة، رأى آخرون في الأزمة دافعاً للنهوض. فقد أكد عبد العزيز هويدي بحرقة وألم كبيرين أن انحناء الجدران الطينية ليس وداعاً أبدياً، بل هو «استراحة محارب» يستعد للنهوض من جديد. وكتب متسلحاً بروح الأمل وأبيات التحدي:
سَنَبْنِيْهَا وَنَبْعَثُهَا صُرُوْحاً
تُطَاوِلُ فِيْ شُمُوْخِهَا السَّمَاءَ
وَنَنْفُضُ عَنْ مَعَالِمِهَا غُبَاراً
لِيَرْجِعَ مَجْدُهَا الْبَاقِيْ إِضَاءَ
مشيراً إلى أن توش ليست مجرد حجارة بل هي روح تسكن أبناءها، وتاريخ وثقته المجالس والشيوخ كأمثال الشيخ مولاي أحمد بن محمد بن محمد بن الحاج قاسم الشريف وغيره.
نداء عاجل لإنقاذ ما يمكن إنقاذه
من جانبه، أبدى محمد الأخضر الشريف أسفه لفقدان هذه الشواهد التاريخية التي تعد دليلاً ساطعاً على العراقة والأصالة بوادي الآجال. ووجه نداءً صريحاً إلى كل الغيورين وشباب المنطقة للتحرك العاجل لإعادة إحياء ذاكرة المدينة، عبر ترميم ما تصدع من هذا الإرث التاريخي «لا سيما المساجد ومدارس القرآن» باستخدام نفس مواد البناء التقليدية، مع الاستعانة بالمواد الحديثة المانعة لتسرب المياه وحمايتها من الكوارث المستقبلية.. يبقى أهالي توش اليوم بين مطرقة الأسى على ما فقدوه من عبق الماضي، وسندان الأمل المعقود على سواعد أبنائهم لتوثيق وبناء وترميم هذا الإرث العريق، لكي تظل شواهد توش حية تروي للأجيال القادمة حكاية أرض لم تمتها ريح ولا سيل.



