تقارير

الأطفال يدفعون ثمن غياب ضبط النفس..!

لم‭ ‬تعد‭ ‬بعض‭ ‬الخلافات‭ ‬الأسرية‭ ‬في‭ ‬المجتمع‭ ‬الليبي‭ ‬تقف‭ ‬عند‭ ‬حدود‭ ‬الخصام‭ ‬والقطيعة،‭ ‬بل‭ ‬تعدته‭ ‬إلى‭ ‬مواجهات‭ ‬دامية‭ ‬تنتهي‭ ‬أحياناً‭ ‬بفقدان‭ ‬الأرواح‭. ‬وبين‭ ‬نزاعات‭ ‬الميراث‭ ‬والصراعات‭ ‬العائلية،‭ ‬والمشاحنات‭ ‬اليومية،‭ ‬يجد‭ ‬الأطفال‭ ‬أنفسهم‭ ‬في‭ ‬قلب‭ ‬عاصفة‭ ‬مشاهد‭ ‬عنف‭ ‬لا‭ ‬ذنب‭ ‬لهم‭ ‬فيها،‭ ‬لتتحوَّل‭ ‬البيوت‭ ‬التي‭ ‬يفترض‭ ‬أن‭ ‬توفر‭ ‬لهم‭ ‬الأمان‭ ‬إلى‭ ‬ساحات‭ ‬للخوف‭ ‬والموت‭.‬

في‭ ‬مدينة‭ ‬‮«‬الزاوية‮»‬‭ ‬انتهى‭ ‬خلاف‭ ‬عائلي‭ ‬حول‭ ‬الميراث‭ ‬بمأساة‭ ‬أودت‭ ‬بحياة‭ ‬الطفلة‭ ‬‮«‬جوري‭ ‬محمود‭ ‬حدود‮»‬،‭ ‬البالغة‭ ‬من‭ ‬العمر‭ ‬13‭ ‬عامًا،‭ ‬إثر‭ ‬إصابتها‭ ‬بعيار‭ ‬ناري‭ ‬خلال‭ ‬اشتباك‭ ‬بين‭ ‬أفراد‭ ‬من‭ ‬عائلتها،‭ ‬فيما‭ ‬أُصيبتْ‭ ‬جدتها‭ ‬‮«‬مبروكة‭ ‬بن‭ ‬المبارك‮»‬‭ ‬بجروح‭ ‬بالغة‭ ‬استدعت‭ ‬نقلها‭ ‬إلى‭ ‬المستشفى،‭ ‬وفق‭ ‬المعلومات‭ ‬الأولية‭ ‬التي‭ ‬أعلنتها‭ ‬المؤسسة‭ ‬الوطنية‭ ‬لحقوق‭ ‬الإنسان‭ ‬بليبيا‭.‬

وبحسب‭ ‬الروايات‭ ‬المتداولة،‭ ‬تعود‭ ‬جذور‭ ‬الخلاف‭ ‬إلى‭ ‬اتهامات‭ ‬للأب‭ ‬بالتمييز‭ ‬بين‭ ‬أبنائه‭ ‬في‭ ‬المعاملة،‭ ‬والعطاء،‭ ‬ومنح‭ ‬أحدهم‭ ‬منزلاً،‭ ‬مقابل‭ ‬شعور‭ ‬بقية‭ ‬الأبناء‭ ‬بالحرمان،‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تتفاقم‭ ‬الأزمة‭ ‬عقب‭ ‬بيع‭ ‬الأب‭ ‬قطعة‭ ‬أرض‭ ‬دون‭ ‬منحهم‭ ‬نصيبًا‭ ‬من‭ ‬عائدها‭.‬

‭ ‬ومع‭ ‬تصاعد‭ ‬النزاع،‭ ‬تحولتْ‭ ‬المواجهة‭ ‬إلى‭ ‬اشتباك‭ ‬وفوضى‭ ‬وإطلاق‭ ‬نار،‭ ‬كانت‭ ‬الطفلة‭ ‬‮«‬جوري‮»‬‭ ‬ضحيته،‭ ‬في‭ ‬مأساة‭ ‬تكشف‭ ‬خطورة‭ ‬تحويل‭ ‬الخلافات‭ ‬العائلية‭ ‬إلى‭ ‬مواجهات‭ ‬مسلحة،‭ ‬والزج‭ ‬بالأطفال‭ ‬في‭ ‬أتون‭ ‬صراعات‭ ‬الكبار‭.‬

وفي‭ ‬واقعة‭ ‬أخرى‭ ‬شهدتها‭ ‬منطقة‭ ‬أم‭ ‬درمان‭ ‬بأبوسليم‭ ‬في‭ ‬طرابلس،‭ ‬تعرض‭ ‬طفل‭ ‬لم‭ ‬يتجاوز‭ ‬الخامسة‭ ‬عشر‮ ‬‭ ‬من‭ ‬عمره‭ ‬لاعتداء‭ ‬على‭ ‬يد‭ ‬شخص‭ ‬سوداني‭ ‬الجنسية،‭ ‬على‭ ‬خلفية‭ ‬خلاف‭ ‬يتعلق‭ ‬بسيجارة‭ ‬وسلك‭ ‬شحن،‭ ‬وفق‭ ‬المعلومات‭ ‬المتداولة‭ ‬عن‭ ‬الحادثة‭. ‬وهي‭ ‬واقعة‭ ‬أخرى‭ ‬تثير‭ ‬القلق‭ ‬من‭ ‬تحول‭ ‬المشاحنات‭ ‬اليومية‭ ‬إلى‭ ‬اعتداءات‭ ‬تطال‭ ‬الأطفال‭ ‬وتهدد‭ ‬سلامتهم‭.‬

ورغم‭ ‬اختلاف‭ ‬ملابسات‭ ‬الجريمتين،‭ ‬فإنهما‭ ‬تلتقيان‭ ‬عند‭ ‬حقيقة‭ ‬مؤلمة‭: ‬أن‭ ‬الأطفال‭ ‬باتوا‭ ‬يدفعون‭ ‬ثمن‭ ‬غياب‭ ‬ضبط‭ ‬النفس،‭ ‬وضعف‭ ‬ثقافة‭ ‬الحوار،‭ ‬والتعامل‭ ‬مع‭ ‬الخلافات‭ ‬بمنطق‭ ‬القوة‭ ‬بدلاً‭ ‬من‭ ‬الاحتكام‭ ‬إلى‭ ‬القانون‭.‬

إنَّ‭ ‬خطورة‭ ‬هذه‭ ‬الوقائع‭ ‬لا‭ ‬تكمن‭ ‬في‭ ‬بشاعة‭ ‬نتائجها‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬الأسباب‭ ‬التي‭ ‬تقف‭ ‬وراءها،‭ ‬وفي‭ ‬التساهل‭ ‬مع‭ ‬مظاهر‭ ‬العنف‭ ‬داخل‭ ‬الأسرة‭ ‬والمحيط‭ ‬الاجتماعي‭. ‬فخلافات‭ ‬الميراث‭ ‬تُحسم‭ ‬بالقانون،‭ ‬والمشاحنات‭ ‬لا‭ ‬تبرَّر‭ ‬الاعتداء،‭ ‬ولا‭ ‬يجوز‭ ‬أن‭ ‬يتحوَّل‭ ‬الأطفال‭ ‬إلى‭ ‬أطراف‭ ‬في‭ ‬نزاعات‭ ‬لا‭ ‬تخصهم‭.‬

وتفرض‭ ‬هذه‭ ‬المآسي‭ ‬ضرورة‭ ‬التحرك‭ ‬الجاد‭ ‬لتعزيز‭ ‬دور‭ ‬مؤسسات‭ ‬حماية‭ ‬الطفل‭ ‬والأسرة،‭ ‬ورصد‭ ‬العنف‭ ‬الأسري،‭ ‬ونشر‭ ‬ثقافة‭ ‬حل‭ ‬النزاعات‭ ‬سلمياً،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬ملاحقة‭ ‬المتورطين‭ ‬وضمان‭ ‬عدم‭ ‬إفلاتهم‭ ‬من‭ ‬العقاب‭. ‬فحماية‭ ‬الأطفال‭ ‬لا‭ ‬تبدأ‭ ‬بعد‭ ‬وقوع‭ ‬الجريمة،‭ ‬بل‭ ‬بمنع‭ ‬وصول‭ ‬العنف‭ ‬إلى‭ ‬أبوابهم‭ ‬من‭ ‬الأساس‭.‬

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى