اجتماعي

حين تكلّمت الدولة أخيرًا بلسان المتقاعد

● فائزة العجيلي

 في زحمة الانقسام السياسي، وضجيج البيانات المتبادلة، وقراراتٍ كثيرة بقيت حبرًا على ورق، خرجت حكومة الوحدة الوطنية بخطوة لامست وجع شريحة طال انتظارها؛ شريحة المتقاعدين الذين أفنوا أعمارهم في خدمة مؤسسات الدولة، ثم وجد كثير منهم أنفسهم في مواجهة قاسية مع الغلاء، والعجز، وارتفاع الأسعار، وتآكل القدرة الشرائية.
إن القرارات الصادرة عن رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة بشأن زيادة معاشات مستفيدي الضمان الاجتماعي والعسكريين، إلى جانب منح دعم مالي مباشر بقيمة ألف دينار للفئات التي لا تتجاوز مرتباتهم التقاعدية ألفي دينار، لا يمكن قراءتها باعتبارها مجرد أرقام مالية أو إجراء إداري عابر، بل بوصفها اعترافًا متأخرًا بحقوق فئة أنهكها الانتظار، وأثقلتها الظروف الاقتصادية القاسية.
لسنوات طويلة، ظلّ المتقاعد الليبي الحلقة الأضعف في معادلة الإنفاق العام، يتابع الزيادات والمزايا التي تطال قطاعات مختلفة، بينما يبقى هو أسير معاش لا يكفي لسد أبسط الاحتياجات. ومع كل موجة ارتفاع في أسعار الغذاء والدواء والدولار، كان المتقاعد يهبط أكثر نحو هامش الحياة، حتى تحوّل كثير منهم إلى فئة هشة تقف على حافة الفقر، عاجزة عن مجاراة متطلبات المعيشة اليومية.
ورغم ما يحيط بالمشهد الليبي من فساد إداري، وتضخم في الإنفاق، وصراع سياسي مزمن، فإن الإنصاف يقتضي الاعتراف بأن حكومة الوحدة الوطنية كانت الجهة الوحيدة التي التفتت فعليًا إلى معاناة المتقاعد، وحاولت، ولو جزئيًا، ترميم ما أفسدته سنوات الإهمال والتجاهل. فالزيادة ربما لا تزال دون مستوى الطموح مقارنة بمرتبات بعض القطاعات، لكنها في وجدان آلاف الأسر تمثل رسالة مهمة مفادها أن الدولة لم تنسَ من خدموها ذات يوم.
المتقاعد لا يطلب رفاهية، ولا امتيازات استثنائية، بل يبحث عن حياة تحفظ كرامته بعد عمر طويل من العطاء. يبحث عن دواء يستطيع شراءه دون أن يقتطع من قوت يومه، وعن مائدة لا يطردها الغلاء، وعن عيد يدخل بيته بشيء من الفرح بدل الحسرة. ولهذا جاءت “العيدية” والدعم المالي كخطوة تحمل بُعدًا إنسانيًا واجتماعيًا يتجاوز الحسابات السياسية الضيقة.
لقد سئم المواطن الليبي من الخطابات الرنانة، والوعود المؤجلة، والقرارات التي تُولد ميتة داخل الأدراج. لذلك فإن أي خطوة تلامس الواقع المعيشي للناس تصبح موضع تقدير، خاصة عندما تتجه نحو فئة استُنزفت بصمت. فالمتقاعد الليبي لم يكن يومًا عبئًا على الدولة، بل كان أحد أعمدتها؛ منه المعلم، والجندي، والموظف، والإداري، والطبيب، وكل من ساهم في بناء هذا الوطن قبل أن تلتهمه الأزمات.
وفي وقتٍ تتزايد فيه الضغوط الاقتصادية بشكل غير مسبوق، يصبح دعم هذه الفئة واجبًا وطنيًا وأخلاقيًا، لا منّة سياسية. غير أن الأهم من القرارات نفسها، هو استمرارها ضمن رؤية حقيقية تضمن للمتقاعد حياة كريمة، بعيدًا عن الحلول المؤقتة وردود الأفعال الموسمية.
اليوم، قد يختلف الليبيون حول السياسة، وحول الحكومات، وحول تفاصيل المشهد العام، لكنهم لا يختلفون على حقيقة واحدة: أن المتقاعد الليبي كان بحاجة لمن يسمعه، ومن يشعر بثقل معاناته، ومن يمد له يد الإنصاف بعد سنوات طويلة من التهميش. وفي هذا الملف تحديدًا، استطاعت حكومة الوحدة الوطنية أن تسجل موقفًا سيظل حاضرًا في ذاكرة آلاف الأسر التي كانت تنتظر بصيص اهتمام وسط عتمة الغلاء وضنك الحياة.

عرض أقل

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى