
منذ عام 2022، أطلقت الشركة العامة للكهرباء «GECOL» مشروع العدادات مسبقة الدفع، وكانت انطلاقته الأولى كمرحلة تجريبية في العاصمة طرابلس. ولكن بعد مرور أكثر من أربعة أعوام على بداية التطبيق، تحول هذا المشروع إلى علامة استفهام كبيرة تثقل كاهل مواطنين دون غيرهم، وتفتح الباب أمام تساؤلات ملحة حول العدالة والشفافية والاتصال المؤسسي لدى الشركة.
اليوم، يجد سكان العديد من أحياء طرابلس أنفسهم مطالبين بدفع ثمن كل كيلووات من التيار عبر مكاتب الجباية أو الخصم المباشر من حساباتهم المصرفية «بواقع 30 إلى 40 ديناراً شهرياً كقسط ثابت» ناهيك عن التعبئة المستمرة للعدادات. وفي المقابل، لا تزال مدن ومناطق أخرى خارج النطاق، حيث استطلعنا آراء مواطنين من عدة مدن تبين أن مشروع العدادات لم يطرق أبوابهم بعد، وأن استهلاك الكهرباء فيها يتم بلا حسيب ولا رقيب وبشكل مجاني تماماً.
هذا التفاوت يخلق حالة غير عادلة من الفقدان التام للعدالة في توزيع الأعباء؛ فلماذا يتحمل جزء من المواطنين أعباء التحصيل بينما يُعفى الآخرون؟
عند محاولة البحث عن بيانات رسمية تُوثق هذا المشروع، يصطدم المتابع بجدار من التعتيم. ففي زيارات متكررة للموقع الإلكتروني الرسمي للشركة، نجد شحاً في البيانات؛ باستثناء رقم وحيد يشير إلى إجمالي العدادات بالشركة «1,531,100 عداد» تحصلنا عليه في يونيو 2024م دون تفصيل لنسب التوزيع بين السكني، والتجاري، والصناعي، والزراعي، أو حتى القطاعات الحكومية والمستشفيات.
والأدهى من ذلك، أنه عند محاولة متابعة البيانات التشغيلية الأساسية كحجم التوليد المتاح والأحمال المتوقعة والعجز تصفحنا الموقع الإلكتروني في أغسطس 2025م لنجد الخانات جامدة عند الرقم «0 /وات بتاريخ …»، ولم يطرأ على الموقع الإلكتروني أي تحديث يُذكر منذ مايو 2024. أما الصفحة الرسمية على منصة “فيسبوك”، فمعظم منشوراتها ينحصر في استعراض الأعمال الفنية الروتينية لفرق الصيانة وتركيب المحولات وهي تفاصيل لا تلامس الاحتياج الأولي للمواطن البسيط، الذي يبحث عن إجابات واضحة: هل ستشهد منطقته طرح أحمال اليوم؟ وكم عدد ساعات الانقطاع؟ وما هي الأسباب؟
تفتقر الشركة العامة للكهرباء إلى استراتيجية إعلامية مهنية تراعي معايير النشر الأساسية المتعلقة بالمصلحة العامة وأهمية الخبر. فالشركة لا تتحدث في أي من منابرها عن حالة إنتاج الكهرباء اليومية، ولا عن أسباب العجز، ولا عن خريطة العدالة في تركيب العدادات.
ولعل التجسيد الأوضح لهذه الفوضى الإعلامية يكمن في موقع الشركة الإلكتروني الرسمي «www.gecol.ly»؛ فكل محاولات الوصول إليه عبر محركات البحث تنتهي بنهاية مسدودة، حيث يظهر الموقع كمحيط مهجور متوقف عن الخدمة لدى المستضيف منذ فترة، في «سقطة» تقنية وإعلامية لا تليق بمؤسسة سيادية يدخل خزينتها حسب تقرير ديوان المحاسبة لعام 2023 خصماً من الباب الرابع ما يقارب من 4.385 مليار دينار لعام 2023 عدا تخصيص مبالغ إضافية في نفس العام ب 12.5 مليار دينار من غير دعم غير المباشر للوقود والغاز المدعوم من المؤسسة الوطنية للنفط.
ويؤكد غياب الشفافية تقرير ديوان المحاسبة لعام 2023م «صفحة 356»، الذي ذكر عدم تعاون الشركة مع فرق الفحص التابعة لديوان المحاسبة الذين قم طردهم والتعرض لهم بالاعتداء اللفظي في مقر الشركة العامة للكهرباء وإجبارهم على تسليم المكتب المخصص لفرق الفحص داخل مقر الشركة بشارع النصر بمدينة طرابلس وعرقلة لجان الفحص بالشركات التابعة للشركة الليبية للكهرباء والضغط على رؤساء مجالس إدارتها بضرورة عدم تمكين الديوان من مزاولة عمله من خلال لجان الفحص بهذه الشركات. وعدم معرفة الديوان بكيفية التصرف في أموال الجباية التي شهدت ارتفاعاً كبيراً بعد تركيب العدادات مسبقة الدفع.
بين غياب الشفافية المالية وتخبط الخطاب الإعلامي، يظل المواطن هو الحلقة الأضعف؛ يدفع فواتير الكهرباء من قوته اليومي، ويعاني من طرح الأحمال وغياب العدالة في الجباية والتوزيع. لقد حان الوقت لتخرج الشركة العامة للكهرباء من دائرة الصمت والبيانات الروتينية، وتتبنى نهج الشفافية الكاملة عبر تقديم إحصائيات دقيقة وخطة زمنية شاملة تُعيد العدالة والمصداقية بينها وبين المواطن.



