
في ليبيا لا يبدو أن المرض هو الاختبار الأصعب، بل القدرة على الوصول إلى العلاج. فبينما ينص القانون على مجانية الرعاية الصحية، يعيش المواطن واقعًا مختلفًا تمامًا، حيث تتحول أبسط الخدمات إلى معاناة يومية.
الحقيقة التي لم يعد بالإمكان تجاهلها هي وجود نظامين صحيين داخل الدولة: أحدهما محدود ومهتز لغالبية المواطنين، وآخر أكثر استقرارًا لفئات محددة من الموظفين في قطاعات مثل: المصارف، والاتصالات، وبعض المؤسسات ذات الإيرادات المرتفعة. هذا الواقع لا يمكن وصفه إلا بكونه تمييزًا مقنّنًا، حتى وإن لم يُعلن بذلك صراحة.
المشكلة ليستْ في وجود تأمين صحي لهذه الفئات، بل في غيابه عن بقية المواطنين. فالعناية الفائقة، وحضانات حديثي الولادة، والعمليات الجراحية، وحتى الأدوية الأساسية، أصبحت خدمات غير مضمونة، وتخضع للحظ أو القدرة المالية. وهنا يفقد مبدأ «مجانية العلاج» معناه، ويتحوَّل إلى نص بلا أثر. الأكثر إشكالًا أن قانون التأمين الصحي رقم )20( لسنة 2010 ما يزال معطلًا فعليًا، دون تفسير واضح لهذا التعطيل الطويل .. فهل المشكلة في التمويل؟ أم في الإدارة؟ أم في غياب الإرادة؟
الاستمرار في هذا الوضع لا يكرّس فقط عدم العدالة، بل يضعف ثقة المواطن في الدولة، ويخلق شعورًا بأنَّ الحقوق الأساسية تُمنح لفئة دون أخرى.
الإصلاح لا يبدأ بالشعارات، بل بقرار واضح: إما تعميم التأمين الصحي بشكل عادل، أو الاعتراف صراحة بأن النظام الحالي لا يحقَّق المساواة لأن بقاء الأمور على ما هي عليه لم يعد مجرد خلَّل إداري، بل أصبح مسألة عدالة تمس كرامة كل مواطن.



