فنون

  لحـــن شعـــبي قديمٌ..!!

يكتبها د/ إدريس القائد

حكاية‭ ‬التراث‭ ‬الغنائي‭ .. ‬

بدايةً‭ ‬من‭ ‬المهم‭ ‬أن‭ ‬نعرّف‭ ‬ما‭ ‬هو‮ ‬‭ ‬اللحنُ‭ ‬الذي‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يقال‭ ‬عنه‭ ‬قديمٌ‭ .. ‬؟‭ ‬

‭* ‬اللحن‭ ‬الشعبي‭ ‬القديم‭ ‬بكلماته‭ ‬مهما‭ ‬جرى‭ ‬عليه‭ ‬من‭ ‬تغيير،‭ ‬أو‭ ‬إضافة‭ ‬يظل‮ ‬‭ ‬‮«‬شعبيًا‮»‬‭ ‬فقط،‭ ‬إذا‭ ‬عرف‭ ‬لحنه‭ ‬وكلماته‭ ‬معظم‭ ‬النَّاس‭ ‬في‭ ‬منطقته‭ ‬وهو‭ ‬بالضرورة‭ ‬لحن‭ ‬بسيط‭ ‬يتكون‭ ‬من‭ ‬جملة‭ ‬موسيقية‭ ‬واحدة‭ ‬أو‭ ‬اثنتين،‭ ‬وهو‭ ‬أيضًا‭ ‬بالضرورة‭ ‬له‭ ‬إيقاع‭ ‬شعبي‭ ‬مشهور‭ . ‬

ثانيًا‭ : ‬أن‭ ‬نحلَّل‭ ‬بالدراسة‭ ‬اللحن‭ ‬الشعبي‭ ‬‮«‬موسيقيًا‮»‬‭ ‬لنتعرَّف‭ ‬على‭ ‬خصائصه‭ ‬وبالمقارنة‭ ‬مع‭ ‬المشهور‭ ‬من‭ ‬التراث‭ .‬

ثالثًا‭ : ‬تسمية‭ ‬المنطقة‭ ‬وإنّ‭ ‬اللحن‭ ‬الشعبي،‭ ‬أو‭ ‬التراثي‭ ‬هو‭ ‬أي‭ ‬لحن‭ ‬قديم‭ ‬بالضرورة،‭ ‬ومجهول‭ ‬المؤلف‭ ‬وغير‭ ‬معروف‭ ‬فإن‭ ‬منطقته‭ ‬معروفة‭..‬

رابعًا‭ : ‬إن‭ ‬الفنانين‭ ‬الذين‭ ‬يستلهمون‭ ‬لحنًا‭ ‬شعبيًا‭ ‬ويقدمونه‭ ‬بصورة‭ ‬مقبولة‭ ‬هم‭ ‬يُسهمون‭ ‬في‭ ‬إبراز‭ ‬التراث‭ ‬الذي‭ ‬يكون‭ ‬غائب‭ ‬الذكر‮ ‬‭ ‬إلا‭ ‬في‭ ‬مناطقه‭ ‬لينتشر‭ ‬في‭ ‬ربوع‭ ‬البلاد‭ ‬ويسهم‭ ‬بالتالي‭ ‬في‭ ‬تجميل‭ ‬وتأصيل‭ ‬الناتج‭ ‬الغنائي‭ ‬عمومًا‭ .‬

سادسًا‭ : ‬إن‭ ‬التراث‭ ‬المعنوي‭ ‬مثل‭ ‬الأغاني،‭ ‬والشعر‭ ‬فيه‭ ‬تداخل‭ ‬وتقاطع‭ ‬تماثل‭ ‬مادته‭ ‬تتوالد‭ ‬من‭ ‬بعضها‭ ‬بعض‭ ‬وتتطور‭ ‬لذا‭ ‬يمكن‭ ‬القول‭ ‬من‭ ‬يشتهر‭ ‬على‭ ‬يديه‭ ‬عمل‭ ‬هو‭ ‬صاحبه‭.‬

سابعًا‭ : ‬الدفاع‭ ‬دون‭ ‬كلَّل‭ ‬عن‭ ‬حقوق‭ ‬الملكية‭ ‬متى‭ ‬وجد‭ ‬الدليل‭ ‬أن‭ ‬العمل‭ ‬مسروق‭ ‬أو‭ ‬تم‭ ‬الاستحواذ‭ ‬عليه‭ ‬من‭ ‬غير‭ ‬المبدع‭ ‬ودعم‭ ‬صاحب‭ ‬العمل‭.‬

ثامنًا‭ : ‬التفريق‭ ‬بين‭ ‬التراث‭ ‬و«الفلكلور‮»‬،‮ ‬‭ ‬و‭ ‬أنه‭ ‬من‭ ‬حق‭ ‬أي‭ ‬مبدع‭ ‬أن‭ ‬يستعين‭ ‬بلحن‭ ‬غيره‭ ‬في‭ ‬أعماله،‭ ‬ويقدمه‭ ‬على‭ ‬أنه‭ ‬‮«‬تراث‮»‬،‭ ‬أو‭ ‬‮«‬فلكلور‮»‬،‭ ‬وقد‭ ‬تكون‭ ‬تراثًا‭ ‬فعلًا‭ ‬لو‭ ‬مر‭ ‬على‭ ‬إنتاجها‭ ‬50‭ ‬سنة،‭ ‬أو‭ ‬فلكلور‭ ‬لو‭ ‬الأغنية‭ ‬غير‭ ‬معروف‭ ‬كاتبها،‭ ‬وملحنها‭.‬

دعوني‭ ‬الآن‭ ‬أضع‭ ‬أمامكم‭ ‬سيناريو‭ ‬‮«‬من‭ ‬الخيال‮»‬‭ ‬لا‭ ‬أظن‭ ‬أنه‭ ‬يبتعد‭ ‬كثيرًا‭ ‬عما‭ ‬كان‭ ‬يحدث‭ ‬زمان‭ ‬عند‭ ‬إعداد‭ ‬أغنية‭ ‬جديدة‭ .. ‬سيناريو‭ ‬لأغنيتين‭ ‬في‭ ‬غاية‭ ‬الجمال،‭ ‬و‭ ‬التنوع‭ ‬والتعقيد‭ ‬الموسيقي‭ ‬لحنًا،‭ ‬و‭ ‬إيقاعًا‭.‬

الأغنية‭ ‬الأولى‭ )‬جرت‭ ‬السواقي‭ ‬لِيه‭(‬‮ ‬شاعر‭ ‬الأغنية‭ ‬هو‭ ‬الأستاذ‭ ‬محمد‭ ‬الطاهر‭ ‬شقليلة،‭ ‬أو‭ ‬‮«‬ابن‭ ‬الطاهر‮»‬،‭ ‬في‭ ‬سيناريو‭ ‬خيالي‭ ‬جلس‭ ‬الأستاذ‭ ‬الطاهر‭ ‬في‭ ‬سانية‭ ‬‮«‬بستان‮»‬‭ ‬ببلدته‭ ‬مدينة‭ ‬الزاوية‭ ‬شاهد‭ ‬المياه‭ ‬وهي‭ ‬تتدفق‭ ‬من‭ ‬ساقية‭ ‬‮«‬غالبًا‭ ‬جابية‮»‬‭ ‬تمر‭ ‬نحو‭ ‬النخيل،‭ ‬وباقي‭ ‬الأشجار‭.. ‬خلال‭ ‬ذلك‭ ‬كان‭ ‬يستمع‭ ‬إلى‭ ‬غناء‭ ‬قريباته‭ ‬يغنين‭ ‬نغمة‭ ‬مكرَّرة‭ ‬فانشد‭ ‬على‭ ‬اللحن‭ ‬نفسه‭ ‬كلماته‭ ‬‮«‬جرت‭ ‬السواقي‭ ‬للنخل‭ ‬وسقاته‮»‬‭ ‬نغمة‭ ‬واحدة‭ .‬

والايقاع‭ ‬شعبي‭ ‬بطئ‭ ‬نغمة‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬جملتين‭ ‬مكرَّرة‭ ‬وكرَّرها‭ ‬مع‭ ‬باقي‭ ‬كلمات‭ ‬الأغنية‭ ‬ثم‭ ‬إلتقى‭ ‬بالفنان‭ ‬سلام‭ ‬قدري‭ ‬الذي‭ ‬حفظها‭ ‬من‭ ‬مؤلفها‭ ‬بلحنها‭ ‬الشعبي‭ ‬البسيط‭ ‬وغالبًا‭ ‬جلس‭ ‬سلام‭ ‬قدري‭ ‬مع‭ ‬زملائه‭ ‬الفنانين‭ ‬يعرض‭ ‬عليهم‭ ‬اللحن‭ ‬في‭ ‬نغمته‭ ‬الشعبية‭ ‬‮«‬الخام‮» ‬‭ ‬هنا‭ ‬اقترح‭ ‬أحدهم‭ ‬تثبيت‭ ‬المقام‮ ‬‭ ‬فبرز‭ ‬مقام‭ ‬العجم‭ ‬غير‭ ‬المعتاد،‭ ‬وهنا‭ ‬تمت‭ ‬إضافة‭ ‬عدة‭ ‬نغمات‭ ‬ثم‭ ‬تم‭ ‬ترتيب‭ ‬الكلمات‭ ‬وإضافة‭ ‬الردود‭ ‬الموسيقية‭ ‬كلها‭ ‬مقام‭ ‬العجم‭ ‬مع‭ ‬آهات‭ ‬الكورس‭ ‬النسائي‭ ‬لتكملة‭ ‬مقياس‭ ‬الإيقاع‭ ‬وهو‭ ‬4‭/‬4‭ ‬والأقرب‭ ‬إلى‭ ‬الرومبا‭ ‬منه‭ ‬إلى‭ ‬السامبا‭ .. ‬المعضلة‭ ‬الآن‭ ‬هل‭ ‬‮«‬جرت‭ ‬السواقي‮»‬‭ ‬من‭ ‬ألحان‭ ‬سلام‭ ‬قدري‭ ‬أم‭ ‬هي‭ ‬

لحن‭ ‬شعبي‭ ‬قديم؟‭ ‬وحتى‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬نجيب‭ ‬لا‭ ‬بد‭ ‬أن‭ ‬نستعرض‭ ‬سيناريو‭ ‬آخر‭ ‬لأغنية‭ ‬أخرى‭ ‬تكاد‭ ‬تكون‭ ‬الأقرب‭ ‬للحن‭ ‬‮«‬جرت‭ ‬السواقي‮»‬‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬أنها‭ ‬نفس‭ ‬المقام‭ ‬‮«‬العجم‮»‬،‭ ‬ومن‭ ‬نفس‭ ‬نوع‭ ‬الإيقاع‭ ‬تقريبًا‭ ‬‮«‬السامبا‮»‬‭ ‬غير‭ ‬الشعبي‭ !‬‮ ‬‭ ‬وسيطرة‭ ‬آلة‭ ‬إيقاع‭ ‬البينكوز‭ .. ‬حتى‭ ‬أن‭ ‬الأستاذ‭ ‬محمد‭ ‬مرشان‭ ‬اضاف‭ ‬‮«‬نقطة‭ ‬اتصال‮»‬،‭ ‬وهي‭ ‬موسيقى‭ ‬خلفية‭ ‬تختلف‭ ‬عن‭ ‬لحن‭ ‬الأغنية‭ ‬وهذه‭ ‬إحدى‭ ‬بدع‭ ‬التأليف‭ ‬الموسيقي‭ .. ‬كما‭ ‬وظف‭ ‬أصوات‭ ‬الكورس‭ ‬المتداخلة‭ ‬بعناية‭ .. ‬أغنية‭ ‬عبقرية‭ ‬موسيقيا‭ .. ‬هذه‭ ‬الأغنية‭ ‬كتبها‭ ‬الأستاذ‭ ‬إبراهيم‭ ‬الطوير‭ .. ‬مع‭ .. ‬السيناريو‭ ‬أنه‭ ‬سلم‭ ‬كلمات‭ ‬الأغنية‭ ‬للأستاذ‮ ‬‭ ‬محمد‭ ‬مرشان‭ .. ‬ولا‭ ‬بد‭ ‬أن‭ ‬محمد‭ ‬مرشان‭ ‬كانت‭ ‬تدور‭ ‬في‭ ‬خُلده‭ ‬نغمة‭ ‬سمعها‭ ‬في‭ ‬مرزق‭ ‬يغنيها‭ ‬مطرب‭ ‬شعبي‭ .. ‬نغمة‭ ‬مكرَّرة‭ ‬بسيطة‭ ‬لكنها‭ ‬تنتهي‭ ‬بلحن‭ ‬قفلة‭ ‬المذهب‭ ‬مقام‭ ‬العجم‭ ‬والتي‭ ‬أصبحت‭ ‬في‭ ‬الأغنية‮ «‬كلّمتها‭ ‬واطت‮»‬‭ ..‬

الأغنية‭ ‬الثالثة‭ ‬للمقارنة‮ ‬‭ ‬هي‮«‬أيام‭ ‬كيف‭ ‬الورد‭ ‬ذبلتيهم‮»‬‭ .. ‬وهي‭ ‬ايضًا‭ ‬من‭ ‬تأليف‭ ‬الأستاذ‭ ‬محمد‭ ‬الطاهر‭ ‬شقليلة‭.. ‬وهي‭ ‬من‭ ‬التراث‭ ‬واسم‭ ‬ملحنها‭ ‬بكل‭ ‬وضوح‭ ‬الاستاذ‭ ‬محمد‭ ‬الموجي‭ .. ‬الأغنية‭ ‬بمقدمتها‭ ‬ليبية‭ ‬وكذلك‭ ‬روحها‭ .. ‬أغنية‭ ‬جميلة‭ ‬غناها‭ ‬الأستاذ‭ ‬سلام‭ ‬قدري‭ ‬بجدارة‭ .. ‬وتنتهي‭ ‬بما‭ ‬يشبه‭ ‬‮«‬البرول‮»‬‭ ‬الشهير‭ ‬في‭ ‬الأغنية‭ ‬الليبية‭.. ‬هنا‭ ‬نجد‭ ‬أن‭ ‬الموجي‭ ‬قد‭ ‬استلهم‭ ‬من‭ ‬الجمل‭ ‬اللحنية‭ ‬الشعبية‭ ‬ما‭ ‬صنع‭ ‬به‭ ‬تحفة‭ ‬غنائية‭ .. ‬السؤال‭ ‬الآن‭ ‬لماذا‭ ‬نعتبر‭ ‬أن‭ ‬لحن‭ ‬‮«‬أيام‭ ‬كيف‭ ‬الورد‭ ‬ذبلتيهم‮»‬‭ ‬لحن‭ ‬محمد‭ ‬الموجي‭ ‬ولا‭ ‬نعتبر‭ ‬لحن‭ ‬‮«‬جرت‭ ‬السواقي‭ ‬لِيه‮»‬‭ ‬لحن‭ ‬شعبي‭ ‬قديم،‭ ‬وليس‭ ‬لحن‭ ‬سلام‭ ‬قدري،‭ ‬أو‭ ‬لماذا‭ ‬نعتبر‭ ‬أغنية‭ ‬‮«‬واطت‭ ‬العين‭ ‬عليا‮»‬‭ ‬لحن‭ ‬شعبي‭ ‬قديم‭ ‬وليس‭ ‬لحن‭ ‬محمد‭ ‬مرشان؟‭!.‬

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى