التراثية

عيون الرحالة.. ترصد آداب رمضان وعاداته

فرج غيث

لطالما استهوتْ مدن ليبيا أفئدة المغامرين والباحثين للغوص في خباياها واكتشاف كنوزها والتعرف على معالمها المنتشرة على أديم أرضها الطيبة، فقد حظيت مدن ليبية كثيرة باهتمام المستكشفين الأوروبيين، منها مدينة غدامس الجميلة، التي تقع على المثلث الحدودي لليبيا وتونس، والجزائر، وهي مركز حضري مهم في الجزء الشمالي الغربي من ليبيا، قصدها العديد من الرحالة والمستكشفين والمهتمين، واستأثرت باهتماماتهم، بما تحتوي من كنوز طبيعية، ودونوا عنها الكثير من المؤلفات، أذهلتهم آثار «تمسمودين» الرومانية المبنية بأحجار الجبس، وقصر الغول، وقصر بن عمير، وقصر مقدول، إضافة إلى القلعة العثمانية التي خُصص جزءٌ منها لمتحف غدامس، وعين الفرس ذات الشهرة التاريخية القديمة، وبحيرة مجزم، ومنطقة الرملة أهم المعالم السياحية بالمنطقة.

غدامس واحدة من أشهر المدن في شمال أفريقيا، فقد لعبتْ دورًا تجاريًا مهمًا بين شمال وجنوب الصحراء الكبرى كونها محطة للقوافل، ويقال لها مدينة القوافل لمحطتها الرئيسة من الزمن البعيد، ذكرها المؤرخ الروماني «بلينيوس» عندما تحدث عن حملة القائد الروماني «كورنيليوس بالبوس» على جنوب ليبيا عام 20 ق. م، ووصفها ابن خلدون في مقدمته: (قصورها ذات سحر وفن، وهي محطة للقوافل وباب الدخول للسودان)، كما ذكرها شهاب الدين الحموي في كتابه (معجم البلدان) بأنها: (عليها أثر بنيان عجيب)، دخلها الإسلام عام 44 هجري على يد الفاتح الصحابي عقبة بن نافع الفهري.

وبلغت ذروة مجدها في القرن الثامن عشر عندما خضعت للحكم العثماني الموجود آنذاك في ليبيا، وأصبحت مركزًا مهمًا للقوافل ونقطة للتجارة بين الحواضر الإفريقية، واحتلها الإيطاليون عام 1924م، واخضعوها لسلطتهم حتى اندحارهم منها ودخول القوات الفرنسية إليها سنة 1940م وظل الفرنسيون في غدامس حتى 1955م.

مر بها الرحالة والمغامر البولندي «كاجيمييش نوفاك» عام 1931م، أول مغامر في العالم يقطع بدراجته الهوائية القارة الأفريقية من شمالها إلى جنوبها بداية من ليبيا وحتى جنوب أفريقيا، ولا تزال رحلته لليبيا تذكر في العالم، وفي إعادة للتاريخ، وعلى خطاه قام مجموعة من أحفاده بإعادة تلك الرحلة وقطع المسافة المذكورة وبالوسائل نفسها، عادوا لها لأن «كاجيمييش نوفاك» أخبرهم عنها وقال عنها بأنها مدينة مدهشة، تختلف عن باقي المدن، شوارعها مزروعة في الأرض، وبيوتها لوحات تجسد الفن الرفيع، وتنم عن معمار هندسي أصيل ليس في مقدور أبرع المهندسين إلا أن يتوقف أمامه وقد ملأته الدهشة والأعجاب، ساحاتها ونخيلها ونسماتها الرقيقة تحكي قصص الأمجاد وتلتحف بالتاريخ، وتكتب ملامحها وأصالتها، هي عروس الصحراء وعرسها الدائم، ينبوع دهشة وواحة حنان وطيبة سكان، وتراثها مميز، مدينة اشتهر سكانها بحبهم للعلوم والدراسات بشتى مجالاتها، وشيدوها على طراز معماري مميز، قٌسم إلى ثلاثة أقسام، المدينة العتيقة حيث السور والجامع، وغابة النخيل، والمدينة الحديثة حيث المباني المستحدثة، وفي وسط المدينة عين الفرس الشهيرة. هي «كيداموس»، التي اشتهرت بتسمياتها المتعدَّدة؛ (عروس الصحراء، لؤلؤة الصحراء، زنبقة الصحراء، بوابة الصحراء، بلاد الجلد والنحاس، والتبر واللبان والعاج وريش النعام، وغدامس)، عرفت بأنها أقدم المدن الليبية، بل من أوائل المدن في العالم الآهلة بالسكان، صنّفتها منظمة الأمم المتحدة للتربية والثقافة والعلوم UNESCO الخاصة بالتراث الإنساني، ثالث أقدم مدينة آهلة بالسكان في العالم بعد مدينتي دمشق واريحا، حيث إن أقرب التواريخ المدونة عنها تعود إلى آلاف السنوات قبل الميلاد، وقد وجدت منحوتات ونقوشٌ حجرية تدل على وجود حياة في غدامس وحولها منذ 10000 سنة، ويقال إن تاريخها يعود إلى زمن النمرود بن كنعان بن سام بن نوح.

إن الوقوف على مفردات الحياة الاجتماعية، والعادات والتقاليد السائدة، ومظاهر الحياة، وأبرز المناسبات الدينية والاجتماعية، تفتح لنا الأبواب للتعرف على مأثر هذه المدينة الجميلة، التي تعرف بثقل موروثها الحضاري وتنوع روافده الثقافية، فشهر رمضان يدفع إلى السطح بظواهر وطقوس خاصة تصل ماضي المدينة بحاضرها، ويكتسي شهر رمضان في غدامس خصوصية حضارية وسلوكية جديرة بالانتباه، تجسدها منظومة متكاملة من العادات والتقاليد، التي تعكس تقديس أهلنا في غدامس لهذا الشهر، وتجندهم لتأثيثه بممارسات ذات طابع تعبدي وسلوكي واجتماعي واقتصادي أيضًا.

ولا يزال صيام شهر رمضان يلفت انتباه الأجانب الذين احتكوا بالمسلمين، سواء في بلادهم، أو أثناء زيارتهم للمدن الإسلامية خلال أيام الشهر الفضيل، وقد استغربوا من قدرة المسلمين وصبرهم على الصوم من الفجر إلى المغرب دون أكل وشرب طيلة شهر كامل، والكثير من الرحالة الأجانب زاروا ليبيا وتركوا بعض الانطباعات عن هذا الشهر الفضيل، من خلال مدوناتهم، من بينهم الرحالة البريطاني James Richardson أول مستكشف للصحراء الكبرى ما بين 1809م 1851م، وتعد ملاحظاته التي سجلها عن أيام شهر رمضان أفضل ما كتب عن الشهر الفضيل مقارنة بالملاحظات التي سجلها بقية الرحالة، وملاحظات Richardson عن شهر رمضان في مدينة غدامس تنطبق على بقية المدن الليبية لا سيما إنها توضح نظرة الأوروبيين للصوم في شهر رمضان من الناحية الدينية أكثر من أي نواحِ أخرى. 

يقول الدكتور خالد الهدار أستاذ الآثار الكلاسيكية بجامعة بنغازي: وصل Richardson إلى مدينة غدامس بعد 23 يومًا من مغادرته مدينة طرابلس وتحديدًا يوم 26 أغسطس 1845م ومكث بها ثلاثة أشهر كاملة، حيث غادرها منطلقًا إلى غات في 26 نوفمبر 1845م، ولأول مرة في حياته يحضر شهر رمضان وكان في مدينة غدامس الليبية، ومر على بقائه في غدامس أسبوعٌ كاملٌ قبل أن يبدأ شهر رمضان الذي وافق أول أيامه 4 سبتمبر 1845م، وهذا يعني بالنسبة له الأكل خفية كي لا يضايق أحدًا، واحترامًا لكل الليبيين، بالإضافة إلى مراعاة مشاعر المسلمين، وتعد هذه الفترة اطول مدة يقضيها أجنبي في مدينة غدامس، ومن ثم فهو افضل من كتب عنها في القرن التاسع عشر، وتعد ملاحظاته وانطباعاته عن المدينة مصدرًا مهمًا لمعرفة أحوال المدينة آنذاك سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا وعمرانيًا، وغيرها وقد نشرها عام 1849م في كتابه (Travels in the Great Desert of Sahara، in the Years of 1845 and 1846).

يقول Richardson: لقد بدأ العد العكسي، تدريجيا واتضحت الأمور من حولي، ما يعني تمضية شهر رمضان في مدينة غدامس، وتسألت، ما هو الوقت الذي لا يسمح فيه بالأكل والشرب، وما هي بالضبط القواعد التي يجب أن يلتزم بها كل مسلم؟، أسئلة كثيرة دارت في ذهني حتى لا أضايق الليبيون، اقمت في مدينة غدامس، وفي هذه المدينة الجميلة شاهدت عن قرب ما يحصل في شهر رمضان ولأول مرة في حياتي، وكانت لدي الكثير من الاسئلة وكنت أبحث عن إجابات لها، بداية طٌلب من اهالي غدامس الصوم بعد أن ثبتت رؤية هلال رمضان، في الليلة التي سبقت دخول الشهر، وربما كان هذا من خلال أوامر القاضي الشرعي الذي قابلته وحضرت مجلسه في شهر رمضان، وبمناسبة بداية الشهر اطلقت بعض الأعيرة النارية، واستغربت من أهالي المدينة عندما كانوا دائما يسألونني منذ أن أعلن قدوم شهر رمضان هل سأصوم مثلهم أم لا، وكان جوابي الصمت غالبا، إلا أن أهالي غدامس لم يقبلوا أن يكون بينهم مسيحي لا يشاركهم الصوم في رمضان، وقد تعرضت للإهانة عندما شربت من قربة ماء معلقة في الميدان أمام أعين احدى السيدات التي صرخت عندما رأتني افعل ذلك، فما كان مني إلا أن هربت الى منزلي مُسرعا، وقد كنت اتظاهر بالصوم أمام السكان لتجنب غضبهم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى