
تعد المكتبات المدرسية من أهم الركائز التي يفترض أن تقوم عليها العملية التعليمية الحديثة، لما لها من دور أساسي في تنمية مهارات القراءة والبحث لدى الطلاب، وتعزيز قدرتهم على التعلم الذاتي، غير أن واقع هذه المكتبات يكشف عن فجوة واضحة بين الأهمية النظرية والتطبيق العملي داخل المدارس..
إذ تشير تقديرات تربوية محلية إلى أن نسبة كبيرة من المدارس التي تمتلك مكتبات فعلية لا تتجاوز 50 %، بينما لا تتعدى نسبة المكتبات المفعّلة بشكل حقيقي داخل العملية التعليمية 20-30 %، في حين يفتقر أكثر من 60 % من هذه المكتبات إلى التحديث الدوري للكتب، أو توفير مصادر معرفية حديثة، كما أن ما يقارب 70 % منها لا تحتوي على تجهيزات رقمية، أو اتصال فعّال بـ«الإنترنت»، الأمر الذي يحدّ بشكل كبير من قدرتها على أداء دورها، ورغم إدراج حصة للمكتبة في بعض المدارس، إلا أنّ نسبة الاستفادة الفعلية منها تظل منخفضة ولا تتجاوز في كثير من الحالات 25 % من الطلاب بشكل منتظم، نتيجة لضعف التخطيط وقلة التوجيه التربوي المرتبط بها.
وفي السياق ذاته لم تعد «المكتبة المدرسية» مجرد مكان لحفظ الكتب، بل هي في المفهوم الحديث مركز مصادر تعلم متكامل يُسهم في دعم المناهج الدراسية وتنمية التفكير النقدي، إلا أن هذا الدور لا يزال محدود التأثير في ليبيا بسبب نقص الإمكانات وضعف التجهيزات وقلة الكوادر المؤهلة؛ حيث تشير تقديرات غير رسمية إلى أن أقل من 30 % من القائمين على المكتبات لديهم تدريب متخصص في علوم المكتبات، أو إدارة مصادر التعلم، وهو ما يؤدي إلى ضعف استغلالها تربوياً وتحولها في كثير من الأحيان إلى فضاء مهمل داخل المدرسة، كما أن غياب السياسات التعليمية الواضحة التي تربط المكتبة بالمناهج يزيد من هذه الفجوة، إلى جانب ضعف ثقافة القراءة لدى الطلاب واعتماد النظام التعليمي بشكل كبير على التلقين.
أما فيما يتعلق بإدماج التقنية الرقمية، فهو يمثل الحل الأكثر إلحاحاً لإعادة إحياء دور المكتبات المدرسية؛ حيث يتطلب الأمر أولاً توفير بنية تحتية رقمية أساسية تشمل أجهزة حاسوب واتصالاً مستقراً بالإنترنت داخل ما لا يقل عن 80 % من المدارس كمرحلة أولى، ثم إنشاء منصات مكتبات رقمية وطنية تتيح للطلاب الوصول إلى آلاف الكتب والمراجع بصيغة إلكترونية، مما يقلل من تكلفة التحديث الورقي ويضمن استمرارية توفر المحتوى، كما يجب إدخال أنظمة إدارة مكتبات رقمية لتنظيم الإعارة والبحث والفهرسة بشكل حديث، إلى جانب تدريب المعلمين وأمناء المكتبات على استخدام التكنولوجيا التعليمية، بحيث ترتفع نسبة الكوادر المؤهلة رقمياً إلى أكثر من 70 % خلال خطة زمنية محددة، ومن الضروري أيضاً ربط المكتبة الرقمية بالمناهج الدراسية عبر تكليف الطلاب ببحوث ومشاريع تعتمد على مصادر إلكترونية، مما يعزز مهارات البحث والتحليل لديهم، ويمكن كذلك إدخال تطبيقات تعليمية ومنصات قراءة تفاعلية تشجع الطلاب على القراءة من خلال الهواتف والأجهزة اللوحية، خاصة أن نسبة استخدام الهواتف الذكية بين الطلاب تتجاوز 75%، وهو ما يمكن استثماره لصالح العملية التعليمية بدلاً من اعتباره عائقاً.
وبناءً على هذه المعطيات، يتضح أن المكتبات المدرسية في ليبيا لم تفِ بالغرض المطلوب منها حتى الآن، ليس بسبب غياب أهميتها، بل نتيجة ضعف الاستثمار فيها وغياب التحديث، إلا أن إدماج التقنية الرقمية بشكل مدروس، مدعوم بالأرقام والخطط الواقعية، يمكن أن يحولها من مرافق هامشية إلى مراكز حيوية للإبداع والتعلم، قادرة على تحسين جودة التعليم وبناء جيل يمتلك أدوات المعرفة الحديثة ومهارات التفكير التي يتطلبها العصر.



