رأي

مهازل التعليم في بلدي إلى متى؟

اسماعيل الصغير

لم‭ ‬يعد‭ ‬ما‭ ‬يحدث‭ ‬في‭ ‬التعليم‭ ‬مجرد‭ ‬تعثرٍ‭ ‬عابر،‭ ‬ولا‭ ‬أزمةً‭ ‬يمكن‭ ‬تجاوزها‭ ‬ببيانٍ‭ ‬جديد‭ ‬أو‭ ‬قرارٍ‭ ‬مؤقت‭. ‬نحن‭ ‬أمام‭ ‬مشهد‭ ‬مؤلم‭: ‬دراسة‭ ‬تتوقف،‭ ‬ومؤسسات‭ ‬تعليمية‭ ‬تتعطل،‭ ‬وتعليم‭ ‬تقني‭ ‬يترنح،‭ ‬وتعليم‭ ‬خاص‭ ‬يواجه‭ ‬أزمات‭ ‬متلاحقة،‭ ‬ومعلمٌ‭ ‬تُمس‭ ‬كرامته،‭ ‬وطالبٌ‭ ‬يدفع‭ ‬ثمن‭ ‬التخبط‭. ‬فأي‭ ‬دولةٍ‭ ‬هذه‭ ‬التي‭ ‬يُترك‭ ‬فيها‭ ‬مستقبل‭ ‬أبنائها‭ ‬معلقًا‭ ‬بين‭ ‬قرارٍ‭ ‬يصدر‭ ‬وقرارٍ‭ ‬يُلغى،‭ ‬وبين‭ ‬جهةٍ‭ ‬تقول‭ ‬وأخرى‭ ‬تنفي؟‭ ‬وأي‭ ‬إصلاحٍ‭ ‬هذا‭ ‬الذي‭ ‬يبدأ‭ ‬بالارتباك‭ ‬وينتهي‭ ‬بالمزيد‭ ‬من‭ ‬الارتباك؟‭ ‬التعليم‭ ‬ليس‭ ‬حقلًا‭ ‬للتجارب،‭ ‬والطالب‭ ‬ليس‭ ‬ورقةً‭ ‬في‭ ‬ملف‭ ‬إداري،‭ ‬والمعلم‭ ‬ليس‭ ‬موظفًا‭ ‬هامشيًا‭. ‬إن‭ ‬توقف‭ ‬الدراسة‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬توقف‭ ‬الحصص‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬يعني‭ ‬سرقة‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬مستقبل‭ ‬الطالب‭. ‬وتعطيل‭ ‬مؤسسات‭ ‬التعليم‭ ‬الخاص‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬إغلاق‭ ‬أبوابٍ‭ ‬ومكاتب،‭ ‬بل‭ ‬يعني‭ ‬تهديد‭ ‬استقرار‭ ‬آلاف‭ ‬الطلاب‭ ‬والعاملين‭ ‬وأسرهم‭. ‬أما‭ ‬تعطيل‭ ‬مؤسسات‭ ‬التعليم‭ ‬التقني،‭ ‬فهو‭ ‬ضربة‭ ‬مباشرة‭ ‬لمسارٍ‭ ‬يفترض‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬من‭ ‬أهم‭ ‬مسارات‭ ‬بناء‭ ‬سوق‭ ‬العمل‭ ‬والتنمية‭. ‬ثم‭ ‬يأتي‭ ‬المعلم؛‭ ‬ذلك‭ ‬الذي‭ ‬يُطلب‭ ‬منه‭ ‬أن‭ ‬يصنع‭ ‬أجيالًا‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬بناء‭ ‬الوطن،‭ ‬بينما‭ ‬يجد‭ ‬نفسه‭ ‬في‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الأحيان‭ ‬يصارع‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬أبسط‭ ‬حقوقه،‭ ‬ويشعر‭ ‬أن‭ ‬مكانته‭ ‬وكرامته‭ ‬أصبحتا‭ ‬آخر‭ ‬ما‭ ‬يُلتفت‭ ‬إليه‭. ‬أي‭ ‬إصلاحٍ‭ ‬للتعليم‭ ‬يبدأ‭ ‬بإهانة‭ ‬المعلم‭ ‬أو‭ ‬تجاهل‭ ‬صوته؟‭ ‬المشكلة‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬في‭ ‬نقص‭ ‬البيانات‭ ‬والتصريحات؛‭ ‬فقد‭ ‬سمعنا‭ ‬الكثير‭. ‬المشكلة‭ ‬في‭ ‬غياب‭ ‬الرؤية‭ ‬المستقرة‭ ‬والقرار‭ ‬المسؤول‭. ‬نحن‭ ‬بحاجة‭ ‬إلى‭ ‬سياسة‭ ‬تعليمية‭ ‬واضحة،‭ ‬لا‭ ‬قرارات‭ ‬مرتبكة‭. ‬بحاجة‭ ‬إلى‭ ‬مؤسسات‭ ‬تُدار‭ ‬وفق‭ ‬القانون‭ ‬والمعايير،‭ ‬لا‭ ‬وفق‭ ‬ردود‭ ‬الأفعال‭. ‬بحاجة‭ ‬إلى‭ ‬مسؤول‭ ‬يستمع‭ ‬إلى‭ ‬أهل‭ ‬الميدان‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يصدر‭ ‬قراره،‭ ‬ويعرف‭ ‬أن‭ ‬خلف‭ ‬كل‭ ‬قرار‭ ‬آلاف‭ ‬الطلاب‭ ‬والمعلمين‭ ‬والمؤسسات‭.‬

التعليم‭ ‬العام‭ ‬يحتاج‭ ‬إلى‭ ‬استقرار،‭ ‬والتعليم‭ ‬الخاص‭ ‬يحتاج‭ ‬إلى‭ ‬تنظيم‭ ‬عادل‭ ‬وواضح،‭ ‬والتعليم‭ ‬التقني‭ ‬والفني‭ ‬يحتاج‭ ‬إلى‭ ‬دعم‭ ‬حقيقي،‭ ‬والمعلم‭ ‬يحتاج‭ ‬قبل‭ ‬كل‭ ‬شيء‭ ‬إلى‭ ‬الاحترام‭ ‬والتقدير‭. ‬فلا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬نتحدث‭ ‬عن‭ ‬بناء‭ ‬الدولة‭ ‬ونحن‭ ‬نهدم‭ ‬أهم‭ ‬أساساتها‭. ‬ولا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬نتحدث‭ ‬عن‭ ‬التنمية‭ ‬ونحن‭ ‬نترك‭ ‬التعليم‭ ‬يتعثر‭. ‬ولا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬نطالب‭ ‬الشباب‭ ‬ببناء‭ ‬المستقبل‭ ‬ونحن‭ ‬لا‭ ‬نوفر‭ ‬لهم‭ ‬تعليمًا‭ ‬مستقرًا‭ ‬يفتح‭ ‬لهم‭ ‬أبوابه‭. ‬لقد‭ ‬بلغ‭ ‬السيل‭ ‬الزبى‭. ‬فإلى‭ ‬متى‭ ‬يبقى‭ ‬التعليم‭ ‬ضحية‭ ‬التخبط؟‭ ‬وإلى‭ ‬متى‭ ‬يدفع‭ ‬الطالب‭ ‬ثمن‭ ‬القرارات‭ ‬غير‭ ‬المستقرة؟‭ ‬وإلى‭ ‬متى‭ ‬يُترك‭ ‬المعلم‭ ‬في‭ ‬آخر‭ ‬الصف،‭ ‬رغم‭ ‬أنه‭ ‬يقف‭ ‬في‭ ‬مقدمة‭ ‬صناعة‭ ‬المستقبل؟‭ ‬وإلى‭ ‬متى‭ ‬تستمر‭ ‬هذه‭ ‬المهازل؟‭ ‬التعليم‭ ‬ليس‭ ‬منّة‭ ‬من‭ ‬أحد،‭ ‬بل‭ ‬حقٌّ‭ ‬وطني‭. ‬والمعلم‭ ‬ليس‭ ‬عبئًا‭ ‬على‭ ‬الدولة،‭ ‬بل‭ ‬صانعٌ‭ ‬لمستقبلها‭. ‬والطالب‭ ‬ليس‭ ‬رقمًا‭ ‬في‭ ‬سجلات‭ ‬المؤسسات،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬مستقبل‭ ‬الوطن‭ ‬نفسه‭. ‬إن‭ ‬كان‭ ‬هناك‭ ‬من‭ ‬يريد‭ ‬إنقاذ‭ ‬التعليم،‭ ‬فليبدأ‭ ‬الآن،‭ ‬لا‭ ‬غدًا‭. ‬فالوطن‭ ‬الذي‭ ‬يعبث‭ ‬بتعليمه،‭ ‬إنما‭ ‬يعبث‭ ‬بمستقبله‭. ‬وحين‭ ‬يسقط‭ ‬التعليم‭… ‬لا‭ ‬تسألوا‭ ‬بعد‭ ‬ذلك‭: ‬لماذا‭ ‬سقط‭ ‬الوطن؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى