ثقافة

حين‭ ‬يخون‭ ‬المثقف‭ ‬ظلة‭ ..‬ قراءة في كتاب «صامويل فيتوسي» لماذا يخطيء المثقفــون ؟

زينب عيسى

يضعنا‭ ‬هذا‭ ‬الكتاب‭ ‬أمام‭ ‬سؤال‭ ‬يتجاوز‭ ‬حدود‭ ‬المعرفة‭ ‬إلى‭ ‬امتحان‭ ‬ضمير‭ ‬المثقف،‭ ‬ومن‭ ‬هذه‭ ‬الاشكالية،‭ ‬انتقل‭ ‬إلى‭ ‬واقعنا‭ ‬الليبي،‭ ‬حين‭ ‬يصبح‭ ‬موقف‭ ‬المثقف‭ ‬إختبارًا‭ ‬حقيقيًا‭ ‬لاستقلالة‭ ‬الأخلاقي‭..‬

حين‭ ‬يخون‭ ‬المثقف‭ ‬ظلَّه

أخطرُ‭ ‬ما‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يحدث‭ ‬لمجتمع‭ ‬ليس‭ ‬أن‭ ‬يجهل‭ ‬حقيقته،‭ ‬بل‭ ‬أن‭ ‬يتولى‭ ‬العارفون‭ ‬دفنها؛‭ ‬أن‭ ‬يقف‭ ‬من‭ ‬يمتلك‭ ‬زمام‭ ‬اللغة‭ ‬والمعنى‭ ‬في‭ ‬صفّ‭ ‬من‭ ‬يغيّر‭ ‬أسماء‭ ‬الأشياء،‭ ‬وأن‭ ‬يصبح‭ ‬العقلُ‭ ‬شاهد‭ ‬زور،‭ ‬وتتحوَّل‭ ‬الثقافةُ،‭ ‬كما‭ ‬في‭ ‬المجتمعات‭ ‬التي‭ ‬تعرف‭ ‬قيمتها،‭ ‬من‭ ‬نافذة‭ ‬للحرية‭ ‬إلى‭ ‬ستارة‭ ‬سوداء‭ ‬تحجب‭ ‬ما‭ ‬يدور‭ ‬خلفها‭.‬

لطالما‭ ‬كان‭ ‬المثقفُ،‭ ‬كما‭ ‬نتخيله،‭ ‬هو‭ ‬الحارس،‭ ‬لا‭ ‬لأنه‭ ‬أكثر‭ ‬نُبلاً،‭ ‬بل‭ ‬لأنه‭ ‬يمتلك‭ ‬زمام‭ ‬الشك،‭ ‬ولا‭ ‬يمكنه‭ ‬أن‭ ‬يسلّم‭ ‬عقله‭ ‬إلى‭ ‬سلطة‭ ‬تفكر‭ ‬نيابة‭ ‬عنه‭. ‬لكن‭ ‬ماذا‭ ‬يحدث‭ ‬عندما‭ ‬يفقد‭ ‬المثقف‭ ‬هذه‭ ‬المسافة‭ ‬الآمنة؟‭ ‬حين‭ ‬يصبح‭ ‬مغرمًا‭ ‬بالسلطة،‭ ‬أو‭ ‬يلتزم‭ ‬الصمت‭ ‬باعتباره‭ ‬أكثر‭ ‬ربحًا‭ ‬مما‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يقوله؟

هنا‭ ‬تبدأ‭ ‬خيانة‭ ‬المثقف‭ ‬الأولى‭: ‬حين‭ ‬يعرف‭ ‬ويتواطأ‭.‬

فالمعرفة‭ ‬ليستْ‭ ‬حصانة‭ ‬أخلاقية‭ ‬للمثقف،‭ ‬ولا‭ ‬تمنحه‭ ‬القراءة‭ ‬الطويلة‭ ‬قلباً‭ ‬أكثر‭ ‬عدلاً‭. ‬ثمة‭ ‬عقول‭ ‬تسكنها‭ ‬أوهام‭ ‬ضيقة،‭ ‬وألسنة‭ ‬تجيد‭ ‬تفكيك‭ ‬النصوص‭. ‬قد‭ ‬يُسهب‭ ‬المثقف‭ ‬في‭ ‬تفسير‭ ‬الحرية‭ ‬في‭ ‬مجلدات‭ ‬ضخمة،‭ ‬ويكتب‭ ‬عن‭ ‬كرامة‭ ‬الإنسان،‭ ‬ما‭ ‬دام‭ ‬هذا‭ ‬الإنسان‭ ‬لا‭ ‬يقف‭ ‬في‭ ‬الجهة‭ ‬التي‭ ‬تزعجه‭.‬

لعل‭ ‬المأزق‭ ‬ليس‭ ‬أن‭ ‬يخطئ‭ ‬المثقف؛‭ ‬فالخطأ‭ ‬وارد‭ ‬في‭ ‬طبيعة‭ ‬الفكر‭ ‬الإنساني،‭ ‬بل‭ ‬أن‭ ‬يتحوَّل‭ ‬خطؤه‭ ‬إلى‭ ‬عقيدة،‭ ‬حين‭ ‬يظن‭ ‬أن‭ ‬الاعتراف‭ ‬به‭ ‬سيُحسب‭ ‬هزيمة‭.‬

في‭ ‬المجتمعات‭ ‬التي‭ ‬تتصارع‭ ‬فيها‭ ‬الهويات،‭ ‬وتتسع‭ ‬فيها‭ ‬مساحة‭ ‬الانقسام‭ ‬السياسي‭ ‬والاختلاف‭ ‬بين‭ ‬المدن،‭ ‬يجد‭ ‬المثقف‭ ‬نفسه‭ ‬أمام‭ ‬خيارين‭ ‬لا‭ ‬ثالث‭ ‬لهما‭: ‬أن‭ ‬يختار‭ ‬بين‭ ‬راحة‭ ‬الانتماء‭ ‬وقلق‭ ‬الضمير،‭ ‬بين‭ ‬التصفيق‭ ‬الذي‭ ‬تمنحه‭ ‬له‭ ‬السلطة‭ ‬والعزلة‭ ‬التي‭ ‬يفرضها‭ ‬قول‭ ‬الحقيقة‭.‬

ليس‭ ‬مطلوبًا‭ ‬من‭ ‬المثقف‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬بطلاً‭ ‬دائمًا،‭ ‬ولا‭ ‬أن‭ ‬يدّعي‭ ‬امتلاك‭ ‬الحقيقة‭. ‬يكفي‭ ‬أن‭ ‬يقول‭: ‬لا‭ ‬أعرف‭. ‬أن‭ ‬يرفض‭ ‬تبرير‭ ‬الظلم‭ ‬حين‭ ‬يأتي‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬يحبها،‭ ‬وأن‭ ‬يتذكر‭ ‬أن‭ ‬وظيفته‭ ‬في‭ ‬مجتمعه‭ ‬ليستْ‭ ‬حماية‭ ‬أفكاره‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬حماية‭ ‬حق‭ ‬الآخرين‭ ‬في‭ ‬ألّا‭ ‬يكونوا‭ ‬ضحايا‭ ‬لها‭.‬

لا‭ ‬نحتاج‭ ‬اليوم‭ ‬إلى‭ ‬مثقفين‭ ‬يُكثرون‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬الحرية،‭ ‬بل‭ ‬إلى‭ ‬مَنْ‭ ‬يستطيعون‭ ‬احتمال‭ ‬ثمنها؛‭ ‬من‭ ‬لا‭ ‬يبيعون‭ ‬ضمائرهم‭ ‬مقابل‭ ‬مقعد‭ ‬في‭ ‬واجهة‭ ‬المشهد،‭ ‬ولا‭ ‬يبدّلون‭ ‬مواقفهم‭ ‬كلما‭ ‬تبدّلتْ‭ ‬الريحُ،‭ ‬ولا‭ ‬يخلطون‭ ‬بين‭ ‬الولاء‭ ‬والحقيقة‭.‬

وفي‭ ‬النهاية،‭ ‬لا‭ ‬أظن‭ ‬أن‭ ‬السؤال‭ ‬الحقيقي‭ ‬هو‭: ‬لماذا‭ ‬يخطئ‭ ‬المثقف؟‭ ‬بل‭: ‬ماذا‭ ‬يفعل‭ ‬حين‭ ‬يكتشف‭ ‬خطأه؟‭.‬

حين‭ ‬يخون‭ ‬المثقف‭ ‬ضميره،‭ ‬لا‭ ‬يخسر‭ ‬نفسه‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬يترك‭ ‬الجهل‭ ‬دون‭ ‬منافس،‭ ‬والسلطة‭ ‬دون‭ ‬مساءلة،‭ ‬والإنسان‭ ‬الذي‭ ‬آمن‭ ‬به‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬الكذب،‭ ‬بجميع‭ ‬ألوانه،‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬من‭ ‬المفترض‭ ‬أن‭ ‬يحميه‭ ‬منه‭.‬

وفي‭ ‬الختام‭:‬

‭)‬الثقافة‭ ‬مثلما‭ ‬تفتح‭ ‬نوافذ‭ ‬الحرية‭ ‬تصبح‭ ‬لها‭ ‬غواية‭ ‬أيضًا‭(.‬

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

صامويل‭ ‬فيتوسي‭ ‬مواليد‭ ‬1997‭-‬خريج‭ ‬قسم‭ ‬الاقتصاد‭ ‬جامعة

كامبردج،‭ ‬والمدرسة‭ ‬العليا‭ ‬للدراسات‭ ‬التجارية‭ ‬في‭ ‬باريس

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى