
منذ تعليق الدراسة لنحو شهر ونصف الشهر في المدارس العامة كافة يعيش آلاف التلاميذ والطلاب وأسرهم حالة من القلق والارتباك، دروس متأخرة ومناهج مهدَّدة بعدم الاكتمال وأسر تضطر إلى تحمل تكاليف إضافية لضمان استمرار تعليم أبنائها في التعليم الخاص. والسبب اعتصام المعلمين المطالبين بصرف فروقاتهم المالية المتأخرة منذ أن كان سعر صرف الدولار 4 دينارات مع تحسين مرتباتهم في ظل انتقادات للزيادة المقترحة البالغة 10 %.
في المقابل تواجه وزارتا التربية والتعليم التقني والفني تحديات تتعلق بإجراءات استباقية منها إعداد خطط لاستكمال المناهج وتنظيم ما تبقى من العام الدراسي عند رجوع المعلمين لعملهم والطلاب لمدارسهم.
وفي محاولة لتعويض الدروس التي لم تُستكمل نوقشت مقترحات منها تمديد ساعات الدوام، أو تعليق عطلة السبت مؤقتًا إلى جانب إعادة تنظيم المناهج والامتحانات وإعداد أسئلة استرشاديه تساعد الطلاب في الامتحانات النهائية.
هذا يطرح عدة أسئلة أبرزها: إلى أي مدى أُحرز تقدم في معالجة مستحقات المعلمين؟، وهل تكفي خطط التعويض المقترحة لاستكمال المقررات؟، وما التدابير الممكنة للحد من الفوارق بين طلاب المدارس العامة والخاصة؟، ومدى جاهزية الجهات المعنية لاستكمال العام الدراسي وتنظيم الامتحانات مع عودة الدراسة المنتظمة لهذا العام .
عقدة تعويض الفاقد
يرى حسن بو غالية مدير إدارة التعليم الأساسي بوزارة التربية والتعليم إن عودة المعلمين إلى أعمالهم ستتيح تنفيذ خطة «ب» لتعويض الفاقد التعليمي الناتج عن توقف الدراسة لمدة شهر ونصف الشهر وذلك من خلال إعادة توزيع الحصص المفقودة بإشراف إدارات التوجيه والدراسة والامتحانات مع مراعاة المدة المتبقية من العام الدراسي وقدرة المدارس على تطبيق برنامج مكثف.
وأضاف بوغالية : قد تتضمن الخطة زيادة عدد الحصص واستئناف الدراسة أيام السبت إلى جانب إعادة تنظيم الجداول ومواعيد الامتحانات.
وأوضح أن تنفيذ الخطة قد يواجه تحديات إدارية وتنظيمية تشمل إعداد جداول جديدة وتنسيق مواعيد الامتحانات فضلًا عن الأعباء الإضافية التي قد يتحملها المعلمون والطلاب والمدارس.
وأكد أن نجاح الخطة سيعتمد على مستوى التنسيق بين الجهات التعليمية وإدارات المدارس وحسن توزيع الموارد والمتابعة المنتظمة لعملية التنفيذ.
وتابع : في حال استمرار الاعتصام ستُفعَّل خطة «ج» عبر اللجوء إلى التعليم عن بُعد الذي أثبت فاعليته في بعض جوانبه خلال عام تفشي جائحة كورونا، غير أن هذا الخيار ينطوي على عدد من السلبيات أبرزها فقدان التواصل المباشر بين الطلاب والمعلمين وغياب الأجواء الإيجابية داخل الفصول وضعف التنافس بين الطلاب فضلًا عن تراجع الأنشطة الرياضية والتفاعلية.
وشدد بو غالية على ضرورة مراعاة قدرات الطلاب والمعلمين عند تطبيق أي من الخطتين بما يضمن تعويض الفاقد التعليمي من دون زيادة الضغوط على أطراف العملية التعليمية كما أعترض على تقليص دروس المنهج المقرر لكل مادة .
زيادة لا تتناسب مع التكاليف
ومن جانبها طالبت المعلمة ريم غيث بتسوية المستحقات المتأخرة ومراجعة الرواتب مؤكدةً أن زيادة 10 % لا تتناسب مع ارتفاع تكاليف المعيشة.
داعيةً إلى اعتماد معالجة مالية أكثر إنصافًا تضمن للمعلمين حقوقهم وتسهم في تحسين أوضاعهم المعيشية, كما ترى المعلمة كريمة الشوشان معالجة الفاقد التعليمي من خلال إعادة تنظيم المناهج والحصص والامتحانات.
مؤكدةً أن زيادة ساعات الدوام وحدها غير كافية مطالبةً بوضع خطة متكاملة تعزز استيعاب الطلاب وترتقي بجودة التعليم.
وأشارت المعلمة وداد النعاس إلى أن موعد رجوع المعلمين لمدارسهم مرتبط بجلسة مجلس النَّواب المقرر عقدها يوم الاثنين هذا الأسبوع والمخصصة لمناقشة الجدول الموحد للمرتبات والتي يأمل فيها المعلمون أن تخرج بقرارات منصفة تحقق العدالة الوظيفية وتنصف معلمي ليبيا بعد أن أصبح الراتب بالكاد يكفيه الأسبوع الأول من كل شهر.
وأضافت النعاس أن حقوقنا ليست مطلبا استثنائيا بل هي استحقاق عادل.
وفي سياق متصل أكد عصام البشري مدير مكتب تعليم واندماج الفئات الخاصة بوزارة التعليم التقني والفني أن التعليم حق للجميع وتأخير عودة المعلمين والمدربين ليس في صالح طلاب الفئات الخاصة؛ حيث كان يعد دمج الأشخاص ذوي الإعاقة مسؤولية مشتركة وركيزة أساسية لبناء مجتمع يتيح للجميع فرص التعلم والإبداع والإنتاج.
وقالت المعلمة دلال الكيلاني إن مطالب المعلمين بتحسين أوضاعهم المادية والمهنية والنفسية ترتبط مباشرة بقدرتهم على أداء مهامهم واستقرار العملية التعليمية.
لكنها تؤكد في الوقت نفسه أن تعطيل الدراسة قد ينعكس سلبًا على تحصيل الطلاب وانتظام العام الدراسي. وأوضحت الكيلاني أن اعتصامات المعلمين عام 2026 ركزت على تحسين الرواتب والمستحقات وتوحيد مواعيد صرفها وتوفير التأمين الصحي وتسوية أوضاع معلمي العقود.
مشيرة إلى مشاركتها في هذه الاعتصامات.
وتؤكد الكيلاني أن إيقاف المعلمين أو التعاقد مع بدلاء لا يعالج جذور الأزمة بل قد يزيد من اضطراب العملية التعليمية. وتقترح بدلًا من ذلك تشكيل لجنة مشتركة بين وزارة التربية ونقابة المعلمين لمتابعة المطالب ووضع جدول زمني واضح وملزم لتنفيذها إلى جانب صرف الفروقات المالية تدريجيًا وفق الإمكانات المتاحة. وترى أن الاستجابة الجادة لمطالب المعلمين تمثل شرطًا لتعزيز استقرار التعليم على أن تتزامن مع اتخاذ ترتيبات تضمن استمرار الدراسة وانتظامها وتحول دون تحميل الطلاب تبعات الخلاف.
مطالبة لتحقيق التوازن
من جانبها دعت فتحية أحمد البخبخي رئيسة الاتحاد النسائي الليبي العام و مفتشة تربوية متقاعدة إلى تحقيق توازن بين مطالب المعلمين وضمان استمرار العملية التعليمية.
مؤكدة أن تجاوز الأزمة يتطلب حوارًا جادًا بين المعلمين والحكومة مع وضع مصلحة الطلاب في مقدمة الأولويات.
وحذرت البخبخي من أن استمرار تعليق الدراسة قد يؤدي إلى اتساع فجوة تكافؤ الفرص بين طلاب المدارس الحكومية والخاصة لا سيما أن طلاب الجانبين يخضعون للامتحانات نفسها.
وأوضحت أن الأسر محدودة الدخل قد تعجز عن توفير الدروس الخصوصية أو تحمل تكاليف التعليم الخاص ما يزيد من تداعيات الأزمة على الطلاب الأكثر احتياجًا.
وللحد من هذه التداعيات شددت على ضرورة وضع جدول زمني واضح للاستجابة لمطالب المعلمين إلى جانب تعويض الطلاب عن الدروس التي فاتتهم..
من جانبه أوضح الحسين محمد المرادي موجّه فني وخبير تدريب في مجال التعليم التقني والفني إن اتساع الفجوة بين طلاب المدارس العامة والخاصة نتيجة استمرار الدراسة في المدارس الخاصة وتعطلها في المدارس العامة مطالبةً بضمان تكافؤ فرص التعلم والفصل بين المطالب المالية وحق الطلاب في التعليم.
وأضاف أن تأخر الطلاب عن الدراسة يمثل تحدياً يؤثر في مدة التعلم ومستوى التحصيل العلمي الأمر الذي يستدعي إعداد خطة متكاملة لتعويض الفاقد التعليمي. وتشمل الخطة حصر الدروس التي لم تُستكمل وترتيب الأولويات بما يضمن التركيز على المواد الأساسية والتخصصية وزيادة عدد الحصص أو الاستفادة من يوم السبت وفقاً للإمكانات المتاحة. كما تتضمن إعداد جداول تعويضية وتنفيذ اختبارات قصيرة لقياس مدى استيعاب الطلاب وتحديد احتياجاتهم التعليمية ويمكن تنفيذ برنامج تعويضي يمتد عشرة أسابيع بواقع خمس حصص أسبوعياً مع إجراء متابعة دورية كل أسبوع. وينبغي أن يركّز البرنامج على تعويض الفاقد المعرفي والمهارة وضمان جودة التعلم لا على مجرد زيادة عدد الحصص.
وصرح د. علي عسكر مستشار التخطيط الاستراتيجي عن عدم تفاؤله بإمكانية استكمال العام الدراسي بالصورة المطلوبة وارجع ذلك إلى إضراب المعلمين الذي أدى إلى فقدان عدد من الساعات الدراسية فضلًا عن صعوبة توفير بدائل في ظل توقيت الإضراب. وأوضح عسكر أن إعلان الإضراب عقب انتهاء الامتحانات كان سيتيح للدولة وقتًا أطول لدراسة البدائل المناسبة مشيرًا إلى أن تفعيل التعليم عن بُعد ولا سيما خلال الفترة المسائية يأتي في مقدمة هذه البدائل لتعويض جزء من الساعات المفقودة. ولفت إلى وجود مبادرات فردية قدّم خلالها بعض المعلمين دروسًا إلكترونية في مواد مختلفة معتبرًا أن تنظيم هذه المبادرات وتوسيع نطاقها يمكن أن يساهما في الحد من الفاقد التعليمي.
وأكد أن الأزمة لم تقتصر على القطاع العام بل امتدت أيضًا إلى القطاع الخاص مشددًا على ضرورة الاستفادة من هذه التجربة من خلال وضع آليات أكثر فاعلية لإدارة الخلافات بما يضمن عدم تعطل حق الطلاب في التعليم.



