سجلات

في دائرة الاهتمام.. الميراث حق شرعي حين تتحول التركة من قسمة للحقوق إلى سبب للفواجع

ليست‭ ‬كل‭ ‬الجرائم‭ ‬وليدة‭ ‬خلاف‭ ‬عابر،‭ ‬فبعضها‭ ‬يبدأ‭ ‬من‭ ‬داخل‭ ‬البيوت،‭ ‬ويتسلل‭ ‬عبر‭ ‬سنوات‭ ‬من‭ ‬الخصومة‭ ‬والصمت‭ ‬والمماطلة،‭ ‬حتى‭ ‬يتحول‭ ‬خلاف‭ ‬على‭ ‬المال‭ ‬إلى‭ ‬مأساة‭ ‬تدفع‭ ‬ثمنها‭ ‬أرواح‭ ‬بريئة‭.‬

وما‭ ‬شهدته‭ ‬مدينة‭ ‬الزاوية‭ ‬من‭ ‬واقعة‭ ‬إطلاق‭ ‬نار‭ ‬على‭ ‬أفراد‭ ‬من‭ ‬عائلة‭ ‬بسبب‭ ‬خلاف‭ ‬على‭ ‬الميراث،‭ ‬أودت‭ ‬بحياة‭ ‬طفلة،‭ ‬يعيد‭ ‬إلى‭ ‬الواجهة‭ ‬قضية‭ ‬اجتماعية‭ ‬شديدة‭ ‬الحساسية،‭ ‬تتكرر‭ ‬صورها‭ ‬في‭ ‬مجتمعاتنا،‭ ‬حين‭ ‬تتحول‭ ‬التركة‭ ‬التي‭ ‬يفترض‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬حقاً‭ ‬موزعاً‭ ‬بالعدل‭ ‬إلى‭ ‬مصدر‭ ‬للنزاع‭ ‬والقطيعة،‭ ‬بل‭ ‬وقد‭ ‬تصبح‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬الحالات‭ ‬شرارة‭ ‬لعنف‭ ‬لا‭ ‬تحمد‭ ‬عقباه‭.‬

الميراث‭ ‬ليس‭ ‬منّة‭ ‬من‭ ‬أحد،‭ ‬ولا‭ ‬ملكية‭ ‬يستأثر‭ ‬بها‭ ‬الأقوى‭ ‬أو‭ ‬الأسبق‭ ‬إلى‭ ‬وضع‭ ‬يده‭ ‬على‭ ‬التركة،‭ ‬وإنما‭ ‬هو‭ ‬حق‭ ‬شرعي‭ ‬حدّد‭ ‬الله‭ ‬أنصبة‭ ‬مستحقيه،‭ ‬وجعل‭ ‬الاعتداء‭ ‬عليها‭ ‬ظلماً‭ ‬وتعدياً‭ ‬على‭ ‬الحقوق‭.‬

وقد‭ ‬جاءت‭ ‬أحكام‭ ‬المواريث‭ ‬في‭ ‬الشريعة‭ ‬الإسلامية‭ ‬واضحة‭ ‬في‭ ‬تحديد‭ ‬حقوق‭ ‬الورثة،‭ ‬قال‭ ‬تعالى‭: ‬﴾تِلْكَ‭ ‬حُدُودُ‭ ‬اللَّهِ‭ ‬وَمَنْ‭ ‬يُطِعِ‭ ‬اللَّهَ‭ ‬وَرَسُولَهُ‭ ‬يُدْخِلْهُ‭ ‬جَنَّاتٍ‭ ‬تَجْرِي‭ ‬مِنْ‭ ‬تَحْتِهَا‭ ‬الْأَنْهَارُ﴿،‭ ‬وهي‭ ‬أحكام‭ ‬لا‭ ‬يجوز‭ ‬تعطيلها‭ ‬وفق‭ ‬الأهواء‭ ‬أو‭ ‬إخضاعها‭ ‬لموازين‭ ‬القوة‭ ‬والمصالح‭ ‬الشخصية‭.‬

فبمجرد‭ ‬وفاة‭ ‬صاحب‭ ‬التركة،‭ ‬تبدأ‭ ‬مسؤولية‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬تركته‭ ‬وفق‭ ‬الأحكام‭ ‬الشرعية‭ ‬والقانونية،‭ ‬بعد‭ ‬استكمال‭ ‬ما‭ ‬يتعلق‭ ‬بتجهيزه‭ ‬ودفنه،‭ ‬وسداد‭ ‬ديونه،‭ ‬وتنفيذ‭ ‬وصيته‭ ‬في‭ ‬حدودها‭ ‬الشرعية،‭ ‬ثم‭ ‬توزيع‭ ‬ما‭ ‬تبقى‭ ‬على‭ ‬الورثة‭ ‬المستحقين،‭ ‬كلٌّ‭ ‬بحسب‭ ‬نصيبه‭.‬

ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬نجد‭ ‬من‭ ‬يؤجلون‭ ‬القسمة‭ ‬سنوات‭ ‬طويلة،‭ ‬أو‭ ‬يستأثر‭ ‬أحد‭ ‬الورثة‭ ‬بالعقارات‭ ‬والأموال،‭ ‬أو‭ ‬يحرمون‭ ‬النساء‭ ‬من‭ ‬أنصبتهن،‭ ‬أو‭ ‬يجعلون‭ ‬موافقة‭ ‬بعض‭ ‬أفراد‭ ‬الأسرة‭ ‬شرطاً‭ ‬للحصول‭ ‬على‭ ‬حق‭ ‬ثابت،‭ ‬وكأن‭ ‬الميراث‭ ‬أصبح‭ ‬ملكاً‭ ‬لمن‭ ‬يسيطر‭ ‬عليه،‭ ‬لا‭ ‬لمن‭ ‬قررت‭ ‬لهم‭ ‬الشريعة‭ ‬نصيباً‭ ‬فيه‭.‬

والأخطر‭ ‬أن‭ ‬بعض‭ ‬هذه‭ ‬الخلافات‭ ‬لا‭ ‬تتوقف‭ ‬عند‭ ‬حدود‭ ‬الخصومة‭ ‬والمقاطعة،‭ ‬بل‭ ‬تتطور‭ ‬إلى‭ ‬تهديد‭ ‬واعتداء‭ ‬وعنف،‭ ‬وقد‭ ‬تصل‭ ‬إلى‭ ‬جرائم‭ ‬القتل،‭ ‬كما‭ ‬تذكرنا‭ ‬به‭ ‬الفاجعة‭ ‬التي‭ ‬شهدتها‭ ‬الزاوية،‭ ‬حيث‭ ‬وجدت‭ ‬طفلة‭ ‬نفسها‭ ‬ضحية‭ ‬خلاف‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬طرفاً‭ ‬فيه،‭ ‬ولم‭ ‬يكن‭ ‬لها‭ ‬فيه‭ ‬ناقة‭ ‬ولا‭ ‬جمل‭.‬

فأي‭ ‬ميراث‭ ‬هذا‭ ‬الذي‭ ‬يُطلب‭ ‬بثمن‭ ‬الدم؟‭ ‬وأي‭ ‬مال‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يعوض‭ ‬طفلاً‭ ‬حُرم‭ ‬من‭ ‬حقه‭ ‬في‭ ‬الحياة؟

إن‭ ‬مسؤولية‭ ‬الأسرة‭ ‬لا‭ ‬تنتهي‭ ‬بوفاة‭ ‬أحد‭ ‬أفرادها،‭ ‬بل‭ ‬تبدأ‭ ‬مرحلة‭ ‬جديدة‭ ‬من‭ ‬المسؤولية،‭ ‬قوامها‭ ‬حفظ‭ ‬الحقوق،‭ ‬ومنع‭ ‬الظلم،‭ ‬والاحتكام‭ ‬إلى‭ ‬الشرع‭ ‬والقانون‭ ‬عند‭ ‬الاختلاف‭. ‬كما‭ ‬أن‭ ‬واجب‭ ‬المحيط‭ ‬الاجتماعي‭ ‬لا‭ ‬يقتصر‭ ‬على‭ ‬التدخل‭ ‬للمصالحة،‭ ‬بل‭ ‬يمتد‭ ‬إلى‭ ‬رفض‭ ‬التهديد‭ ‬والعنف،‭ ‬وعدم‭ ‬التستر‭ ‬على‭ ‬الاعتداءات‭ ‬أو‭ ‬التعامل‭ ‬معها‭ ‬باعتبارها‭ ‬شأناً‭ ‬عائلياً‭ ‬خاصاً‭.‬

ومن‭ ‬الضروري‭ ‬أن‭ ‬يعي‭ ‬الجميع‭ ‬أن‭ ‬تأخير‭ ‬تقسيم‭ ‬الميراث‭ ‬دون‭ ‬مسوغ‭ ‬لا‭ ‬يحفظ‭ ‬تماسك‭ ‬الأسرة،‭ ‬بل‭ ‬قد‭ ‬يراكم‭ ‬أسباب‭ ‬النزاع،‭ ‬وأن‭ ‬اللجوء‭ ‬إلى‭ ‬الجهات‭ ‬القضائية‭ ‬المختصة‭ ‬عند‭ ‬تعذر‭ ‬الاتفاق‭ ‬هو‭ ‬الطريق‭ ‬المشروع‭ ‬لحسم‭ ‬الخلافات،‭ ‬بعيداً‭ ‬عن‭ ‬منطق‭ ‬القوة‭ ‬والانتقام‭.‬

فالتركة‭ ‬تُقسّم‭ ‬بعد‭ ‬الوفاة،‭ ‬ولا‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬تتحول‭ ‬إلى‭ ‬سبب‭ ‬لوفاة‭ ‬الأحياء‭.‬

إن‭ ‬أعظم‭ ‬ما‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تتركه‭ ‬الأجيال‭ ‬لأبنائها‭ ‬ليس‭ ‬عقاراً‭ ‬أو‭ ‬رصيداً‭ ‬مالياً،‭ ‬بل‭ ‬تربية‭ ‬تحترم‭ ‬الحقوق،‭ ‬وتخشى‭ ‬الظلم،‭ ‬وتدرك‭ ‬أن‭ ‬صلة‭ ‬الرحم‭ ‬لا‭ ‬تُصان‭ ‬بالاستيلاء‭ ‬على‭ ‬الأنصبة،‭ ‬وإنما‭ ‬بالعدل‭ ‬والإنصاف‭.‬

رحم‭ ‬الله‭ ‬الطفلة‭ ‬التي‭ ‬رحلت‭ ‬ضحية‭ ‬خلاف‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬طرفاً‭ ‬فيه‭ ‬بمدينة‭ ‬الزاوية‭ ‬،‭ ‬وحمى‭ ‬الله‭ ‬الأسر‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬تتحول‭ ‬حقوق‭ ‬الميراث‭ ‬فيها‭ ‬إلى‭ ‬خصومات‭ ‬تنتهي‭ ‬بفقدان‭ ‬أغلى‭ ‬ما‭ ‬تملك‭.‬

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى