
يسعى مجلس النواب إلى إقرار جدول المرتبات، وهو جدول موحد يثير جدلًا واسعًا، ليس فقط بسبب التفاوت بين الفئات الوظيفية، وإنما أيضًا بسبب الفجوة بين الزيادات المقررة والواقع المعيشي للمواطن الليبي. فالتسريبات التي يحملها سلم المرتبات تشير إلى أن هذا الجدول لن يحقق مكاسب حقيقية وشاملة للعاملين، في ظل الارتفاع الحاد والمتواصل للأسعار وتراجع القوة الشرائية للدينار.
الغريب أن معالجة ملف المرتبات لم تقترن بمعالجة الاختلالات المالية والاقتصادية والنقدية، وفي مقدمتها استقرار سعر الصرف. فزيادة الإنفاق العام دون توفير إيرادات مستدامة أو ضبط المصروفات ستفاقم العجز المالي، وتزيد الضغوط على الاحتياطيات الأجنبية، بما يهدد بمزيد من تخفيض قيمة الدينار واتساع الفجوة بين السعرين الرسمي والموازي، مع مخاطر تجاوز الدولار مستوى 12 دينارًا او يزيد، وهو ما قد يوجه ضربة قاسية للطبقة الوسطى التي تمثل شريحة واسعة من المجتمع.
إن الإصلاح الحقيقي لا يبدأ بزيادة المرتبات وحدها، وإنما بمعالجة مصادر الاختلال عبر حزمة متكاملة تشمل:
أولًا: احتواء التوسع الائتماني في القطاع المصرفي، وضبط التسهيلات والقروض المقدمة للأفراد والشركات وحتى المؤسسات الحكومية.
ثانيًا: توحيد الموازنة العامة والسيطرة على الإنفاق المتنامي الذي تجاوز قدرة الإيرادات العامة على تغطيته، وأصبح أحد أبرز مصادر العجز المالي المتكرر.
ثالثًا: تنظيم الاعتمادات المستندية وتشديد الرقابة عليها، لمنع استنزاف الاحتياطيات الأجنبية، ومكافحة التلاعب وإعادة بيع النقد الأجنبي في السوق الموازية.
رابعًا: معالجة ملف دعم المحروقات، الذي يمثل أحد أكبر منافذ استنزاف النقد الأجنبي، في ظل تسرب كميات كبيرة منه إلى الخارج. فبيع لتر البنزين خارج البلاد بعشرة دنانير، مقابل سعره المدعوم البالغ 0.150 دينار، يعني فارقًا يصل إلى 66.7 ضعفًا، بما يشكل حافزًا هائلًا للتهريب واستنزاف المال العام.
إن زيادة المرتبات دون إصلاح نقدي ومالي حقيقي قد تتحول من أداة لتحسين الدخل إلى عامل إضافي في تآكل قيمته وتعزيز مظاهر الفقر. فالمعيار الحقيقي ليس كم دينارًا يتقاضى المواطن، بل ما الذي يستطيع شراءه بهذا الدينار.



