رأي

كُلّ إثنين..

علي باني

كُنتُ‭ ‬محظوظًا‭ ‬إذ‭ ‬تفتّحتْ‭ ‬عيناي‭ ‬في‭ ‬زمنٍ‭ ‬كان‭ ‬الجميع‭ ‬متفقًا‭ ‬على‭ ‬أنّ‭ ‬السبيل‭ ‬لحياةٍ‭ ‬كريمةٍ‭ ‬هو‭ ‬العلم،‭ ‬أو‭ ‬بلغة‭ ‬أهلُ‭ ‬ذلك‭ ‬الزمان‭ (‬القرايا‭)..‬

إذ‭ ‬تبين‭ ‬لبسطاء‭ ‬النَّاس‭ ‬كيف‭ ‬تحسنت‭ ‬حياة‭ ‬من‭ ‬أتقن‭ ‬القراءة‭ ‬والكتابة‭ ‬في‭ ‬‮«‬كتاتيب‮»‬‭ ‬المدينة‭ ‬القديمة‭ ‬وغيرها‭ ‬من‭ ‬المناطق،‭ ‬ولم‭ ‬يشترِ‭ ‬بـ‭)‬الخميسية‭( ‬حمصًا،‭ ‬أو‭ ‬فولاً،‭ ‬فما‭ ‬بالك‭ ‬من‭ ‬تحصّل‭ ‬على‭ ‬شهادة‭ ‬‮«‬ابتدائية‮»‬،‭ ‬أو‭ ‬درس‭ ‬قليلاً‭ ‬من‭ ‬الإيطالية‭ ‬في‭ ‬‮«‬سكولا‭ ‬روما‮»‬‭.‬

بحسّهم‭ ‬الفطري‭ ‬أيقن‭ ‬النَّاس‭ ‬والفقراء‭ ‬منهم‭ ‬على‭ ‬وجه‭ ‬الخصوص،‭ ‬أنّ‭ ‬مستقبل‭ ‬أطفالهم‭ ‬يكمن‭ ‬في‭ ‬الاحتماء‭ ‬بالعلم،‭ ‬أمام‭ ‬جبروت‭ ‬المال‭ ‬والنفوذ،‭ ‬فكانت‭ ‬قاعاتُ‭ ‬الدراسة‭ ‬ميدان‭ ‬تنافس‭ ‬شريفٍ،‭ ‬وحكمًا‭ ‬عادلاً‭ ‬‮«‬المعلّم‮»‬‭.‬

من‭ ‬ناحيتي‭ ‬كانت‭ ‬لكلمة‭ )‬المعلم‭( ‬وقعٌ‭ ‬خاصٌ‭ ‬في‭ ‬أذني‭ ‬أكثر‭ ‬من‭: )‬مدرّس،‭ ‬أو‭ ‬أستاذ‭(‬،‭ ‬الاختلاف‭-‬هنا‭- ‬هو‭ ‬ما‭ ‬رسمته‭ ‬لاحقاً‭ ‬في‭ ‬ذهني‭ ‬بطريقة‭ ‬قد‭ ‬لا‭ ‬يقتنع‭ ‬بها‭ ‬الغير‭: ‬فالمعلم‭ ‬مَنْ‭ ‬يمنحك‭ ‬شيئاً‭ ‬غير‭ ‬موجود‭ ‬في‭ ‬الكتب،‭ ‬والمدرّسُ‭ ‬والأستاذُ‭ ‬مَنْ‭ ‬يعطيك‭ ‬المنهج‭ ‬الدراسي‭! ‬

داخل‭ ‬أسوار‭ ‬المدينة‭ ‬القديمة،‭ ‬في‭ ‬بداياتي‭ ‬المدرسية‭ ‬كنتُ‭ ‬محظوظاً‭ ‬بمعلمين‭ ‬أجِلّاء،‭ ‬تعلمتُ‭ ‬منهم‭ ‬الكثير،‭ ‬إذ‭ ‬كانت‭ ‬‮«‬سبورة‮»‬‭ ‬مدخل‭ ‬مدرسة‭ ‬الأربع‭ ‬عرصات‭ ‬تتزين‭ ‬كل‭ ‬يومٍ‭ ‬سبتٍ‭ ‬ببيت‭ ‬شِعرٍ‭ ‬يخطهُ‭ ‬مديرها‭ ‬بيده،‭ ‬أتذكر‭ ‬منها‭ ‬أبياتٍ‭ ‬محببةً‭ ‬للشيخ‭: ‬أحمد‭ ‬أبو‭ ‬منجل‭ ‬رحمه‭ ‬الله‭ ‬تقول‭:‬

لا‭ ‬تقل‭ ‬أَصلي‭ ‬وفَصلي‭ ‬أبدًا‭ ‬

‭                ‬إنما‭ ‬أصل‭ ‬الفتى‭ ‬ما‭ ‬قد‭ ‬حصل

إنما‭ ‬الورد‭ ‬من‭ ‬الشوك‭ ‬وما‭ ‬

‭                   ‬ينبت‭ ‬النرجس‭ ‬إلا‭ ‬من‭ ‬بصل

الشيخ‭ ‬سالم‭ ‬البخاري‭ ‬رحمه‭ ‬الله،‭ ‬كانت‭ ‬أبياته‭ ‬تختلف،‭ ‬فقد‭ ‬كان‭ ‬يُصرّ‭ ‬على‭ ‬كتابة‭ ‬الواجب‭ ‬المدرسي‭ ‬ولو‭ ‬على‭ )‬كاغط‭ ‬لحم‭( ‬تزيل‭ ‬بقع‭ ‬الدماء‭ ‬وتكتب‭ ‬عليه،‭ ‬وعدم‭ ‬الغياب‭ ‬من‭ ‬المدرسة‭ ‬ولو‭ ‬كنتَ‭ ‬ترتدي‭ )‬قبقاب‭( ‬إذا‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬في‭ ‬مقدور‭ ‬والدك‭ ‬شراء‭ ‬حذاء‭ ‬لك‭.‬

الشيخ‭ )‬الطاهر‭ ‬الزنتاني‭( ‬رحمه‭ ‬الله،‭ ‬كان‭ ‬يوزّع‭ ‬ابتسامته‭ ‬وفرحه‭ ‬بلقاء‭ ‬طلبته،‭ ‬مثلما‭ ‬يضع‭ ‬في‭ ‬أيديهم‭ ‬قطعة‭ ‬حلوى‭ ‬يحمل‭ ‬منها‭ ‬في‭ ‬جيب‭ ‬‮«‬الفرملة‮»‬‭ …‬

الشيخ‭ )‬العربي‭ ‬حُسني‭(‬‭ ‬كان‭ ‬يُبعد‭ ‬أجسادنا‭ ‬النحيلة‭ ‬عن‭ ‬حائط‭ ‬الفصل‭ ‬شتاءً،‭ ‬قائلاً‭: ‬نخاف‭ ‬عليكم‭ ‬من‭ ‬البرد‭.‬

أعلم‭ ‬جيدًا‭ ‬أن‭ ‬تلك‭ ‬الصورة‭ ‬البريئة‭ ‬قد‭ ‬تجاوزها‭ ‬هذا‭ ‬الزمان،‭ ‬فاختفى‭ ‬‮«‬المعلّم‮»‬‭ ‬فلم‭ ‬نعد‭ ‬نقفُ‭ ‬له،‭ ‬وحلّت‭ ‬محله‭ ‬حروفٌ‭ ‬مبتوره‭: )‬أ،‭ ‬م،‭ ‬د،‭ ‬أ‭.‬د،‭ ‬أ‭.‬د‭.‬م‭(.‬

ولم‭ ‬يعد‭ ‬العِلمُ‭ ‬يحمي‭ ‬العوام‭ ‬من‭ ‬تغول‭ ‬المال‭ ‬والنفوذ،‭ ‬فقد‭ ‬تفطّن‭ ‬مَنْ‭ ‬يملكهما‭ ‬إلى‭ ‬ضرورة‭ ‬تحييده،‭ ‬فجرّدتْ‭ ‬شريحة‭ ‬كبيرة‭ ‬من‭ ‬النَّاس‭ ‬من‭ ‬آخر‭ ‬أسلحتها‭: ‬العِلم،‭ ‬ولم‭ ‬يَعُد‭ ‬بإمكانه‭ ‬بناء‭ ‬بيوتٍ‭ ‬لا‭ ‬عِماد‭ ‬لها‭!‬

فكيف‭ ‬بالله‭ ‬عليكم‭ ‬تقاوم‭ ‬شهادة‭ ‬ختم‭ ‬جودتها‭ ‬عِلمٌ‭ ‬حقيقي،‭ ‬بأخرى‭ ‬ختم‭ ‬جودتها‭ ‬المال،‭ ‬والنفوذ،‭ ‬والنحاس‭.! .. ‬هل‭ ‬يستويان‭ ‬مثلاً؟‭!.‬

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى