أخبار

بين‭ ‬عزل‭ ‬الجدران‭ ‬وحصانة‭ ‬القيم

د‭. ‬عبدالقادر‭ ‬أبو‭ ‬جلالة

أثار‭ ‬القرارُ‭ ‬الأخير‭ ‬لوزارة‭ ‬التربية‭ ‬والتعليم‭ )‬384/2026‭( ‬بشأن‭ ‬فصل‭ ‬الذكور‭ ‬عن‭ ‬الإناث‭ ‬في‭ ‬التعليم‭ ‬الثانوي‭ ‬جدلاً‭ ‬واسعًا،‭ ‬انقسم‭ ‬فيه‭ ‬الشارع‭ ‬بين‭ ‬‮«‬مؤيد‮»‬‭ ‬يراه‭ ‬انتصارًا‭ ‬للقيم،‭ ‬و«معارض‮»‬‭ ‬يراه‭ ‬اعترافًا‭ ‬بفشل‭ ‬المنظومة‭ ‬التربوية،‭ ‬ومن‭ ‬منظار‭ ‬علم‭ ‬الاجتماع‭ ‬التربوي،‭ ‬يمكننا‭ ‬قراءة‭ ‬المشهد‭ ‬في‭ ‬النقاط‭ ‬التالية‭:‬

‭ * ‬القرار‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬استراتيجيًا‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬‮«‬إجراءً‭ ‬إسعافيًا‮»‬‭ ‬لامتصاص‭ ‬صدمة‭ ‬مجتمعية‭ ‬نتجتْ‭ ‬عن‭ ‬سلوكيات‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬المدارس،‭ ‬وقد‭ ‬اختارتْ‭ ‬الوزارة‭ ‬هنا‭  ‬‮«‬الإجراء‭ ‬الملموس‮»‬‭ )‬الفصل‭ ‬الجسدي‭( ‬لأنه‭ ‬الأسرع‭ ‬في‭ ‬إثبات‭ ‬وجود‭ ‬الدولة‭ ‬كحارسٍ‭ ‬للقيم،‭ ‬رغم‭ ‬أن‭ ‬المشكلة‭ ‬السلوكية‭ ‬الأساسية‭ ‬قد‭ ‬تظل‭ ‬كامنة‭.‬

‭ * ‬من‭ ‬المثير‭ ‬للتأمل‭ ‬أن‭ ‬القرار‭ ‬استهدف‭ ‬المرحلة‭ ‬الثانوية،‭ ‬بينما‭ ‬الواقعة‭ ‬المحركة‭ ‬للجدل‭ ‬حدثتْ‭ ‬في‭ ‬التعليم‭ ‬الأساسي‭.‬

هذا‭ ‬التناقض‭ ‬يشير‭ ‬إلى‭ ‬أننا‭ ‬نعالج‭ ‬‮«‬النتائج‮»‬‭ )‬المراهقة‭( ‬ونتجاهل‭ ‬‮«‬الجذور‮»‬‭ )‬التنشئة‭ ‬الأولى‭(‬،‭ ‬مما‭ ‬يجعل‭ ‬القرار‭ ‬ناقصًا‭ ‬من‭ ‬الناحية‭ ‬الإجرائية‭.‬

‭ *‬التربية‭ ‬الحقيقية‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬تبني‭ ‬‮«‬وازعًا‭ ‬داخليًا‮»‬‭ ‬وعازلاً‭ ‬من‭ ‬الأخلاق‭ ‬والعقل‭. ‬الاعتماد‭ ‬المفرط‭ ‬على‭ ‬‮«‬العوازل‭ ‬المادية‮»‬‭ ‬قد‭ ‬يوفر‭ ‬استقراراً‭ ‬ظاهرياً،‭ ‬لكنه‭ ‬لا‭ ‬يبني‭ ‬شخصية‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬مواجهة‭ ‬الانفتاح‭ ‬في‭ ‬الجامعة‭ ‬أو‭ ‬سوق‭ ‬العمل‭.‬

‭ ‬هما‭ ‬‮«‬أخ‭ ‬وأخت‮»‬،‭ ‬لهما‭ ‬كامل‭ ‬الحرية‭ ‬في‭ ‬التعبير‭ ‬عن‭ ‬عاطفتهما‭ ‬الأخوية،‭ ‬إلا‭ ‬أنه‭ ‬داخل‭ ‬الحرم‭ ‬المدرسي‭ ‬تسقط‭ ‬الصفة‭ ‬الأسرية‭ ‬وتطغى‭ ‬صفة‭ ‬‮«‬الطالب‮»‬‭. ‬المدرسة‭ ‬مؤسسة‭ ‬رسمية‭ ‬تخضع‭ ‬لقواعد‭ ‬الانضباط‭ ‬العام،‭ ‬وتبرير‭ ‬المدرسة‭ ‬بأنهم‭ ‬إخوة‭ ‬هو‭ ‬تبرير‭ ‬‮«‬عاطفي‮»‬‭ ‬وليس‭ ‬‮«‬تربوياً‮»‬‭. ‬الطالب‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يتعلم‭ ‬أن‭ ‬لكل‭ ‬مقام‭ ‬مقال،‭ ‬وأن‭ ‬السلوك‭ ‬في‭ ‬الأماكن‭ ‬العامة‭ ‬يختلف‭ ‬عن‭ ‬الخصوصية‭ ‬المنزلية،‭ ‬فإقحام‭ ‬‮«‬صلة‭ ‬القرابة‮»‬‭ ‬لتمرير‭ ‬سلوك‭ ‬غير‭ ‬منضبط‭ ‬هو‭ ‬تمييع‭ ‬لمفهوم‭ ‬‮«‬المؤسسة‮»‬‭.‬

‭ ‬ختامًا‭ ‬نحن‭ ‬مع‭ ‬الضوابط‭ ‬التي‭ ‬تحفظ‭ ‬كرامة‭ ‬الطالب،‭ ‬وخصوصية‭ ‬المجتمع،‭ ‬ولكن‭ ‬يجب‭ ‬ألا‭ ‬نكتفي‭ ‬بـ«الفصل‮»‬‭ ‬بل‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يتبعه‭ ‬‮«‬وصل‮»‬‭ ‬قيمي؛‭ ‬عبر‭ ‬مناهج‭ ‬تبني‭ ‬الإنسان‭ ‬من‭ ‬الداخل،‭ ‬ليكون‭ ‬محترمًا‭ ‬ومنضبطًا‭ ‬بدافع‭ ‬العقل،‭ ‬لا‭ ‬بدافع‭ ‬السور‭.‬

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى