المنصب في ليبيا.. كفاءة أم محاصصـة ؟! كرسي المسؤولية..بلا معاييـر ومجرد صفقـات للتوافق
إنتصار المغيربي

في كل مرة يتغير فيها وزير، أو مسؤول في مؤسسة عامة، أو جهة سيادية لا يتوقف الجدل عند اسم القادم، أو الراحل من المنصب بل يفتح سؤالاً أعمق يتعلق بمعايير اختيار مَنْ يتولى إدارة مؤسسات الدولة: هل يصل المسؤول إلى موقعه لأنه الأكثر كفاءةً، وخبرة وتخصصاً أم لأن وراء اختياره توافقات سياسية، أو حسابات جهوية ومكانية؟. ومع تكرار تغييرات الوزراء ورؤساء المؤسسات العامة خلال فترات متقاربة تبرز تساؤلات مشروعة حول ما إذا كانتْ هذه التغييرات تمثل إصلاحًا إداريًا وتصحيحًا لمسار المؤسسات، أم أنها تعكس حالة من عدم الاستقرار السياسي والإداري يدفع المواطن والدولة ثمنها.
هنا نفتح ملف معايير اختيار المسؤولين في ليبيا من المناصب الوزارية إلى المؤسسات العامة والسيادية، وسبر الآراء حول الفجوة بين النصوص القانونية والممارسة الفعلية، وتأثير التوافقات السياسية والمحاصصة على الكفاءة والاستقرار وانعكاسات التغييرات المتكررة على أداء مؤسسات الدولة وثقة المواطن.
مجموعة معايير
يقول المستشار القانوني محمد أنفوني إن اختيار المسؤولين يجب أن يستند إلى معايير واضحة تبدأ بالمعايير القانونية مثل الجنسية، والأهلية القانونية، وخلو السجل من الأحكام الجنائية، أو الموانع القانونية. ويؤكد أهمية المعايير السياسية في مقدمتها الإيمان بوحدة الدولة، وسيادتها، وامتلاك رؤية واضحة للسياسة العامة وعدم استخدام المنصب لخدمة حزب، أو قبيلة، أو جماعة، أو منطقة على حساب المصلحة الوطنية. كما يجب أن تكون الكفاءة والخبرة، والنزاهة من المعايير الأساسية. فاختيار وزير المالية، على سبيل المثال يتطلب خبرة وفهمًا عميقًا للمالية العامة والموازنة، والاقتصاد، ومعرفة بالقوانين واللوائح المنظمة للقطاع.
وأكد أنفوني على أن الشفافية والاستقلالية عنصران أساسيان بحيث يكون المسؤول غير خاضع للضغوط. واضح الذمة المالية وقادرًا على اتخاذ قرارات مستقلة. أما التوازن الجغرافي والاجتماعي فيمكن مراعاته خصوصًا في ظل الانقسامات الجهوية التي تعاني منها البلاد شريطة ألا يتحوَّل إلى محاصصة على حساب الكفاءة.
ويقترح أنفوني فتح باب الترشح أمام الكفاءات سواء من خلال الترشح العام أو عبر السلطة السياسية، والجامعات، والنقابات والمؤسسات المهنية ثم تتولى لجنة مهنية مستقلة فحص ملفات المرشحين وفق جدول ومعايير محددة، ونسب مئوية تمنح درجات لكل مرشح. كما يشدَّد على أهمية إجراء مقابلات علنية وإلزام المرشح بتقديم رؤيته وخطة عمله للوزارة أو المؤسسة التي سيتولاها وبعد استكمال عملية التقييم، يصدر قرار التعيين من الجهة المختصة بما يضمن أن يكون الاختيار قائمًا على الكفاءة والاستحقاق وليس على التوافقات وحدها.
القانون والواقع
من جانبها قالت م. عبير محمد: إن ملف تغيير وتعيين المسؤولين في ليبيا يحتاج إلى التفريق بين ما ينص عليه القانون وما يحدث على أرض الواقع. ففي حالة المؤسسات السيادية مثل: مصرف ليبيا المركزي يجب أن تتم عملية التعيين والتغيير وفق الأطر القانونية التي تضمن استقلالية المؤسسة بينما تخضع الوزارات والجهات التنفيذية للصلاحيات المحدَّدة للسلطات المختصة.
وتشير إلى أن الواقع يشهد في كثيرٍ من الأحيان تأثيرًا للتوافقات السياسية.
مؤكدة أن المطلوب هو الوصول إلى مرحلة تكون فيها القواعد القانونية والمعايير المهنية هي الأساس في اختيار المسؤولين بعيدًا عن المحاصصة والتجاذبات السياسية.
وأوضحت عبير أن الشفافية تمثل الحلقة الأهم الغائبة في عملية الاختيار مقترحة أن يخضع المرشحون للمناصب السيادية لجلسات استماع علنية تُعرض خلالها خبراتهم وبرامجهم أمام الرأي العام حتى يعرف المواطن على أي أساس تم اختيار المسؤول.
وحذَّرت عبير من أن التغييرات المتكررة وغير المدروسة في القيادات قد تؤدي إلى تعطيل العمل المؤسسي؛ إذ إن تغيير المسؤول دون الحفاظ على التراكم الإداري قد يعيد المؤسسة إلى نقطة الصفر ويؤدي إلى هدر المال العام، وإرباك الموظفين وإضعاف ثقة المواطن والمؤسسات الدولية في قدرة الدولة على إدارة الملفات الاستراتيجية. كما أشارت إلى اقتراح أربع خطوات لضمان اختيار مسؤولين على أساس الكفاءة والاستقرار )وضع شروط واضحة لشغل الوظيفة ومعايير فنية صارمة تنطبق على جميع المرشحين و إلزام المرشح بتقديم برنامج عمل محدد بجدول زمني ومؤشرات قابلة للقياس و حماية المدد القانونية للمسؤولين في المؤسسات السيادية بما يضمن الاستقرار ويحد من الضغوط السياسية والإقالة غير المبررة و الفصل بين التغيير السياسي والإدارة التنفيذية بحيث لا يؤدي تغيير الوزير إلى تعطيل عمل الوكلاء والمديرين والهيكل الإداري للمؤسسة. وأكدت أن بناء إدارة مستقرة وفعالة يتطلب الانتقال من التعيين القائم على التوافقات إلى اختيار مؤسسي يقوم على الكفاءة والنزاهة والشفافية والاستقرار.
فرص التجديد
وشدد الناشط المدني د. خليفة المبروك على أهمية الالتزام بالمدَّد القانونية لشغل المناصب؛ بحيث يتم تغيير المسؤول عند انتهاء المدة المحدَّدة قانوناً مع مراعاة التجديد وعدم إعادة الوجوه نفسها إلى المناصب لسنوات طويلة لأن استمرار المسؤوليات لفترات متكررة قد يتعارض مع المصلحة العامة ويحد من فرص التجديد إضافة إلى ضرورة خضوع المسؤول الجديد للرقابة والمساءلة من الجهات المختصة كلٌّ بحسب طبيعة المنصب والقطاع الذي يتولاه .
ومن جانبه أشار الناشط المدني عبد الله على أن المحاصصة أثبتت فشلها في تعيين المسؤولين، كما أن تعيين بدلاء خلال فترات قصيرة يدل على اقتصار التعيينات على أشخاص معينين يتنقلون بين المناصب و كأن المناصب حكرا على طبقة معينة من المجتمع بعيدا عن معيار المؤهلات و الكفاءات .
وتأكيدًا على ما قاله عبدالله علي قال الفيتوري الشريف إن اختيار بعض المسؤولين في ليبيا لا يعتمد دائمًا على الكفاءة والخبرة وإنما قد تتداخل فيه عوامل أخرى، من بينها المحاصصة السياسية، والصفقات، والمصالح، والفساد والرشوة.
ويشير إلى أن التوازنات السياسية والمكانية والجهوية تؤثر بدرجة كبيرة في عملية اختيار المسؤولين بل أنها في بعض الحالات تصبح العامل الأساسي في تحديد مَنْ يتولى المناصب القيادية، سواء في المؤسسات السيادية، أو الوزارات.
عقدة سوء الاختيار
م. محمد يوسف درميش يشير إلى أن الواقع الليبي لا يزال يشهد تأثيراً كبيراً للتوازنات السياسية والمكانية والجهوية والقوة والنفوذ في عملية اختيار القيادات معتبراً أن ليبيا تعاني منذ عقود من مشكلة سوء اختيار المسؤولين وهو ما انعكس على مستوى الأداء المؤسسي حتى اليوم. وأوضح أن صلاحية تغيير المسؤول أو إقالته تختلف بحسب طبيعة المنصب والجهة التي يتولاها وتحددها النصوص الدستورية والقوانين المنظمة للمؤسسات وأنظمتها الأساسية أو الاتفاقيات التي أنشئت بموجبها إلى جانب المناصب التي تقع صلاحية تغيير شاغليها ضمن اختصاص الوزير أو رئيس الوزراء أو رئيس المؤسسة. وأوضح « درميش» أن من أبرز المشكلات ضعف الدور الرقابي للمجتمع المدني في متابعة أداء القيادات الأمر الذي يحد من قدرة الرأي العام على تقييم نتائج التعيينات ومحاسبة المسؤولين وفق مؤشرات موضوعية.
ويقترح درميش في هذا السياق استحداث وحدات أو أقسام أو إدارات للتطوير التنظيمي داخل المؤسسات تتولى مساعدة متخذي القرار في وضع سياسات واضحة للاختيار والتعيين، وتحديد معايير دقيقة ومدروسة لتقييم أداء القطاعات والمؤسسات بما يسهم في ترشيد القرارات وتعزيز الكفاءة والاستقرار المؤسسي.
واعتبر أحمد عريف مدير إدارة المشروعات ببلدية ساحل الجبل الأخضر أن من أكبر أوجه الخلل تكليف مسؤول بناءً على تفاهمات أو اتفاقات سياسية لأن ذلك قد ينعكس سلباً على مستوى الأداء في الوظيفة التي يتولاها. ويؤكد كما سبقت الإشارة إلى أن أهم المعايير السياسية والقانونية لاختيار المسؤول أن يكون حاصلاً على مؤهل جامعي مناسب لطبيعة المنصب وأن يمتلك خبرة سابقة يمكن التحقق منها من خلال سيرته الذاتية إلى جانب ضرورة التأكد من خلو سجله المهني من أي قضايا أو مخالفات أخلاقية أو إدارية أو مالية خلال فترة عمله السابقة.
وحذر عريف من إقالة المسؤولين دون مبررات واضحة مما يؤدي إلى إرباك العمل داخل المؤسسات والقطاعات، ويؤثر في استمرارية الخطط والبرامج والأداء المؤسسي. ويضيف مستشهدا بتجربة محلية أن بعض التعيينات قد تتم وفق اعتبارات جهوية أو قبلية بدلاً من الكفاءة وهو ما قد يؤدي إلى تولي أشخاص لمناصب قيادية دون امتلاك المؤهلات والخبرات اللازمة. ويرى أن هذه الممارسات تمثل خللاً مؤسسياً وتكشف عن غياب الشفافية والمعايير الواضحة والأمانة في اختيار من يتولى المسؤوليات القيادية.
وخلص إلى أن وضع شروط واضحة ومعلنة لتولي المناصب القيادية والتحقق من المؤهلات والخبرات والسجل المهني للمرشحين يمثل خطوة أساسية لضمان اختيار مسؤولين قادرين على أداء مهامهم بكفاءة وتحقيق المصلحة العامة.



