الفنان ميلاد الحصادي لفبراير: المسرح الليبي مستباح من الأدعياء في الإخراج والتمثيل
طارق الجحاوي

عندما تتحدث عن درنة، لا يمكن فصل أزقتها المضمخة برائحة الياسمين عن صدى خشبات المسرح التي أنجبتْ قامات هزت|ْ الوجدان الليبي. ومن بين هذه القامات، يبرز اسم الفنان والمسؤول الثقافي ميلاد الحصادي؛ الرجل الذي لم يكن مجرد فنان عابر، بل كان بنّاءً لثقافتها، وحارساً لإرثها في أصعب الظروف .. في هذا الحوار الخاص لصحيفة )فبراير(، يفتح الحصادي قلبه، ليتحدث بشجن عن بداياته، ويكشف بجرأة عن الأورام التي تصيب جسد المسرح الليبي اليوم، مستعرضًا حُلمه القائم في ترميم ذاكرة «درنة الزاهرة» بعد السيل الجارف.
لكل مبدعٍ جذور سقتْ شغفه الأول.. كيف بدأتْ حكايتكَ مع المسرح في درنة؟
ترجع علاقتي بالمسرح إلى الطفولة، حين كنتُ أحرص على حضور أي عرض مسرحي يُقدم في مدينة درنة، سواء مسرح الأندية، أو فرقة المسرح الوطني، أو فرقة هواة التمثيل.. واستمر هذا الشغف الطفولي حتى عام 1980، حينما صاحبني الصديق منصور سرقيوة إلى فرقة المسرح الوطني، وهناك تعرفتُ على رموز مهمة تركتْ بصمتها في وجداني، من بينهم الراحل خليفة بن زابية، وعطية بورواق.
عُرفتَ في بداياتكَ بمحاولات كتابة النص، لكن المسار تحوَّل لاحقًا نحو الإدارة والتأسيس..ما الذي دفعكَ لتغيير الدفة؟
حقيقة، كان انتسابي للفرقة في البداية محاولة لخلق كُتّاب للنص المسرحي. لكن مشكلات الفرقة، وقلة الإمكانات، ورحيل الفنان الكبير خليفة بن زابية، أجبرتني على الاهتمام بالجانب الإداري، والتأسيسي، وهو ما أُقرّ بأنه أثَّر سلباً على مساري الإبداعي الخاص..لكنَّني في النهاية أفتخر بأنني وبدعم من الأصدقاء، قمتُ ببناء مقر للمسرح الوطني درنة؛ وهو مبنى يطابق المعايير العالمية، ويكاد يكون الوحيد في ليبيا الذي أُنشئ خصيصًا كمسرح.
أعتبر هذا الإنجاز هو الأهم والأقرب إلى قلبي، وإن كنتُ ما زلتُ أمارس أحياناً محاولات كتابة نص ليبي، لكن الكثير من هذه التجارب ما زالتْ حبيسة الأدراج.
بين وقار الخشبة وعين الكاميرا..كيف يكون التوازن بين المسرح والدراما المرئية؟
المسرح هو المكان الأساسي الذي يتكون فيه الفنان، وفيه يفهم الأداء الحقيقي والانضباط والتحكم بالصوت والجسد. أما في الأعمال المرئية، فالممثل مطالب بأن يحتفظ بروح المسرح دون صخب؛ ففي المسرح، أنتَ مطالب بأن يصل صوتك وتعبيرك إلى آخر القاعة، أما الكاميرا فهي تقتنص أقل التفاصيل وأدق الهمسات. لذا، فإن الفنان الحقيقي هو من يجعل الكاميرا تنسى أنه يمثل، دون أن ينسى هو نفسه جذوره المسرحية؛ فالقاعدة عندي: المسرح يمنح العمق والجذور، والكاميرا تختبر الأداء والايمان بالدور.. والتكنولوجيا اليوم لا تعوض غياب التكوين الفني الحقيقي المبني على أُسس علمية رصينة.
شاركتَ في لجان وإدارات العديد من المهرجانات، ومنها )درنة الزاهرة(.. ما هي أبرز الأشواك التي وقفتْ في طريق هذه المحافل؟
التحديات تتلخص في نقطتين: أولاً، ضعف البنية التحتية؛ إذ تفتقر المدن للمقار المجهزة، وتجدنا أحياناً لا نملك إلا خشبة مسرح واحدة تقام عليها كل عروض المهرجان، مما يسبب إرباكاً شديداً. وثانياً، التمويل غير المستقر؛ فمثل هذه المهرجانات تحتاج لدعم مالي ثابت ومستدام، بينما الدعم الحالي غالباً ما يكون موسمياً وشحيحاً.
رغم هذه الأشواك، ما الذي يجعل شعلة المهرجانات مستمرة في المقاومة؟
نقطة القوة الوحيدة هي أن المسرح لدينا قائم على الشغف لا على المصالح الشخصية. عندما ترى شباباً يشتغلون لساعات طوال دون مقابل مالي، فهذا يعطيك مؤشراً بأن الأمل ما زال حياً. وللحفاظ على هذا الشغف، نرى ضرورة قصوى لدعم وخلق ورش تدريبية للشباب بالتعاون مع المدارس والجامعات، والاستفادة من الإعلام الرقمي الحديث.عاصرت دورات عديدة لمهرجانات الزاهرة، والمسرح الشعبي ببنغازي، والوطني بطرابلس.. كيف تقيم الحصاد الفني العام اليوم؟
سأكون صادقاً وجريئاً؛ رغم أنني أحيي كل المحاولات الشجاعة، لكنَّني على قناعة تامة بأنَّ المسرح الليبي يعاني اليوم على مستوى النص، والإخراج والتمثيل. خذْ هذا الكم الهائل مما يقدم، فلن تظل في ذاكرتك مسرحية واحدة إلا عملان، أو ثلاثة على الأكثر! والسبَّب يعود لدخول الكثير من «المدعين» للمسرح، وتصديهم للإخراج والتمثيل دون أي خلفية، أو بناء علمي وثقافي. ما يحدث يحتاج لوقفة جادة من جهات الاختصاص، والتي يجب أن تكون هي أيضًا مؤهلة وذات حضور فني طاغٍ.
هل أفهم من ذلك أن الجمهور الليبي بات يبتعد عن قاعات المسرح؟
غياب الدولة عبر مؤسساتها المختصة، أو صناديقها التمويلية يشكل أولى نقاط الضعف، وهو ما جعل الفضاء المسرحي مستباحًا لكل من هب ودب. نعم، أرى أن المسرح لم يعد قادرًا على جذب جمهور حقيقي؛ خصوصًا أن الفرق المسرحية أصبحتْ تربط نتاجها بحضور المهرجانات الداخلية، أو الخارجية فقط، ولم تعد تعرض أعمالها للجمهور العام في مواسم مستمرة، وكأن هذا الجمهور لا يستحق مشاهدتها.
وهل هذا التراجع هو السبب في غياب الأقلام النقدية؟
تماماً، لضعف ما يقدم مؤخراً من أعمال، فلن تجد أي مواكبة نقدية حقيقية؛ لذا أقولها بأسف: لا توجد حركة نقدية في مشهدنا الراهن لأن النقد يتغذى على الإبداع الحقيقي، وحين يغيب الإبداع يغيب الناقد.
لو فكرنا في إعادة إحياء عمل مسرحي كلاسيكي برؤية معاصرة، ما هو العمل الذي تتمناه؟
هناك أعمال مبدعين مثل : محمد الصادق وعلي الفلاح أتمنى رؤيتهما. لكن العمل الذي أتمنى من كل قلبي أن يُعاد تقديمه بأسلوب جديد وبصورة بصرية حديثة، هو مسرحية «العمر نهبة والضحك حكمة» للمرحوم رفيق الدرب خليفة بن زابية.
ختامًا .. ما هو مشروعك الحالي لمدينة درنة، خاصة بعد كارثة السيل؟
أعتز بأنني كنتُ مشاركاً بحضور طاغٍ في مشاريع درنة الثقافية؛ ولعل أهمها بناء وصيانة مبنى المسرح الوطني، وإنجاح مهرجاني «درنة الزاهرةى، و«الأسطى».. الآن، وفي هذه المرحلة الحساسة، أسعى بكل قوتي للمساهمة في ترميم الذاكرة الثقافية في درنة بعد السيل، وذلك من خلال الإشراف والمتابعة المباشرة لمشروع بناء )بيت درنة الثقافي(، لاستكمال مشروع المدينة الحضاري والفكري. ولأن المبدع لا يتوقف، فلا بد أن يكون في الأدراج مشاريع أخرى جاهزة للانطلاق فور توفر الظروف الملائمة.



