
من قلب الجنوب النابض بالأصالة، من مدينة سبها التي لطالما كانتْ منبعًا للفن والتراث، يبرز اسم الفنان عبد العزيز هواد كأحد الأعمدة التي تكابد من أجل إثبات الهوية الفنية للمنطقة الجنوبية.
في هذا اللقاء الحصري لصحيفة )فبراير( يفتح هواد قلبه ليتحدث عن رحلته التي بدأتْ من نوتات الموسيقى لتستقر على خشبات المسرح، مرورًا بشخصية «الشيخ موسى» التي حفرتْ اسمًا في ذاكرة الليبيين، وصولاً إلى طموحه في توثيق تاريخ الجهاد الليبي بعمل درامي ضخم.
بداية الرحلة..من الموسيقى إلى سحر الخشبة
لكل مبدع حكايةُ بداية، كيف كانتْ انطلاقتكَ الفنية في مدينة سبها، وكيف تحوَّل المسار من الموسيقى إلى التمثيل؟
بدايتي كانتْ مرتبطة بالنشاط المدرسي؛ حيث كنتُ مسؤولاً عن مكتب النشاط الموسيقي بمدرسة «المروج» لثلاث سنوات. لكن المنعطف الحقيقي حدث عند التحاقي بفرقة «مسرح الطفل والشباب» بسبها تحت إدارة أ.محمود عبد الله أمجبر. قدمتُ حينها أول عمل مسرحي بعنوان )كل شيء يصلح( من تأليف حمادي علي المدربي وإخراج أ.عمر صالح مسعود. هذا العمل كان «بيضة القبان» في مسيرتي؛ فقد سحرني عالم المسرح لدرجة أنني تركتُ الموسيقى وسخرتُ كل جهدي لهذا الفن.
ولا أنسى موقفًا كان وقودًا لإصراري؛ فعندما تلقينا التهاني بأول عرض، قال ليَّ أحدهم بلهجتنا العامية: )أنتَ وصلتَ حتى هنا؟(. تلك الكلمة لم تكسرني، بل جعلتني أصر على المُضِي قُدمًا، من مسرح الطفل إلى المسرح الجامعي ثم الوطني، وصولاً إلى إدارة فرقة مسرح الطفل والشباب، حتى مهامي الإدارية الحالية في الهيئة العامة للسينما، والمسرح بالمنطقة الجنوبية.
المسرح والدراما .. بين الحرية والمسؤولية
تتأرجح تجربتكَ بين المسرح، والتلفزيون؛ أين يجد عبد العزيز هواد نفسه أكثر؟، وما هي الشخصية التي تعدها الأقرب إليكَ؟
بصراحة أجد نفسي على خشبة المسرح؛ هناك أشعرُ بحرية وسلاسة أكبر في التعبير، ويكون الانسجام مع الجمهور في ذروته، خاصة في الأعمال الدرامية الجادة التي تحاكي هموم النَّاس، فأنا أميل إليها أكثر من الكوميديا.
أما تلفزيونيًا؛ فتظل شخصية «الشيخ موسى» في الجزء الخامس من مسلسل )شط الحرية( هي نقطة التحوَّل الكبرى. هذه الشخصية التي صاغها الكاتب والمخرج فتحي القابسي أثرتْ فيّ كإنسان قبل أن أكون ممثلاً، فهي تجسد الانتماء المطلق للوطن. وما زالتْ مقولتها: )الأوطان كيف الوالدين كان فرطنا فيهم ما عاد ننظروا خير( تتردد كشعار وطني يتداوله الليبيون عبر المنصات الاجتماعية.
دراما الجنوب .. كسر حاجز التهميش
لطالما عانى الفنان في الجنوب من غياب الضوء؛ كيف استطعتم مؤخرًا كسر هذا الحصار الجغرافي؟.
العائقُ الأكبر كان دائمًا غياب قناة فضائية تتبنى صوت الجنوب. لكنَّنا لم نستسلم، وبفضل الله وجهود المخلصين أقدمنا في رمضان 2026 على إنتاج أول عمل درامي خالص من المنطقة الجنوبية )نصاً وفنيين وممثلين( بقيادة المخرج مختار خالد، وهو منَّوعة )هاك ماهاك(. العمل أثار جدلاً وتساؤلات لأنه قُدم بـ )اللهجة الفزانية( الأصيلة، وكان بالنسبة ليَّ حلمًا تحقَّق لوضع فزان على الخارطة الدرامية الليبية.
رؤية نقدية .. لماذا يغيب الكاتب الليبي؟
بصفتك ممارسًا وإداريًا، ما هي العقبة التي تراها تقف أمام تطور الصناعة الدرامية في ليبيا؟.
السؤال الملحُ هو لماذا يتم تهميش الكاتب الليبي؟ نحن نفتقر إلى أرشفة ونشر أعمال كتابنا إلكترونيًا لكي يستفيد منها الآخرون، وتجسد عالميًا.
الكاتب الليبي يمتلك الحنكة والخبرة، ولدينا نماذج عالمية مثل أ.إبراهيم الكوني، لذا يجب الاهتمام بالبُنية التحتية للنصوص وتوثيقها.
طموح لا يتوقف .. ورسالة للشباب
ما هو المشروع الذي يحلم عبد العزيز هواد بتقديمه مستقبلاً؟.
حُلمي هو أن تتبنى الدولة عملاً درامياً تاريخياً ضخماً يحاكي معاناة وجهاد وتضحية الليبيين، على غرار فيلم )شيخ الشهداء عمر المختار(، على أن يُنفذ بخبرات ليبية في كافة المجالات، وأطمح أن أكون جزءًا من هذا العمل الوطني .. أما كلمتي للشباب الموهوبين في الجنوب: مشوارُ الألف ميل يبدأ بخطوة، لا تستسلموا للعوائق.
وفي الختام، أشكر أ.طارق الجحاوي على هذا الحوار الشيق، والشكر موصول لصحيفة )فبراير( على اهتمامها الدائم بالفن والفنانين.


