مرايا

من أروقة المحاكم .. تسع سنين.. وأنا نصرف

  فائزة صالح

تسع‭ ‬سنوات‭ ‬من‭ ‬الزواج،‭ ‬وأربعة‭ ‬أطفال،‭ ‬ووظيفة،‭ ‬وإيجار،‭ ‬وبيت‭ ‬لا‭ ‬يتوقف‭ ‬فيه‭ ‬الصرف‭. ‬هكذا‭ ‬تختصر‭ ‬امرأة‭ ‬حكايتها‭ ‬التي‭ ‬انتهت‭ ‬بها‭ ‬إلى‭ ‬أروقة‭ ‬المحكمة،‭ ‬بعدما‭ ‬تقول‭ ‬إنها‭ ‬حملتْ‭ ‬وحدها‭ ‬معظم‭ ‬أعباء‭ ‬أسرتها،‭ ‬فيما‭ ‬ظل‭ ‬زوجها،‭ ‬حسب‭ ‬روايتها،‭ ‬بلا‭ ‬عمل‭ ‬مستقل‭.‬

تقول‭: ‬‭)‬أنا‭ ‬معلمة،‭ ‬ومرتبي‭ ‬يمشي‭ ‬للإيجار،‭ ‬ومصاريف‭ ‬الحوش،‭ ‬وقراية‭ ‬الصغار‭. ‬نلبسهم،‭ ‬نشري‭ ‬حوايج‭ ‬المدرسة،‭ ‬ونقضي‭ ‬احتياجاتهم،‭ ‬وحتى‭ ‬مشاويري‭ ‬مرات‭ ‬نحسبلها‭ ‬ألف‭ ‬حساب‭(.‬

في‭ ‬بداية‭ ‬زواجها،‭ ‬كانت‭ ‬تعيش‭ ‬مع‭ ‬زوجها‭ ‬وأطفالها‭ ‬في‭ ‬منزل‭ ‬العائلة‭. ‬ومع‭ ‬كبر‭ ‬الأبناء‭ ‬وبدء‭ ‬دراستهم،‭ ‬قرّرتْ‭ ‬أن‭ ‬تستأجر‭ ‬منزلًا‭ ‬مستقلًا‭.‬

كانت‭ ‬تعتقد‭ ‬أن‭ ‬الانتقال‭ ‬سيمنح‭ ‬الأسرة‭ ‬مساحة‭ ‬من‭ ‬الراحة‭ ‬والاستقرار،‭ ‬وأن‭ ‬زوجها‭ ‬سيبحث‭ ‬عن‭ ‬عمل‭ ‬يساعدها‭ ‬في‭ ‬تحمل‭ ‬المسؤولية‭.‬

‭)‬قلتُ‭ ‬لما‭ ‬نطلعوا‭ ‬لحوش‭ ‬بروحنا،‭ ‬يمكن‭ ‬الأحوال‭ ‬تتحسن،‭ ‬وهو‭ ‬يدور‭ ‬على‭ ‬خدمة،‭ ‬وأنا‭ ‬نرتاح‭ ‬شوية‭ ‬ونربي‭ ‬صغاري‭ ‬في‭ ‬هدوء‭(.‬

لكن‭ ‬السنوات‭ ‬مرت،‭ ‬كما‭ ‬تقول،‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يتغير‭ ‬شيء‭.‬

صباحها‭ ‬يبدأ‭ ‬بالمدرسة،‭ ‬وعندما‭ ‬تعود‭ ‬إلى‭ ‬المنزل‭ ‬تبدأ‭ ‬معركة‭ ‬أخرى‭: ‬الطعام،‭ ‬والتنظيف،‭ ‬ومتابعة‭ ‬الأطفال،‭ ‬ومستلزمات‭ ‬الدراسة،‭ ‬والإيجار‭.‬

ولأن‭ ‬مرتبها‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬يكفي،‭ ‬بدأت‭ ‬تعطي‭ ‬دروسًا‭ ‬خصوصية‭ ‬بعد‭ ‬انتهاء‭ ‬دوامها‭.‬

‭)‬الصبح‭ ‬نقري،‭ ‬والعشية‭ ‬نعطي‭ ‬دروسًا‭ ‬خصوصية‭ ‬باش‭ ‬نجمع‭ ‬حق‭ ‬الإيجار‭ ‬ومصاريف‭ ‬الصغار‭. ‬نرجع‭ ‬للبيت‭ ‬تعبانة،‭ ‬نلقى‭ ‬روحي‭ ‬ما‭ ‬زال‭ ‬عندي‭ ‬شغل‭ ‬ومسؤولية‭(.‬

تقول‭ ‬إنها‭ ‬تحدثتْ‭ ‬مع‭ ‬زوجها‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬مرة،‭ ‬وطلبتْ‭ ‬منه‭ ‬أن‭ ‬يبحث‭ ‬عن‭ ‬عمل،‭ ‬أو‭ ‬يشاركها‭ ‬مسؤولية‭ ‬البيت‭ ‬والأطفال‭.‬

‮«‬قلتُ‭ ‬له‭: ‬يا‭ ‬ولد‭ ‬النَّاس‭ ‬راهو‭ ‬تعبت‭ .. ‬معاش‭ ‬قدرت‭. ‬أنا‭ ‬مش‭ ‬آلة‮»‬‭. ‬وبحسب‭ ‬روايتها،‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬الخلافات‭ ‬تنتهي‭ ‬بالكلام‭. ‬تقول‭ ‬إن‭ ‬الغضب‭ ‬كان‭ ‬يتحوَّل‭ ‬أحيانًا‭ ‬إلى‭ ‬تكسير‭ ‬للأغراض‭ ‬وضرب‭ ‬الأطفال،‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تصل‭ ‬الأمور،‭ ‬وفق‭ ‬إدعائها،‭ ‬إلى‭ ‬الاعتداء‭ ‬عليها‭ ‬بالضرب،‭ ‬وكسر‭ ‬يدها‭.‬

عندها‭ ‬قررتُ‭ ‬اللجوء‭ ‬إلى‭ ‬مركز‭ ‬الشرطة،‭ ‬ثم‭ ‬تقدمتُ‭ ‬بطلب‭ ‬الطلاق‭.‬

اليوم،‭ ‬تقف‭ ‬أمام‭ ‬المحكمة‭ ‬في‭ ‬انتظار‭ ‬حسم‭ ‬القضية،‭ ‬بينما‭ ‬تقول‭ ‬إن‭ ‬الجلسات‭ ‬تتأجل،‭ ‬وإن‭ ‬زوجها‭ ‬لا‭ ‬يحضر‭ ‬بعض‭ ‬المرات،‭ ‬ويتمسك‭ ‬ببقاء‭ ‬الزواج‭ ‬والأطفال‭.‬

أما‭ ‬هي،‭ ‬فتقول‭ ‬إن‭ ‬قرارها‭ ‬أصبح‭ ‬واضحًا‭.‬

‭)‬هو‭ ‬يقول‭ ‬نبي‭ ‬مرتي‭ ‬وصغاري،‭ ‬وأنا‭ ‬معاش‭ ‬نبيه‭. ‬نبي‭ ‬نقعد‭ ‬في‭ ‬حوشي‭ ‬ونربي‭ ‬صغاري‭ ‬ونعيش‭ ‬في‭ ‬هدوء‭(.‬

وتضيف‭ ‬أن‭ ‬معاناتها‭ ‬لا‭ ‬تتوقف‭ ‬عند‭ ‬إجراءات‭ ‬الطلاق،‭ ‬فهي‭ ‬تحاول‭ ‬أيضًا‭ ‬متابعة‭ ‬مسألة‭ ‬النفقة،‭ ‬وتؤكد‭ ‬أن‭ ‬الإنفاق‭ ‬على‭ ‬الأطفال‭ ‬بات‭ ‬عبئًا‭ ‬كبيرًا‭ ‬عليها‭.‬

‭)‬أربع‭ ‬صغار‭ ‬ومسؤوليتهم‭ ‬كبيرة‭. ‬نحس‭ ‬روحي‭ ‬بروحي‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬شيء،‭ ‬وكأنه‭ ‬مش‭ ‬صغاره‭(.‬

وتزداد‭ ‬صعوبة‭ ‬المشهد‭ ‬بالنسبة‭ ‬إليها،‭ ‬كما‭ ‬تقول،‭ ‬لأنها‭ ‬يتيمة‭ ‬الأب‭ ‬والأم،‭ ‬ولا‭ ‬تجد‭ ‬والديها‭ ‬إلى‭ ‬جانبها‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الأزمة،‭ ‬بينما‭ ‬يعيش‭ ‬إخوتها‭ ‬بعيدًا‭ ‬عنها‭ ‬ولكل‭ ‬منهم‭ ‬أسرته‭.‬

ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬تقول‭ ‬إنها‭ ‬لا‭ ‬تبحث‭ ‬عن‭ ‬الانتقام‭ ‬ولا‭ ‬تريد‭ ‬استمرار‭ ‬الخلاف‭. ‬‭)‬ما‭ ‬نبيش‭ ‬مشكلات‭. ‬نبي‭ ‬حقي‭ ‬ونبي‭ ‬صغاري‭ ‬يعيشوا‭ ‬مرتاحين‭. ‬نبي‭ ‬نطلق‭ ‬ونقعد‭ ‬في‭ ‬حوشي‭ ‬ونربيهم‭(.‬

وفي‭ ‬أروقة‭ ‬المحكمة،‭ ‬تظل‭ ‬الحكاية‭ ‬معلقة‭ ‬بين‭ ‬طلب‭ ‬امرأة‭ ‬تقول‭ ‬إنها‭ ‬استُنزفت‭ ‬سنوات،‭ ‬وزوج‭ ‬يتمسك،‭ ‬بحسب‭ ‬روايتها،‭ ‬باستمرار‭ ‬الأسرة،‭ ‬وأطفال‭ ‬يقفون‭ ‬في‭ ‬منتصف‭ ‬نزاع‭ ‬أسري‭ ‬لم‭ ‬يختاروه‭.‬

أما‭ ‬الفصل‭ ‬الأخير،‭ ‬فلا‭ ‬تكتبه‭ ‬الحكايات،‭ ‬ولا‭ ‬الانفعالات،‭ ‬بل‭ ‬تكتبه‭ ‬المحكمة،‭ ‬وفق‭ ‬ما‭ ‬يعرض‭ ‬عليها‭ ‬من‭ ‬وقائع‭ ‬وأدلة،‭ ‬وما‭ ‬يقرَّره‭ ‬القانون‭ ‬بشأن‭ ‬الطلاق‭ ‬والنفقة‭ ‬وحقوق‭ ‬الأطفال‭.‬

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى