
يواصل المصرف المركزي فتح اعتمادات مستندية بالمليارات لكبار التجار تحت لافتة توفير السِلع الأساسية وتأمين القوت اليومي للمواطنين، غير أن الواقع المعيشي يكشف مفارقة صارخة وخللاً بنيوياً عميقاً؛ إذ تحولت هذه المنظومة في كثير من مساراتها إلى بوابة لتهريب العملة الصعبة إلى الخارج دون أن يلمس المواطن أثراً حقيقياً لتلك الأموال في تفاصيل حياته اليومية.
وعوضاً عن أن تسهم هذه التدفقات المالية الضخمة في تحقيق الاستقرار السعري، يشهد السوق المحلي موجات غلاء غير مبررة وارتفاعاً قياسياً في تكاليف المعيشة؛ فلا توجد مؤشرات اقتصادية أو رقابية تثبت أن المليارات المَمنوحة ساهمت في كبح جِماح التضخم أو خفض الأسعار، بل يدفع المواطن البسيط وحده فاتورة هذا التضارب بين الأرقام المصرفية المُعلنة وواقع الأسواق الفعلي.
وتتعاظم الأزمة في ظل الغياب التام لآليات تتبع رقمية وميدانية موثوقة تؤكد وصول الشحنات المُمولة بالدولار الرسمي إلى الموانئ والمنافذ الليبية، وضمان توزيعها الفعلي على الأرفف في الاسواق بأسعار تتناسب مع الدعم الممنوح؛ مما فتح الباب واسعاً أمام فوضى “التوريد الصوري” وبقاء السلع الأساسية رهينة للمضاربة وغياب الرقابة الفاعِلة على مسار التوزيع من المنشأ حتى يد المستهلك.
وأمام هذا الاستنزاف غير المُجدي للاحتياطيات النقدية، بات من الواجب الاقتصادي والوطني الإغلاق التام لملف الاعتمادات المستندية بصيغته الراهنة، وتوجيه هذه المليارات المُهدرة مباشرة نحو مشاريع التنمية والبنية التحتية؛ على أن يُعاد ضبط آلية الاستيراد عبر حسابات مصرفية ممولة ذاتياً بالدولار، ووقف تمكين الموردين من العملة الصعبة بصورة تفتح المجال لتبديد مقدرات الدولة دون عائد تنموي أو خدمي ملموس.



