
أ. وليد العدولي اختصاصي تمريض نفسي
في ظل تزايد الضغوط النفسية يقف التمريض النفسي في خط الدفاع الأول، محاصراً بين أعباء مهنية قاسية ووصمة مجتمعية متجذرة. في هذا الحوار يوضح لنا الأستاذ وليد العدولي اختصاصي تمريض نفسي خفايا كواليس الرعاية النفسية، مستعرض التحديات الميدانية والهيكلية التي تواجه المهنة لحماية العاملين فيها دون الإخلال بكرامة المريض.
ا.وليد ماأبرز التحديات الميدانية والتنظيمية الحديثة التي تواجه التمريض النفسي مقارنة بالسابق؟
تواجه مهنة التمريض النفسي المعاصرة تحديات متشابكة لم تكن بالحدة نفسها سابقاً وتتمثل في التحديات الشخصية والنفسية كالضغوط المهنية المزمنة والإنهاك الوظيفي حيث ترتفع معدلات القلق والاكتئاب بين الممرضين بسبب التعامل مع حالات عدوانية أو محاولات انتحار بالإضافة إلى تأثير العمل بنظام الورديات الليلية وتتمثل في التحديات التنظيمية والمؤسسية وتشمل الثقافة المؤسسية غير الداعمة والتركيز المفرط على المهام الإدارية والإحصاءات على حساب التفاعل العلاجي المباشر مع المريض فضلاً عن نقص الموارد البشرية والقيادة غير الفعالة وتشمل التحديات الأخلاقية والاجتماعية مثل الوصمة الاجتماعية والتمييز الذي ينظر للتخصص نظرة دونية إلى جانب تعقيدات الموازنة بين حقوق المرضى والبروتوكولات العلاجية.
كيف تؤثر وصمة الصحة النفسية على أداء الممرضين واستقرارهم الوظيفي؟
تنعكس وصمة الصحة العقلية والمجتمعية سلباً على التمريض النفسي من خلال تراجع جاذبية التخصص وانخفاض معدلات الإقبال عليه حيث يلجأ إليه البعض مرغمين بسبب محدودية فرص العمل الأخرى وليس عن قناعة مهنية وشعور العاملين بالنظرة المجتمعية السلبية التي تقلل من قيمة المهنة مما يؤدي إلى ندرة الكوادر المؤهلة تفاقم التسرب الوظيفي وضعف الاستقرار الوظيفي للممارسين.
ما تأثير الإجهاد المهني اليومي على جودة رعاية المريض وإمكانية تراجع معاييرها؟
يؤدي الإجهاد المهني اليومي إلى إضعاف التفاعل العلاجي الفعّال بين الممرض والمريض نظراً لانشغال الكادر بالمهام الإدارية والبيروقراطية«بطء الخدمات الإدارية» وتفريغ الجهد في الضغوط المستمرة وإلى تراجع معايير الرعاية وجودتها نتيجة استنزاف الطاقة النفسية والعاطفية للممرضين وخاصة صغار السن وحديثي الخبرة مما يقلل من مرونتهم الوظيفية وقدرتهم على التعامل بحساسية مع الحالات المعقدة.
ما الضوابط والبروتوكولات اللازمة لحماية الممرض جسدياً ونفسياً دون المساس بكرامة المريض؟
تتطلب الحماية المتبادلة للممرض والمريض ما يلي اتخاذ ممارسات مثل استخدام القيود والعزل لضوابط قانونية وأخلاقية صارمة تمنع الانتهاكات وتصون الكرامة الإنسانية للمريض وإدراج وحدات تدريبية مكثفة وورش عمل مستمرة حول الأخلاقيات الطبية حقوق المرضى والتعامل السليم مع الأزمات والعدوانية لرفع وعي الممرضين وحمايتهم قانونياً ونفسياً.
كيف يمكن التمييز بين الإرهاق العادي والاحتراق النفسي وما سبل التدخل المبكر؟
الإرهاق العادي غالباً ما يكون تعباً جسدياً وذهنياً مؤقتاً يزول بالراحة بينما الاحتراق النفسي يتمثل في حالة مزمنة من الإرهاق العاطفي التوتر المستمر فقدان الشغف وانخفاض المرونة النفسية والكفاءة المهنية وتتمثل سبل التدخل المبكر في توفير برامج دعم نفسي مبكرة خاصة للممرضين خلال أول خمس سنوات من الخبرة وتصميم جلسات دعم جماعية وفردية وبناء رأس المال النفسي عبر ورش العمل.
هل توجد بالمؤسسات الصحية برامج مستدامة لرعاية العاملين أم أن الدعم لا يعدو كونه شعارات؟
في بحثي وعلى حسب دراسات سابقة إقليما تشير إلى وجود قصور هيكلي ونقص في البرامج التدريبية والدعم المؤسسي الفعّال حيث غالباً ما تفتقر البيئة العملية إلى آليات مؤسسية مستدامة وتوصيات ورقتي البحثية بضرورة تحويل الدعم إلى واقع ملموس عبر إنشاء آليات حقيقية لتقليل الإجهاد الوظيفي وتوفير جلسات دعم نفسي دورية وليست مجرد شعارات نظرية.
هل تكفي البرامج والمقررات التدريبية الحالية لإعداد الممرض لمواجهة الضغوط والاضطرابات المستجدة؟
لا تكفي حيث كشفت النتائج عن نقص واضح في البرامج التدريبية المتخصصة والموحدة مما يؤدي إلى ضعف استعداد الخريجين الجدد لمواجهة التعقيدات الميدانية وتؤكد الورقة الحاجة الملحة لتطوير المناهج وزيادة ساعات التدريب العملي والنظري الموجه لدعم التفاعل العاطفي والنفسي.
هل أسهم دخول التقنيات والرقمنة في تخفيف العبء عن الكادر التمريضي أم أضاف ضغوطاً جديدة؟
إن دمج التكنولوجيا الحديثة مثل الواقع الافتراضي في التدريب وأدوات تقييم الحالات وتتبع التقدم العلاجي يساهم بشكل إيجابي في تحسين جودة الرعاية وضمان السلامة ومنع الأخطاء بشرط الحفاظ على الجوانب الإنسانية للرعاية وعدم طغيان الجانب التقني أو البيروقراطي على التفاعل العلاجي.
ما الاستراتيجيات المطلوبة للحد من التسرب الوظيفي وهجرة المهنة وجعلها بيئة جاذبة؟
تتضمن الاستراتيجيات المطلوبة تحسين البيئة التنظيمية وتبني قيادة تحويلية تدعم مشاركة الممرضين في صنع القرار وتقليل الأعباء الإدارية عبر توظيف كوادر إدارية مساندة وإطلاق حملات إعلامية ومجتمعية مكثفة لتغيير الصورة النمطية ومكافحة التمييز الاجتماعي ضد التمريض النفسي وتحسين ظروف العمل عبر تقليل ساعات العمل الليلية الطويلة وتوزيع المهام بشكل متوازن وإطلاق حوافز وجوائز تقديرية للممارسين المتميزين لتكريم جهودهم.
ما هي خارطة الطريق العاجلة المقترحة لإعادة الاعتبار لمهنة التمريض النفسي؟
اقترح خارطة طريق شاملة ومتكاملة ترتكز على المحاور التالية دعم الصحة النفسية عبر تصميم جلسات دعم فردية وجماعية وتقليل الإجهاد عبر تنظيم الورديات الليلية والإصلاح التعليمي والتدريبي عبر دمج التكنولوجيا الحديثة وزيادة التدريب العملي وإدراج وحدات مكثفة حول أخلاقيات المهنة وحقوق المرضى
وتطوير القيادة والبيئة التنظيمية عبر تطبيق نمط القيادة التحويلية وتقليل البيروقراطية والمهام الإدارية غير المختصة للممرضين ومواجهة الوصمة الاجتماعية عبر تنفيذ حملات توعية عامة تبرز الدور الإنساني والحيوي للممرض النفسي والبحث والتعاون الدولي عبر إنشاء مراكز بحثية متخصصة وشبكات إقليمية وعالمية لتبادل الخبرات ودمج أدوات الذكاء الاصطناعي والمساندة مع صون البعد الإنساني للرعاية.



