اجتماعي

لمة‭ ‬العيلة‭ ‬والعالة‭ .. ‬ حكاية‭ ‬حب‭ ‬في‭ ‬أسرتنا‭ ‬الليبية

فايرة العجيلي

الدنيا‭ ‬كلها‭ ‬تغيرتْ‭ ‬‮«‬الموبايل‮»‬‭ ‬دخل‭ ‬كل‭ ‬بيت،‭ ‬والعشاء‭ ‬ولى‭ ‬‮«‬دلفري‮»‬،‭ ‬والجمعة‭ ‬مرات‭ ‬تمشي‭ ‬بلا‭ ‬قهوة‭. ‬لكن‭ ‬لما‭ ‬تسمع‭ ‬كلمة‭ ‬‮«‬العالة‭ ‬جاهزة‮»‬،‭ ‬الحوش‭ ‬كله‭ ‬يتحرك‭. ‬الصغار‭ ‬يسيبوا‭ ‬‮«‬البلايستيشن‮»‬،‭ ‬والراجل‭ ‬يطفي‭ ‬الأخبار،‭ ‬والبنت‭ ‬تطلع‭ ‬من‭ ‬دارها‭. ‬لأن‭ ‬العالة‭ ‬في‭ ‬بلادنا‭ ‬مش‭ ‬شاهي‭..‬العالة‭ ‬وطنٌ‭ ‬صغير‭.‬

جسم‭ ‬الحكاية‭ ..‬

‭ ‬العالة‭ ‬مش‭ ‬مواعين‭..‬العالة‭ ‬مواعيد‭ ‬‭ ‬

العالة‭ ‬هي‭ ‬الموعد‭ ‬الوحيد‭ ‬اللي‭ ‬ما‭ ‬يحتاج‭ ‬دعوة‭ ‬على‭ ‬‮«‬الواتساب‮»‬‭. ‬موعد‭ ‬ثابت‭ ‬بين‭ ‬القلوب‭ ‬قبل‭ ‬ما‭ ‬يكون‭ ‬بين‭ ‬الفناجين‭. 

جدتي‭ ‬تقول‭: ‬‮«‬اللي‭ ‬ما‭ ‬عنده‭ ‬عالة،‭ ‬ما‭ ‬عنده‭ ‬لمة‮»‬‭. ‬لأنَّ‭ ‬العالة‭ ‬هي‭ ‬العذر‭ ‬الشرعي‭ ‬باش‭ ‬نقعدوا‭. ‬نحطوا‭ ‬الهم‭ ‬على‭ ‬جنب،‭ ‬ونصبوا‭ ‬الشاهي،‭ ‬ونصبوا‭ ‬الكلام‭ ‬اللي‭ ‬متخزن‭ ‬من‭ ‬الصبح‭.‬

هي‭ ‬الطقس‭ ‬الليبي‭ ‬المقدس‭:‬‭ )‬الكانون،‭ ‬البراد،‭ ‬اللقامة،‭ ‬الطواسي‭ ‬الصغار،‭ ‬والكعك‭(. ‬بس‭ ‬السحر‭ ‬مش‭ ‬فيهم‭. ‬السحر‭ ‬في‭ ‬‮«‬وسعوا‭ ‬بالكم‮»‬،‭ ‬وفي‭ ‬‮«‬زيد‭ ‬طاسة‮»‬،‭ ‬وفي‭ ‬‮«‬احكيلي‭ ‬شن‭ ‬صار‭ ‬معاك‭ ‬اليوم‮»‬‭.‬

  ‬لمة‭ ‬العيلة‭..‬مدرسة‭ ‬بلا‭ ‬سبورة‭ ‬

قبل‭ )‬تيك‭ ‬توك‭(‬،‭ ‬وقبل‭ ‬الدروس‭ ‬الخصوصي،‭ ‬كانتْ‭ ‬‮«‬لمة‭ ‬العالة‮»‬‭ ‬هي‭ ‬المدرسة‭. 

فيها‭ ‬تعلمنا‭ ‬نحترموا‭ ‬الكبير‭ ‬لما‭ ‬يستلم‭ ‬أول‭ ‬طاسة‭. ‬وتعلمنا‭ ‬نصغوا‭ ‬لما‭ ‬بوي‭ ‬يحكي‭ ‬على‭ ‬تعب‭ ‬النهار‭. ‬وتعلمنا‭ ‬أن‭ ‬خوي‭ ‬لو‭ ‬متضايق،‭ ‬يفضفض‭ ‬لينا‭ ‬قبل‭ ‬لا‭ ‬يفضفض‭ ‬للشارع‭.‬

الأم‭ ‬ما‭ ‬كانتْ‭ ‬تعطي‭ ‬محاضرات‭ ‬في‭ ‬التربية‭. ‬تصب‭ ‬الشاهي‭ ‬وتقول‭: )‬وليد‭ ‬فلان‭ ‬دار‭ ‬كذا‭(. ‬وحني‭ ‬نفهموا‭ ‬الدرس‭. 

اللمة‭ ‬كانتْ‭ ‬فلتر‭. ‬كل‭ ‬دوة‭ ‬شارع‭ ‬تخش‭ ‬للحوش،‭ ‬تتغربل‭ ‬على‭ ‬العالة،‭ ‬تطلع‭ ‬حكمة‭.‬

  ‬الخطر‭ ..‬‭ ‬لما‭ ‬الشاشة‭ ‬تسكتْ‭ ‬السفنز‭ 

اليوم‭ ‬الخطر‭ ‬مش‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬العالة‭ ‬اختفت‭. ‬الخطر‭ ‬أنها‭ ‬قاعدة،‭ ‬لكن‭ ‬كل‭ ‬واحد‭ ‬راسه‭ ‬في‭ ‬تليفونه‭. 

نفس‭ ‬الطواسي،‭ ‬نفس‭ ‬الكعك،‭ ‬لكن‭ ‬السكات‭ ‬يقطع‭ ‬الخميرة‭. ‬الأب‭ ‬يتفرج‭ ‬على‭ ‬المباراة‭ ‬في‭ ‬صمت،‭ ‬الأم‭ ‬تقلب‭ ‬في‭ ‬انستغرام،‭ ‬والصغار‭ ‬لاهيين‭ ‬في‭ ‬قيم‭. ‬قاعدين‭ ‬في‭ ‬لمة،‭ ‬لكن‭ ‬كل‭ ‬واحد‭ ‬في‭ ‬جزيرة‭.‬

‭ )‬نتلموا‭ ‬جسدياً‭ ‬بس‭ – ‬ناكلوا‭ ‬مع‭ ‬بعض،‭ ‬بس‭ ‬ما‭ ‬نحكوا‭ ‬مع‭ ‬بعض‭(. 

وهنا‭ ‬تموت‭ ‬‮«‬الحكاية‮»‬‭. ‬تموت‭ ‬كلمة‭ )‬تي‭ ‬كيف‭ ‬حالك؟‭( ‬من‭ ‬القلب‭. ‬ويموت‭ ‬‮«‬الحمد‭ ‬لله‮»‬‭ ‬اللي‭ ‬تطلع‭ ‬بعد‭ ‬فضفضة‭.‬

صندوق‭ .. ‬وصفة‭ ‬اللمّة‭ ‬الليبية‭ ‬الأصلية‭ ‬‭ ‬

المقادير‭:‬‭ ‬كانون‭ ‬واحد‭ + ‬براد‭ ‬شاهي‭ + ‬كعك‭ +‬كاكوية‭ + ‬4‭ ‬قلوب‭ ‬فاضية‭ ‬من‭ ‬الشحن‭. 

الطريقة‭:‬‭ ‬سكروا‭ ‬التليفونات‭ ‬ساعة‭. ‬صبوا‭ ‬الشاهي‭ ‬بالدور‭. ‬احكوا‭ ‬على‭ ‬أتفه‭ ‬شيء‭ ‬صار‭ ‬اليوم‭. ‬اضحكوا‭ ‬بلا‭ ‬سبب‭. 

النتيجة‭:‬‭ ‬بيت‭ ‬دافي،‭ ‬وصغار‭ ‬ما‭ ‬يدوروا‭ ‬حنان‭ ‬برا‭.‬

  ‬الحل‭:‬‭ ‬رجعوا‭ ‬العالة‭ ‬عالة‭ 

قانون‭ ‬ساعة‭ ‬العالة‭:‬‭ ‬المغرب‭ ‬للعشاء،‭ ‬التليفونات‭ ‬في‭ ‬‮«‬سجن‭ ‬الشحن‮»‬‭. ‬ساعة‭ ‬مقدسة‭. ‬من‭ ‬يكسرها‭ ‬يحلي‭ ‬العشاء‭ ‬غدوة‭.‬

دور‭ ‬الأب‭:‬‭ ‬أنتَ‭ ‬كابتن‭ ‬اللمّة‭. ‬طفي‭ ‬التلفزيون‭. ‬ابدا‭ ‬أنتَ‭ ‬بـ«شن‭ ‬جوك‭ ‬اليوم‭ ‬يا‭ ‬بابا؟‮»‬‭. ‬لما‭ ‬الكبير‭ ‬يتكلم،‭ ‬الصغار‭ ‬يتبعوه‭.‬

دور‭ ‬الأم‭:‬‭ ‬العالة‭ ‬مش‭ ‬خدمة‭ ‬عليك‭. ‬خلي‭ ‬كل‭ ‬واحد‭ ‬يصب‭ ‬مرة‭. ‬علميهم‭ ‬أن‭ ‬‮«‬الضيافة‮»‬‭ ‬مسؤولية‭ ‬العيلة‭ ‬كلها‭ ‬مش‭ ‬مسؤوليتك‭ ‬بروحك‭.‬

دور‭ ‬الصغار‭:‬‭ ‬احكوا‭. ‬احكوا‭ ‬على‭ ‬صاحبك‭ ‬اللي‭ ‬ضحكك،‭ ‬على‭ ‬الأبلة‭ ‬اللي‭ ‬عجباتك‭. ‬الحوش‭ ‬الآمن‭ ‬هو‭ ‬اللي‭ ‬تسمع‭ ‬فيه‭ ‬مش‭ ‬اللي‭ ‬تنحكم‭ ‬فيه‭.‬

الخاتمة‭ :‬  ‬يقولوا‭ ‬‮«‬البيوت‭ ‬الليبية‭ ‬مبنية‭ ‬بالياجور‮»‬‭. ‬كذب‭. ‬البيوت‭ ‬الليبية‭ ‬مبنية‭ ‬ببخار‭ ‬الشاهي‭ ‬وضحكة‭ ‬اللمة‭. 

العالة‭ ‬هي‭ ‬الحب‭ ‬الليبي‭ ‬الخام‭. ‬لا‭ ‬فيها‭ ‬هدايا‭ ‬غالية،‭ ‬ولا‭ ‬كلام‭ ‬أفلام‭. ‬فيها‭ ‬‮«‬صبيلي‭ ‬معاك‮»‬،‭ ‬وفيها‭ ‬‮«‬دير‭ ‬بالك‭ ‬على‭ ‬خوك‮»‬،‭ ‬وفيها‭ ‬‮«‬الله‭ ‬يفتحها‭ ‬عليك‮»‬‭.‬

لو‭ ‬تبي‭ ‬تعرف‭ ‬ليبيا‭ ‬بخير‭ ‬ولا‭ ‬لا،‭ ‬ما‭ ‬تسأل‭ ‬على‭ ‬الدولار‭. ‬خش‭ ‬لأي‭ ‬حوش‭ ‬الساعة‭ ‬7‭ ‬المغرب‭. ‬لو‭ ‬لقيت‭ ‬العالة‭ ‬والعة‭ ‬واللمة‭ ‬تحكي‭ ‬وتضحك،‭ ‬اعرف‭ ‬أن‭ ‬الدنيا‭ ‬ما‭ ‬زال‭ ‬فيها‭ ‬خير‭. 

لأنَّ‭ ‬العيلة‭ ‬اللي‭ ‬تشرب‭ ‬شاهي‭ ‬مع‭ ‬بعضها‭… ‬تقعد‭ ‬مع‭ ‬بعضها‭.‬

حافظوا‭ ‬على‭ ‬العالة‭ .. ‬حافظوا‭ ‬على‭ ‬الحب‭.‬

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى