أطفـالنــا .. حيـن تشيـــخ البـــراءة عــلى أعتاب البراويط انتهـاك صريـح ومخالفـة واضحـة للتشريعــات
وداد الجعفري

)خليها عليّ يا حاج .. نعاونك( أصواتهم تتداخل، وقلوبهم معلّقة بفرصة قد تمنحهم بضع دنانير. بعض الزبائن يبتسم ثم يرفض، يحمل أغراضه بيده ويمضي. لكن آخرين حين تقع أعينهم على طفل بالكاد يبلغ الثانية عشرة تلين قلوبهم، فيتركون له «البرويطة» ويدخلون معه السوق. وهنا تبدأ الرحلة..ويتنقل الطفل خلف الزبون من محل إلى آخر، يحمل «البطاطا، الطماطم، البصل» .. قطعة بعد أخرى، حتى تمتلئ «البرويطة»، ويصبح دفعها مهمة شاقة حتى على رجل بالغ. لكنه لا يشتكي.. فقط يشدّ على يديه ويدفع.
اعتماد على النفس
«قصي» طفل في الثالثة عشرة، كان أحد هؤلاء. اقتربنا منه كان يتصبب عرقًا رغم ذلك قال بهدوء: «نبي نعتمد على نفسي ونوفر فلوس باش نشري اللي نبيه». لم يكن يتحدث كطفل، بل كرجُلٍ صغير أنهكته الحياة مبكرًا. يخبرنا أن يومي «الخميس والجمعة» هما الأفضل، قد يجني فيهما حتى 100 دينار، بينما باقي الأيام بالكاد يصل المبلغ إلى 20 أو 3 دينارًا.. ومن هذا القليل؛ يدفع 3 دنانير إيجار «للبرويطة».
أحزان مروان
على بعد خطواتٍ كان «مروان» يقف صامتًا. طفلٌ في الثانية عشرة، لكن ملامحه تحكي أكثر من عمره. عندما تحدث خرجتْ الكلمات مثقلة: طردوني من المدرسة .. لأن ما عنديش أوراق. والده سُجِنَ، وأمه تعمل في صالة أفراح. هو الآن هنا في السوق يتحمل كلمات التنمر، ونظرات الرفض، وأحيانًا الضرب.)الكل يبي يخدم..وما فيش حد يخلّي لغيره فرصة(، قالها وهو ينظر للأرض. ثم تحدثنا مع الطفل أبو القاسم.. عمره في الثانية عشرة عامًا، لكنه صار مسؤولًا عن عائلة. فقد والديه، ويعيش مع جدته. يقول : )نخدم باش نعاون إخوتي .. الحياة صعبة(، قالها ببساطة، وكأنها حقيقة لا تحتاج شرحًا. وبين هؤلاء الأطفال، قصص كثيرة لا تُروى .. بعضهم يهرب من المدرسة، والآخر لم يدخلها أصلًا، وآخرون دُفعوا للعمل.. ويفترض أن يكونوا في المدارس والمؤسسات الاجتماعية، والدولة تحميهم.
من أجل المال
عماد البركي -أحد العاملين في السوق – يراقب المشهد منذ سنوات قال: فيه أطفال يخدموا من غير علم أهلهم..وهناك من يعلم أهله وكل همهم أن يجمع لهم المال ويفتخرون بأن ابنهم بعمل ويحكي لنا عن أطفال يتعلمون كلماتٍ لا تليق بأعمارهم، وسلوكيات لم يختاروها، فقط لأن الشارع صار مدرستهم.
وفي عمق السوق .. مكان ضيق، مظلم، يشبه «الكراج»، تُخزن فيه البراويط يدخله الأطفالُ يوميًا، رغم الخوف الذي يسكنه. هناك تختفي ملامح الطفولة أكثر .. وتبدأ حكايات لا تُقال في نهاية اليوم، يغادر الزبائن السوق محمّلين بأكياسهم .. ويغادر الأطفال محمّلين بالتعب، والهموم لكن الفرقَ كبيرٌ.. فالزبون يعود إلى بيته، أما الطفل .. فيعود إلى واقع سرق منه طفولته.
قوانين وتشريعات
المحامية والناشطة الحقوقية جميلة بن عتيق قالتْ : رغم عدم وجود إحصائية دقيقة في ليبيا، إلا أن عمل الأطفال يشهد ارتفاعًا كبيرًا بسبب هشاشه الوضع الاقتصادي، وضعف المستوى المعيشي للأسر، وعدم الاستقرار السياسي والنزاعات المسلحة ونزوح آلاف العائلات .. الأمر الذي أدى إلى فقدان رب الأسرة لعمله، واضطراره إلى إخراج أطفاله من المدرسة وإرسالهم إلى سوق العمل .. ومصطلح الطفل يطلق على جميع الأشخاص دون سن الثامنة عشرة، والقاعدة العامة وفقًا لما جاء في القانون الليبي رقم )12(لسنة 2010 بشأن علاقات العمل ولائحته التنفيذية حدَّدتْ سن )18( كشرط لمزاولة أي نوع من أنواع العمل وفقًا لنص المادة )27( والتي تنص: )لا يجوز لمن تقل سنه عن ثمانية عشرة سنة مزاولة أي نوع من أنواع العمل( والاستثناء .. جاء في حالتين وفقًا للفقرة الثانية للمادة 27 / 2 حيث نصت على أنه يجوز السماح للحدث بالعمل متى أكمل ست عشرة سنة، وأن تراعى في العمل صحة الحدث وسلامته والمحافظة على أخلاقه، كما يتوجب أن يكون تشغيله من أجل أن يتلقى تعليمًا أو تدريبًا مهنيًا.
وتؤكد «بن عتيق» على أن عمل الأطفال في العالم يخضع أيضًا لمعايير متشدّدة، فمن خلال اتفاقية الحد الأدنى لسن الاستخدام رقم )138( لسنة 1973 نقرأ في مادتها الأولى )تتعهد كل دولة عضو، تكون هذه الاتفاقية نافذة بالنسبة لها باتباع سياسة وطنية ترمي إلى القضاء فعلیً على عمل الأطفال، ورفع الحد الأدنى لسن الاستخدام، أو العمل بصورة تدريجية إلى مستوى يتفق مع النمو البدني، والذهني للأحداث(.
وتضيف جميلة: الفقرة الثالثة من المادة الثانية من الاتفاقية ذاتها تشير بأنه لا يجوز أن يكون الحد الأدنى لسن الاستخدام أدنى من مرحلة إتمام الدراسة الإلزامية وفي جميع الأحوال لا تقل عن خمس عشرة سنة وألا تقل عن الثامني عشرة سنة في الأعمال ذات الطبيعة الخطرة.
وواصلت «بن عتيق»: أيضًا الاتفاقية رقم 182لسنة 1999 بشأن حظر أسوأ أشكال عمل الأطفال، والتي تمت المصادقة عليها من جميع الدول الأعضاء بمنظمة العمل الدولية البالغ عددهم 187 دولة، وهي مكملة لاتفاقية )138(لسنة 1973.
وتشدَّد «بن عتيق»: إن المصلحة الفضلى للطفل، تتطلب تكاتف جميع أصحاب المصلحة من مؤسسات، وهيئات لمعالجة مشكلة عمل الأطفال .. وقد أعلنت وزارة العمل في يوم الطفل العالمي سنة 2020 بأنه ليس هناك عذرٌ، أو مبرّر لعمل الأطفال في ليبيا بأي شكل من الأشكال، وتأمل بأن يحظى الأطفال بالرعاية والاهتمام وأن تنتهي الصراعات التي حالت دون عيشهم الحياة الطبيعة.
الحلقة الأضعف
المستشار النفسي صالح محمد الولوال: الطفل هو الحلقة الأضعف؛ فهو سريع التأثر سواء أكان من الناحية السلبية أو الإيجابية، وخاصة الطفل الذي يعمل في سوق الخضرة أو المولات، أو في أي مكان آخر.
وأضاف «الولوال»: ممكن أن يفقد الطفل أي شيء لكي يساعد أهله، فمن ناحية ايجابية يساعد في مصروف البيت عندما يكون الأب متوفيًا، وفى ظروف اجتماعية أخرى وهناك تأثير آخر ألا وهو اشتغاله مع أناس يكبرونه سنًا يقومون باستغلاله وممكن أن يتعلم منهم «التدخين، والمخدرات»، وممكن أن يتعرض للتحرش وهذه الأشياء تؤثر عليه، لهذا يجب أن نهتم بالطفل ونوفر له الحماية وسُبل العيش، حتى وأن اشتغل يفترض أن يكون في محل معروف وثقة ويكون هناك من يتابعه.
وشدَّد «الولوال» قائلاً: ضروري أن نوفر لهؤلاء الأطفال نوعًا من الحماية سواء أكانت حماية نفسية، أم حماية اجتماعية..عندما يأتي الزبائن للسوق يفترض أن يتحدثوا معهم ليعرفوا ظروفهم ومحاولة مساعدتهم ومد يد العون لهم؛ فأحيانا البيئة التي يشتغل فيها الطفل تكون غير صالحة له.
كل هذه النقاط مهمة جدًا هناك أطفال تعلموا التدخين، والمخدرات .. كما أن الطفل سوف تحدث له عديد الاضطرابات أحيانًا يبدأ يفكر تفكيرًا غير جيد ولا يتناسب مع سنه.. فهناك طفولة مبكرة، ومتوسطة، ومتأخرة والتي هي ما قبل المراهقة هذه المراحل محتاجين لها ونحن بدورنا يجب أن نوفر لهم بيئة آمنه..فهناك طفل قال لأبيه أريد أن أذهب لحضور مباراة ودخل مقهى وجلس دخن أرقيله وهذا الطفل في الصف الرابع ابتدائي..فمتابعة الأهل مهمة جدًا لتوفير الحماية والأمان ولا نضعه في معترك الحياة وبعدها ينحرف ونقول: )يا ريت اللي صار ما كان صار(.
قضية نفسية
وترى المرشدة النفسية بمدرسة التقدم النموذجية آمال الصيد أن ظاهرة الأطفال الذين يتركون مقاعد الدراسة في سن مبكرة، ويعملون في الشوارع لا تُعد مشكلة اجتماعية فقط، بل هي قضية نفسية عميقة تمس تكوين الطفل الداخلي.
وأشارتْ «الصيد» إلى أن الطفل الذي يُحرم من بيئته التعليمية الطبيعية، ويتحمّل مسؤوليات تفوق عمره، غالبًا ما يتعرض إلى مشاعر القلق، والخوف المستمر، نتيجة احتكاكه المباشر بالشارع وما يحمله من ضغوط ومواقف قاسية .. كما أن هذا الطفل قد يشعر مع الوقت بـ فقدان الأمان النفسي لأنه يعيش في بيئة لا توفر له الحماية التي يحتاجها في هذه المرحلة العمرية.
وبيّنتُ «الصيد» أن من أبرز الأبعاد النفسية لهذه الظاهرة هو ضعف الثقة بالنفس، والشعور بالنقص؛ مقارنة بالأطفال الآخرين، والانطواء، أو العدوانية، والحرمان العاطفي واضطراب الهوية المستقبلية..كذلك الإحساس المبكر بثقل الحياة.
كما أكدتْ «الصيد» على أن استمرار الطفل في هذا النمط من الحياة قد يؤدي إلى تشوه نظرته للحياة والمجتمع؛ حيث يبدأ في الاعتقاد أن الطفولة ليستْ حقًا له، وأن المسؤولية والحرمان هما واقعه الطبيعي.
أما عن معالجة هذه الظاهرة، فقد أوضحتُ «الصيد» أن العلاج يبدأ من إعادة الطفل إلى البيئة التعليمية، وتوفير الدعم النفسي..كذلك احتواء الأسرة وتحسين الظروف الاقتصادية وتعزيز دور المؤسسات الاجتماعية في حماية الطفل.
ومن جهتها قالت الأختصاصية الاجتماعية مبروكة النفاتي: إنَّ محدودية الدخل للكثير من الأسر الليبية، أو غياب المعيل «رب الاسرة» أنتجتْ ظاهرة؛ أصبحنا نراها ونعتاد على رؤيتها في عديد الأماكن سواء المنتزهات العامة، أو الأسواق، أو المحال التجارية الكبرى، أو المصائف البحرية وهي أطفال في عمر الزهور يبيعون على «البراويط».
وواصلت «النفاتي»: هذه الظاهرة المسكوت عنها دون وضع تقنين يدعو لمزاولة هذا النشاط وفق معايير محددة وصارمة، قد يجعلنا بعد سنوات أمام منعطف خطير من مواجهة جيل من الشباب الأميين تعرضتْ طفولتهم لأخطار جسيمة، منها الأمية، والتدخين، والإدمان.. ناهيك عن التحرش بهم في سن مبكر وما يتبعه من الانحراف السلوكي، وهذا ينتج جيًلا محطمًا يشعر بالإذلال المجتمعي له.. ما ينمي لديه سلوكًا عدوانيًا تجاه المجتمع.. إننا أمام ظاهرة يستوجب أن يوليها المجتمع والمختصون الاهتمام بالدراسة والبحث عن أسباب تزايدها في المجتمع الليبي، وأن تكون لنا وقفة جادة تجاه هذه الفئة العمرية التي من المفترض أنها عماد أي مجتمع.
ضروري من تدخل قانوني ومجتمعي صارم
من جانبه أوضح المستشار المرتجع المانقة قائلًا: ظاهرة تشغيل الأطفال دون السن الثامنة عشرة تشكل في المجتمع الليبي؛ انتهاكًا صريحًا للحقوق الأساسية التي كفلتها اتفاقية حقوق الطفل، كما تمثل مخالفة واضحة للتشريعات الوطنية التي تهدف إلى حماية الطفل من الاستغلال والحرمان من التعليم. ورغم ما يتميز به المجتمع الليبي من قيم التكافل والحرص على حماية الأطفال إلا أن هذه الظاهرة تؤدي إلى آثار خطيرة من أبرزها التعرض والابتزاز، والانحراف، والتشرد، وترك الدراسة مما يستجوب تدخلاً قانونيًا ومجتمعيًا صارمًا للحد من هذ الظاهرة.
وأضاف «المانقة»: ليبيا ليستْ من الدول الفقيرة حتى يعجز دورها عن حماية أطفالها، فهي تمتلك من الموارد ما يؤهلها لتوفير حياة كريمة لكل مواطنيها. ومع ذاك نشاهد وجود ظواهر مقلقة تمس فئة الأطفال، في ظل إنفاق واسع يوميًا دون انعكاس حقيقي على مستوى معيشة المواطن الليبي..ولهذا يجب على الحكومة اتخاذ إجراءات عاجلة، من بينها تفعيل الرقابة على أماكن العمل، ودعم الأسر الفقيرة لمنع دفع الأطفال للعمل، وتعزيز التعليم الإجباري، وتطبيق العقوبات على المخالفين.
نشر الوعي المجتمعي بخطورة تشغيل الاطفال
وخلص «المانقة» إلى أن المسؤولية لا تقع على عاتق الحكومة وحدها، بل هي مسؤولية مشتركة بين الدولة، والمجتمع، تتطلب تضافر الجهود من أجل حماية الطفولة وضمان مستقبل أمن للأجيال القادمة، وإذا استمرتْ هذه الظاهرة دون معالجة جذرية، فإنّ ذلك يُنذر بمستقبل غير أمن للشعب الليبي؛ حيث يؤدى غياب التعليم وانتشار التشرد إلى آثار سلبية طويلة المدى على استقرار المجتمع الليبي.



