رأي

عندما تُفتح الأبواب للضيوف .. وأصحاب العطاء في انتظار دعوة حضور

قلم: عبدالله خويلد

والله إنها لمفارقةٌ تستوقف العقل وتوجع القلب وتترك في النفس غصّة لا يبددها الكلام . ليس لأننا نرى فنانين وإعلاميين وإذاعيين من تونس وسوريا يحظون بحفاوة الاستقبال وكرم الضيافة ووهج الأضواء فذلك حقهم وإكرام الضيف من شيم الكرام والاحتفاء بالمبدعين العرب قيمة نبيلة نعتز بها ولا نرى فيها ما يستحق الاعتراض أو الانتقاص من قدر أحد.
ولكن السؤال الذي يفرض نفسه ويطرق أبواب الضمير المهني والوطني ونحن نشاهد اضواء الاستقبال لفنانين واعلاميين وصحفيين غير ليبين .. فأين مبدعونا الليبيون من كل هذا. وأين أولئك الذين أفنوا أعمارهم في الصحافة والإذاعة والإعلام والعمل الفني وتركوا من سنوات عمرهم وصحتهم وجهدهم ما لا يمكن أن تمحوه ذاكرة الزمن؟
كيف يستقيم أن نرى مشاهد الاحتفاء بضيوف من بلدان عربية شقيقة ونتابع مظاهر التكريم والحضور اللافت بينما يقف أصحاب التجربة والعطاء من أبناء الوطن على هامش المشهد لا ينتظرون تكريمًا استثنائيًا ولا استقبالًا يضاهي استقبال الملوك وإنما يتطلعون إلى مجرد دعوة للحضور تحفظ لهم مكانتهم أو دعوة التفاتة تشعرهم بأن سنوات عطائهم لم تذهب أدراج النسيان ؟ فما يوجع النفس حقًا ليس أن يُكرَّم الآخر بل أن يُنسى صاحب العطاء في وطنه. ففي بلادنا لا تزال قامات إعلامية وصحفية وإذاعية وفنية رفيعة المستوى رجالًا ونساءً حملوا الكلمة بمسؤولية ووقفوا أمام الميكروفونات والكاميرات وكتبوا في الصحف وأداروا البرامج وصنعوا بجهدهم وخبرتهم ملامح من الذاكرة الثقافية والإعلامية الليبية منهم من أمضى عقودًا في المهنة ومنهم من شهد مراحل مهمة من تاريخ الإذاعة والصحافة والفن ومنهم من أسهم في تدريب الأجيال وصقل المواهب وكان جزءًا أصيلًا من تشكيل الوعي العام والوجدان الوطن. هؤلاء ليسوا أسماء عابرة في سجل المهنة ولا أرقامًا تُطوى ملفاتها بانتهاء سنوات العمل. إنهم ذاكرة مهنية حية وخبرات متراكمة ومدارس في الأداء والتحرير والتقديم الاذاعي والعمل الصحفي ومن حقهم أن يجدوا التقدير اللائق بما قدموه وأن تكون لهم مكانتهم في المناسبات والمحافل التي تُعنى بالإعلام والفن والثقافة. ومع ذلك يجد بعض هؤلاء أنفسهم اليوم خارج دائرة الاهتمام وكأن سنوات العطاء الطويلة لم تمنحهم حتى حق الحضور والمشاركة وكأن الذاكرة المؤسسية لا تستدعي أسماءهم إلا نادرًا إن استدعتها أصلًا. ولعل أكثر ما يحز في النفس أن يشعر إعلامي أو صحفي أو فنان أفنى عمره في خدمة مهنته ووطنه بأنه غير مرئي وأن وجوده لم يعد يعني شيئًا في حسابات القائمين على المشهد حتى في مناسبة يُفترض أنها تجمع أهل المهنة وتحتفي بأصحابها.
إنها ليست مسألة دعوة لحضور مناسبة فحسب ولا هي عتاب شخصي بحثًا عن مقعد بين الحاضرين .. إنها مسألة اعتراف بقيمة الإنسان واحترام لتاريخ المهنة وإنصاف لذاكرة وطنية صنعتها سواعد أبنائه وعقولهم وأصواتهم وأقلامهم.
ومن هنا فإننا لا نضع الضيوف العرب في مواجهة الكفاءات الليبية ولا نحمّل الفنان أو الإعلامي التونسي أو السوري او المصري . او اللبناني مسؤولية ما قد يقع من تقصير في حق أبناء ليبيا . فهؤلاء إخوة وأشقاء لهم منا كل المحبة والتقدير ومرحبًا بهم في ليبيا وبين أهلها وفي كل منبر ثقافي وإعلامي يجمعنا بهم. لكن حسن استقبال الضيف لا ينبغي أن يتحول ولو من غير قصد إلى مشهد يكشف غياب صاحب الدار عن دائرة الاهتمام . فالأوطان التي تعرف قيمة مبدعيها لا تكتفي باستقبال القادمين إليها بل تحسن أيضًا استقبال أبنائها وتحتفي بمن صنعوا تاريخ مؤسساتها وتحفظ لأهل الخبرة مكانتهم وتمنحهم ما يستحقونه من حضور وتقدير.
لم نكن يوما ضد الأضواء التي تُسلَّط على ضيوفنا ولكن نتساءل عن سبب خفوتها حين يتعلق الأمر بمبدعينا . ولست ضد التكريم العربي بل نطالب بأن يكون الإنصاف قيمة لا تعرف الحدود وأن يبدأ احترام الكفاءات من داخل مؤسساتها وأوطانها.. فالمسألة لا ينبغي أن تخضع للمجاملات العابرة أو العلاقات الشخصية أو الأسماء الأكثر حضورًا في وسائل التواصل وإنما تحتاج إلى معايير واضحة تحفظ الحقوق المعنوية وتستحضر أصحاب التجربة وتتيح للأجيال الجديدة فرصة اللقاء بمن سبقوهم في المهنة.
أليس من واجب المؤسسات الإعلامية أن تُعد قوائم موثقة بروادها وأصحاب العطاء فيها ؟ أليس من حق الإعلامي والصحفي والفنان الليبي أن يجد مكانه في المناسبات التي تتصل بمجاله ؟ وأليس من الوفاء أن نستعيد خبرات الذين أفنوا أعمارهم في العمل ونستفيد من تجاربهم ونمنحهم فرصة المشاركة في تطوير مؤسساتنا بدلا من أن نتركهم أسرى التهميش والنسيان ؟ فالأوطان لا تُقاس فقط بما تستضيفه من أسماء لامعة ولا بعدد الوجوه التي تتصدر منصات الاحتفال وإنما تُقاس أيضًا بقدرتها على الوفاء لأبنائها وصون كرامة أصحاب العطاء والاعتراف بفضل من سبقوا وعدم التعامل مع الخبرة الوطنية كما لو أنها مرحلة انتهى دورها بانتهاء الوظيفة أو الابتعاد عن الأضواء. فما أحوجنا اليوم إلى ثقافة مؤسسية تعيد الاعتبار للكفاءات الليبية وتفتح أبواب التعاون أمامها وتقدمها إلى المؤسسات العربية وتمنحها فرصًا حقيقية للعمل والتبادل المهني والإبداع . فالإعلام الليبي لا تنقصه الأسماء التي تستحق الحضور ولا تفتقر الساحة إلى المنشطين والإذاعيين والصحفيين والفنانين أصحاب الخبرة والرقي والقدرة على العطاء إنما المطلوب أن نعرف كيف نصل إليهم وكيف ننصفهم وكيف نمنحهم المساحة التي يستحقونها. ولعل من أشد صور الجحود أن يحتاج المرء بعد كل هذه السنوات من العمل والجهد إلى أن يذكّر الآخرين بأنه موجود وأن له تاريخًا وأنه كان يومًا جزءًا من صناعة المشهد الإعلامي والفني في بلاده. فالمبدع الحقيقي لا يطلب من أحد أن يصنع له تاريخًا لكنه يأمل ألا يُمحى تاريخه من ذاكرة المؤسسات التي خدمها.
وعندما نتحدث عن التهميش لا نتحدث من باب الحسد أو المنافسة أو الرغبة في انتزاع الأضواء من الآخرين وإنما نتحدث عن وجع مهني وإنساني وعن شعور مشروع بالخذلان حين يرى المرء أن مسيرة عمر كاملة لم تشفع له حتى في نيل دعوة حضور بينما تتجه الأنظار والاهتمامات إلى أسماء وافدة مهما كانت مكانتها أو حجم تجربتها. وهذا الشعور يستحق أن يُسمع لا أن يُقابل بالتجاهل أو التأويل الخاطئ . فاحترام الكفاءات الوطنية ليس منّة من مسؤول ولا مكافأة يمنحها من يشاء لمن يشاء بل هو جزء من الوفاء للمهنة ومن واجب المؤسسات تجاه من أسهموا في بنائها وصناعة تاريخها.
نريد أن نرى إعلامينا وصحافيينا وقنانينا الليبيين في مواقع التقدير التي تليق بهم وأن نجد أسماءهم حاضرة في الفعاليات التي تخصهم وأن تُستعاد خبراتهم قبل أن تتبدد وأن يشعروا بأن الوطن الذي منحوه سنوات العمر لم ينسَ أسماءهم ولم يتخلَّ عنهم لمجرد أنهم لم يعودوا في واجهة المشهد.
فهل تصل هذه الرسالة إلى من يعنيهم الأمر؟ وهل يدرك المسؤولون أن وراء كل اسم مهمَّش تاريخًا من الجهد ووراء كل غياب قصة عطاء ووراء كل صمت غصّة لا يعلم مداها إلا صاحبها ؟ والوفاء للمبدعين لا يبدأ بخطاب شكر ولا ينتهي بصورة تذكارية . إنه يبدأ بالاعتراف ويتجسد في الإنصاف، ويترجم إلى فرص ومشاركة واحترام.
وليبقَ ضيوفنا الأعزاء مكرَّمين في بلادنا، فهذا من كرم ليبيا وأهلها ولكن ليكن لأبنائنا أيضًا نصيبهم من التقدير ولتكن لأصحاب العطاء مكانتهم التي لا تُنتزع منهم بصمت ولا تُختزل في ذكرى عابرة فالمبدع الليبي لا يريد أن ينتقص من قدر أحد بل كل ما يريده ألا يكون أقل شأنًا في وطنه من أي ضيف يحلّ فيه.
وتلك والله ليست مطالبة بالأضواء بقدر ما هي مطالبة بالإنصاف.
وليست دعوة إلى المفاضلة بين الأشقاء بل نداء إلى الوفاء لأبناء الوطن.
حفظ الله ليبيا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى