رأي

أوقفوا نهب قوت الليبيين!

عثمان القاجيجي

يواصل‭ ‬المصرف‭ ‬المركزي‭ ‬فتح‭ ‬اعتمادات‭ ‬مستندية‭ ‬بالمليارات‭ ‬لكبار‭ ‬التجار‭ ‬تحت‭ ‬لافتة‭ ‬توفير‭ ‬السِلع‭ ‬الأساسية‭ ‬وتأمين‭ ‬القوت‭ ‬اليومي‭ ‬للمواطنين،‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬الواقع‭ ‬المعيشي‭ ‬يكشف‭ ‬مفارقة‭ ‬صارخة‭ ‬وخللاً‭ ‬بنيوياً‭ ‬عميقاً؛‭ ‬إذ‭ ‬تحولت‭ ‬هذه‭ ‬المنظومة‭ ‬في‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬مساراتها‭ ‬إلى‭ ‬بوابة‭ ‬لتهريب‭ ‬العملة‭ ‬الصعبة‭ ‬إلى‭ ‬الخارج‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يلمس‭ ‬المواطن‭ ‬أثراً‭ ‬حقيقياً‭ ‬لتلك‭ ‬الأموال‭ ‬في‭ ‬تفاصيل‭ ‬حياته‭ ‬اليومية‭.‬

وعوضاً‭ ‬عن‭ ‬أن‭ ‬تسهم‭ ‬هذه‭ ‬التدفقات‭ ‬المالية‭ ‬الضخمة‭ ‬في‭ ‬تحقيق‭ ‬الاستقرار‭ ‬السعري،‭ ‬يشهد‭ ‬السوق‭ ‬المحلي‭ ‬موجات‭ ‬غلاء‭ ‬غير‭ ‬مبررة‭ ‬وارتفاعاً‭ ‬قياسياً‭ ‬في‭ ‬تكاليف‭ ‬المعيشة؛‭ ‬فلا‭ ‬توجد‭ ‬مؤشرات‭ ‬اقتصادية‭ ‬أو‭ ‬رقابية‭ ‬تثبت‭ ‬أن‭ ‬المليارات‭ ‬المَمنوحة‭ ‬ساهمت‭ ‬في‭ ‬كبح‭ ‬جِماح‭ ‬التضخم‭ ‬أو‭ ‬خفض‭ ‬الأسعار،‭ ‬بل‭ ‬يدفع‭ ‬المواطن‭ ‬البسيط‭ ‬وحده‭ ‬فاتورة‭ ‬هذا‭ ‬التضارب‭ ‬بين‭ ‬الأرقام‭ ‬المصرفية‭ ‬المُعلنة‭ ‬وواقع‭ ‬الأسواق‭ ‬الفعلي‭.‬

وتتعاظم‭ ‬الأزمة‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬الغياب‭ ‬التام‭ ‬لآليات‭ ‬تتبع‭ ‬رقمية‭ ‬وميدانية‭ ‬موثوقة‭ ‬تؤكد‭ ‬وصول‭ ‬الشحنات‭ ‬المُمولة‭ ‬بالدولار‭ ‬الرسمي‭ ‬إلى‭ ‬الموانئ‭ ‬والمنافذ‭ ‬الليبية،‭ ‬وضمان‭ ‬توزيعها‭ ‬الفعلي‭ ‬على‭ ‬الأرفف‭ ‬في‭ ‬الاسواق‭ ‬بأسعار‭ ‬تتناسب‭ ‬مع‭ ‬الدعم‭ ‬الممنوح؛‭ ‬مما‭ ‬فتح‭ ‬الباب‭ ‬واسعاً‭ ‬أمام‭ ‬فوضى‭ ‬“التوريد‭ ‬الصوري”‭ ‬وبقاء‭ ‬السلع‭ ‬الأساسية‭ ‬رهينة‭ ‬للمضاربة‭ ‬وغياب‭ ‬الرقابة‭ ‬الفاعِلة‭ ‬على‭ ‬مسار‭ ‬التوزيع‭ ‬من‭ ‬المنشأ‭ ‬حتى‭ ‬يد‭ ‬المستهلك‭.‬

وأمام‭ ‬هذا‭ ‬الاستنزاف‭ ‬غير‭ ‬المُجدي‭ ‬للاحتياطيات‭ ‬النقدية،‭ ‬بات‭ ‬من‭ ‬الواجب‭ ‬الاقتصادي‭ ‬والوطني‭ ‬الإغلاق‭ ‬التام‭ ‬لملف‭ ‬الاعتمادات‭ ‬المستندية‭ ‬بصيغته‭ ‬الراهنة،‭ ‬وتوجيه‭ ‬هذه‭ ‬المليارات‭ ‬المُهدرة‭ ‬مباشرة‭ ‬نحو‭ ‬مشاريع‭ ‬التنمية‭ ‬والبنية‭ ‬التحتية؛‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬يُعاد‭ ‬ضبط‭ ‬آلية‭ ‬الاستيراد‭ ‬عبر‭ ‬حسابات‭ ‬مصرفية‭ ‬ممولة‭ ‬ذاتياً‭ ‬بالدولار،‭ ‬ووقف‭ ‬تمكين‭ ‬الموردين‭ ‬من‭ ‬العملة‭ ‬الصعبة‭ ‬بصورة‭ ‬تفتح‭ ‬المجال‭ ‬لتبديد‭ ‬مقدرات‭ ‬الدولة‭ ‬دون‭ ‬عائد‭ ‬تنموي‭ ‬أو‭ ‬خدمي‭ ‬ملموس‭.‬

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى