لا يمكن لمتابع المشهد الفني الليبي في أيامه الأخيرة إلا أن يستشعر بـ«رعشة» إبداعية تعيد ترتيب ملامح هويتنا الفنية. فما نراه اليوم ليس مجرد مهرجانات عابرة، أو لقاءات بروتوكولية، بل هو حراكٌ واعٍ يسعى لردم الفجوات بين الأصالة والتقنية، وبين المركز والأطراف، ليثبت أن «الوعي» هو الخشبة الحقيقية التي يقف عليها المبدع الليبي .. في بنغازي يتجاوز مهرجان )جابر عثمان( في نسخته الثانية فكرة الاحتفاء بذكرى فنان رحل، ليتحوَّل إلى «رسالة وفاء».. وبالانتقال إلى الجنوب النابض، نجد الفنان عبد العزيز هواد يكسر بكلماته «صمت التهميش».
إن نجاح منوعة )هاك ماهاك( بلهجة فزانية أصيلة، وتطلعه لدراما تاريخية تجسد الجهاد الليبي، هو صرخة وعي بأنّ الدراما الليبية لن تكتمل ملامحها ما لم تحضر «الروح الجنوبية» بكامل تفاصيلها النفسية والوجدانية..وعلى المستوى الدولي يأتي تفوق الفنان فرج الترهوني في تونس وحصده جائزة )التمثيل الواعد( بمسرحية «منتصف ليل البارحة».. ليكون دليلاً دامغاً على أن المسرح الجامعي هو «المختبر» الذي يُصقل فيه ذهبنا الفني.
ختاماً، فإن ما أعلنه المركز القومي للمسرح بجعل 2026 عامًا للتدريب والرقمنة، هو الخطوة التي كنا ننتظرها. إن إنشاء «مكتبة المسرح الليبي الإلكترونية» هو القرار الذي سيحمي ذاكرتنا من النسيان.
إننا اليوم أمام «ترنيمة وفاء» جماعية؛ من اجتماعات المسرح الوطني بنغازي الأخوية، إلى طموحات المركز القومي في طرابلس، وصولاً إلى إبداعات فزان.هي لحظة وعي فارقة، تقول للعالم: إن الفن في ليبيا لم يعد مجرد هواية، بل هو صناعة، وتاريخ، وقضية وطن.



