رأي

واجد‭.. ‬غير‭  ‬أمقسّم

مفتاح‭ ‬ميلود

في‭ ‬لحظاتِ‭ ‬الفقد‭ ‬الأولى،‭ ‬حين‭ ‬يتسع‭ ‬الثقبُ‭ ‬في‭ ‬الروح‭ ‬ويصبح‭ ‬الهواءً‭ ‬ثقيلاً،‭ ‬تقف‭ ‬اللغة‭ ‬عاجزة،‭ ‬تتلعثم‭ ‬مفرداتها‭ ‬أمام‭ ‬هول‭ ‬الفجيعة،‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬المساحة‭ ‬الفاصلة‭ ‬بين‭ ‬العدم‭ ‬والوجود،‭ ‬يبحث‭ ‬المكلوم‭ ‬عن‭ ‬يد‭ ‬خفيه‭ ‬تربت‭ ‬على‭ ‬قلبه‭ ‬المرتجف،‭ ‬عن‭ ‬كلمة‭ ‬صادقة‭ ‬تشبه‭ ‬حقيقته‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬اللحظة‭.‬

في‭ ‬دواخل،‭ ‬وأرياف‭ ‬برقة،‭ ‬قديمًا‭ ‬تُصاغ‭ ‬عبارات‭ ‬المواساة،‭ ‬وتُعجن‭ ‬من‭ ‬طحين‭ ‬التجربة،‭ ‬وماء‭ ‬البصيرة‭. ‬يحضر‭ ‬المعزون،‭ ‬كجزءٍ‭ ‬من‭ ‬نسيج‭ ‬يدرك‭ ‬بالفطرة‭ ‬كيف‭ ‬يرمم‭ ‬تمزقاته؟،‭ ‬من‭ ‬بين‭ ‬تلك‭ ‬التمائم‭ ‬التي‭ ‬تُهمس‭ ‬في‭ ‬أذن‭ ‬الحزين،‭ ‬عبارة‭ ‬غائرة‭ ‬في‭ ‬العمق،‭ ‬شديدة‭ ‬الكثافة،‭ ‬تُقال‭ ‬بنبرة‭ ‬خفيضة‭ ‬أقرب‭ ‬إلى‭ ‬البوح‭ )‬واجد‭ .. ‬غير‭ ‬أمقسّم‭( ..‬كلمات‭ ‬ثلاث‭ ‬تحمل‭ ‬في‭ ‬طياتها‭ ‬فهمًا‭ ‬استثنائيًا‭ ‬للعدالة‭ ‬الإلهية،‭ ‬اعتراف‭ ‬شجاع‭ ‬ومهيب،‭ ‬‮«‬واجد‮»‬‭ ‬فالهم‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الدنيا‭ ‬كثير،‭ ‬والألم‭ ‬كثيف،‭ ‬والوجع‭ ‬إذا‭ ‬ما‭ ‬تكتل‭ ‬كفيل‭ ‬بأن‭ ‬يطحن‭ ‬أعتى‭ ‬الجبال‭.‬

هذا‭ ‬الاعتراف‭ ‬أول‭ ‬درجات‭ ‬المواساة‭ ‬الحقيقية،‭ ‬فلا‭ ‬يُستخّف‭ ‬بمصاب‭ ‬المكلوم،‭ ‬ولا‭ ‬يدعوه‭ ‬إلى‭ ‬تجاوز‭ ‬حزنه‭ ‬بعجلة‭ ‬باردة،‭ ‬إنما‭ ‬يقرَّر‭ ‬له‭ ‬واقعاً‭ ‬قاسياً‭: ‬نعم،‭ ‬ما‭ ‬تمر‭ ‬به‭ ‬عظيم،‭ ‬والحياة‭ ‬بطبيعتها‭ ‬مثقلة‭ ‬بالأحزان‭ .. ‬ثم‭ ‬تأتي‭ ‬الاستدراكية‭ ‬العبقرية‭ ‬‮«‬غير‭ ‬أمقسّم‮»‬‭ )‬غير‭ ‬أنه‭ ‬مقسّم‭(‬،‭ ‬هنا‭ ‬تتجلى‭ ‬ألطاف‭ ‬الرحمة‭ ‬الربانية‭ ‬التي‭ ‬تتدخل‭ ‬لإنقاذ‭ ‬البشرية‭ ‬من‭ ‬الانهيار‭. ‬

ماذا‭ ‬لو‭ ‬أن‭ ‬حزن‭ ‬العالم،‭ ‬بمرضه‭ ‬وفقده‭ ‬وخيباته،‭ ‬سقط‭ ‬دفعة‭ ‬واحدة‭ ‬على‭ ‬كتف‭ ‬إنسان‭ ‬واحد؟،‭ ‬لكن‭ ‬رحمة‭ ‬الله‭ ‬التي‭ ‬وسعتْ‭ ‬كل‭ ‬شيء،‭ ‬أبتْ‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬تكسر‭ ‬حدة‭ ‬هذا‭ ‬الجبل،‭ ‬ففتتته‭ ‬ووزعته‭ ‬على‭ ‬أكتاف‭ ‬البشرية‭ ‬جمعاء‭.‬

مواساة‭ ‬ريفية‭ ‬عميقة،‭ ‬تضرب‭ ‬على‭ ‬الوتر‭ ‬الأكثر‭ ‬إيلاماً‭ ‬في‭ ‬قلب‭ ‬الحزين‭ ‬‮«‬الشعور‭ ‬بالعزلة‮»‬،‭ ‬فأسوأ‭ ‬ما‭ ‬في‭ ‬المصائب،‭ ‬ذلك‭ ‬الإحساس‭ ‬الوهمي‭ ‬بأن‭ ‬الكون‭ ‬قد‭ ‬استهدفك‭ ‬وحدك،‭ ‬وأنك‭ ‬تقف‭ ‬منفردًا‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬عاصفة‭ ‬لا‭ ‬ترحم،‭ ‬فتأتي‭ ‬جملة‭ ‬‮«‬واجد‭ ‬غير‭ ‬أمقَسم‮»‬‭ ‬لتنتزعك‭ ‬من‭ ‬عزلتك‭ ‬الموحشة،‭ ‬تعيدك‭ ‬إلى‭ ‬الدائرة‭ ‬الإنسانية‭ ‬الكبرى،‭ ‬تخبرك‭ ‬أن‭ ‬كل‭ ‬وجه‭ ‬تمر‭ ‬به‭ ‬في‭ ‬زحام‭ ‬الحياة،‭ ‬يخفي‭ ‬خلفه‭ ‬قصة‭ ‬فقد،‭ ‬وكل‭ ‬بيت‭ ‬موصد‭ ‬يخفي‭ ‬وراءه‭ ‬نصيبًا‭ ‬من‭ ‬الوجع،‭ ‬أنتَ‭ ‬لست‭ ‬ْوحدكَ،‭ ‬أنتَ‭ ‬جزءٌ‭ ‬من‭ ‬منظومة‭ ‬بشرية‭ ‬تتشارك‭ ‬عبء‭ ‬البقاء‭.‬

فالله‭ ‬لم‭ ‬يخلق‭ ‬الألم‭ ‬ليُهلكنا،‭ ‬بل‭ ‬قسّمه‭ ‬ليختبرنا‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يكسرنا،‭ ‬عندها‭ ‬يدرك‭ ‬المكلوم‭ ‬أن‭ ‬غصته‭ ‬هي‭ ‬جزءٌ‭ ‬من‭ ‬غصة‭ ‬أكبر‭ ‬تتوزع‭ ‬بعدالة‭ ‬خفية‭ ‬على‭ ‬أرواح‭ ‬البشر،‭ ‬ويخف‭ ‬ثقل‭ ‬اللحظة،‭ ‬وتتراخى‭ ‬قبضة‭ ‬اليأس،‭ ‬ويدرك‭ ‬أنَّ‭ ‬احتمال‭ ‬الوجع‭ ‬ممكن،‭ ‬تمامًا‭ ‬كما‭ ‬احتمله‭ ‬الذين‭ ‬من‭ ‬قبلنا،‭ ‬وكما‭ ‬سيحتمله‭ ‬الذين‭ ‬من‭ ‬بعدنا‭.‬

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى