اقتصاد

اعتماد جدول المرتبات زيادات نقدية ومخاطر اقتصادية تعزز الفقر!!

عبد العظيم الأزرق

يسعى‭ ‬مجلس‭ ‬النواب‭ ‬إلى‭ ‬إقرار‭ ‬جدول‭ ‬المرتبات،‭ ‬وهو‭ ‬جدول‭ ‬موحد‭ ‬يثير‭ ‬جدلًا‭ ‬واسعًا،‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬بسبب‭ ‬التفاوت‭ ‬بين‭ ‬الفئات‭ ‬الوظيفية،‭ ‬وإنما‭ ‬أيضًا‭ ‬بسبب‭ ‬الفجوة‭ ‬بين‭ ‬الزيادات‭ ‬المقررة‭ ‬والواقع‭ ‬المعيشي‭ ‬للمواطن‭ ‬الليبي‭. ‬فالتسريبات‭ ‬التي‭ ‬يحملها‭ ‬سلم‭ ‬المرتبات‭ ‬تشير‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬الجدول‭ ‬لن‭ ‬يحقق‭ ‬مكاسب‭ ‬حقيقية‭ ‬وشاملة‭ ‬للعاملين،‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬الارتفاع‭ ‬الحاد‭ ‬والمتواصل‭ ‬للأسعار‭ ‬وتراجع‭ ‬القوة‭ ‬الشرائية‭ ‬للدينار‭.‬

الغريب‭ ‬أن‭ ‬معالجة‭ ‬ملف‭ ‬المرتبات‭ ‬لم‭ ‬تقترن‭ ‬بمعالجة‭ ‬الاختلالات‭ ‬المالية‭ ‬والاقتصادية‭ ‬والنقدية،‭ ‬وفي‭ ‬مقدمتها‭ ‬استقرار‭ ‬سعر‭ ‬الصرف‭. ‬فزيادة‭ ‬الإنفاق‭ ‬العام‭ ‬دون‭ ‬توفير‭ ‬إيرادات‭ ‬مستدامة‭ ‬أو‭ ‬ضبط‭ ‬المصروفات‭ ‬ستفاقم‭ ‬العجز‭ ‬المالي،‭ ‬وتزيد‭ ‬الضغوط‭ ‬على‭ ‬الاحتياطيات‭ ‬الأجنبية،‭ ‬بما‭ ‬يهدد‭ ‬بمزيد‭ ‬من‭ ‬تخفيض‭ ‬قيمة‭ ‬الدينار‭ ‬واتساع‭ ‬الفجوة‭ ‬بين‭ ‬السعرين‭ ‬الرسمي‭ ‬والموازي،‭ ‬مع‭ ‬مخاطر‭ ‬تجاوز‭ ‬الدولار‭ ‬مستوى‭ ‬12‭ ‬دينارًا‭ ‬او‭ ‬يزيد،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬قد‭ ‬يوجه‭ ‬ضربة‭ ‬قاسية‭ ‬للطبقة‭ ‬الوسطى‭ ‬التي‭ ‬تمثل‭ ‬شريحة‭ ‬واسعة‭ ‬من‭ ‬المجتمع‭.‬

إن‭ ‬الإصلاح‭ ‬الحقيقي‭ ‬لا‭ ‬يبدأ‭ ‬بزيادة‭ ‬المرتبات‭ ‬وحدها،‭ ‬وإنما‭ ‬بمعالجة‭ ‬مصادر‭ ‬الاختلال‭ ‬عبر‭ ‬حزمة‭ ‬متكاملة‭ ‬تشمل‭:‬

أولًا‭: ‬احتواء‭ ‬التوسع‭ ‬الائتماني‭ ‬في‭ ‬القطاع‭ ‬المصرفي،‭ ‬وضبط‭ ‬التسهيلات‭ ‬والقروض‭ ‬المقدمة‭ ‬للأفراد‭ ‬والشركات‭ ‬وحتى‭ ‬المؤسسات‭ ‬الحكومية‭.‬

ثانيًا‭: ‬توحيد‭ ‬الموازنة‭ ‬العامة‭ ‬والسيطرة‭ ‬على‭ ‬الإنفاق‭ ‬المتنامي‭ ‬الذي‭ ‬تجاوز‭ ‬قدرة‭ ‬الإيرادات‭ ‬العامة‭ ‬على‭ ‬تغطيته،‭ ‬وأصبح‭ ‬أحد‭ ‬أبرز‭ ‬مصادر‭ ‬العجز‭ ‬المالي‭ ‬المتكرر‭.‬

ثالثًا‭: ‬تنظيم‭ ‬الاعتمادات‭ ‬المستندية‭ ‬وتشديد‭ ‬الرقابة‭ ‬عليها،‭ ‬لمنع‭ ‬استنزاف‭ ‬الاحتياطيات‭ ‬الأجنبية،‭ ‬ومكافحة‭ ‬التلاعب‭ ‬وإعادة‭ ‬بيع‭ ‬النقد‭ ‬الأجنبي‭ ‬في‭ ‬السوق‭ ‬الموازية‭.‬

رابعًا‭: ‬معالجة‭ ‬ملف‭ ‬دعم‭ ‬المحروقات،‭ ‬الذي‭ ‬يمثل‭ ‬أحد‭ ‬أكبر‭ ‬منافذ‭ ‬استنزاف‭ ‬النقد‭ ‬الأجنبي،‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬تسرب‭ ‬كميات‭ ‬كبيرة‭ ‬منه‭ ‬إلى‭ ‬الخارج‭. ‬فبيع‭ ‬لتر‭ ‬البنزين‭ ‬خارج‭ ‬البلاد‭ ‬بعشرة‭ ‬دنانير،‭ ‬مقابل‭ ‬سعره‭ ‬المدعوم‭ ‬البالغ‭ ‬0‭.‬150‭ ‬دينار،‭ ‬يعني‭ ‬فارقًا‭ ‬يصل‭ ‬إلى‭ ‬66‭.‬7‭ ‬ضعفًا،‭ ‬بما‭ ‬يشكل‭ ‬حافزًا‭ ‬هائلًا‭ ‬للتهريب‭ ‬واستنزاف‭ ‬المال‭ ‬العام‭.‬

إن‭ ‬زيادة‭ ‬المرتبات‭ ‬دون‭ ‬إصلاح‭ ‬نقدي‭ ‬ومالي‭ ‬حقيقي‭ ‬قد‭ ‬تتحول‭ ‬من‭ ‬أداة‭ ‬لتحسين‭ ‬الدخل‭ ‬إلى‭ ‬عامل‭ ‬إضافي‭ ‬في‭ ‬تآكل‭ ‬قيمته‭ ‬وتعزيز‭ ‬مظاهر‭ ‬الفقر‭. ‬فالمعيار‭ ‬الحقيقي‭ ‬ليس‭ ‬كم‭ ‬دينارًا‭ ‬يتقاضى‭ ‬المواطن،‭ ‬بل‭ ‬ما‭ ‬الذي‭ ‬يستطيع‭ ‬شراءه‭ ‬بهذا‭ ‬الدينار‭.‬

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى