فنون

ماذا فعل بنا الموسيقار الهادي الـشريف؟!

عندما‭ ‬علمتُ‭ ‬أن‭ ‬شبابًا‭ ‬من‭ ‬مدرسة‭ ‬‮«‬الفنون‭ ‬والصنائع‮»‬‭ ‬سيقدمون‭ ‬عرضًا‭ ‬موسيقيًا‭ ‬في‭ ‬دار‭ ‬‮«‬الأوبرا‮»‬‭ ‬المصرية،‭ ‬قلتُ‭ ‬لنفسي‭: ‬لو‭ ‬وجدتُ‭ ‬رفيقًااً‭ ‬فسأسافر‭ ‬إلى‭ ‬القاهرة‭ ‬لدعمهم‭ ‬وتشجيعهم‭. ‬فهؤلاء‭ ‬الشباب‭ ‬يمثلون‭ ‬ليَّ‭ ‬شيئًا‭ ‬خاصًا‭. ‬أبي‭ ‬تعلّم‭ ‬الموسيقى‭ ‬في‭ ‬مدرسة‭ ‬‮«‬الفنون‭ ‬والصنائع‮»‬،‭ ‬وأنا‭ ‬تعلمتُ‭ ‬على‭ ‬يد‭ ‬الأستاذ‭ ‬عبد‭ ‬الله‭ ‬آدم،‭ ‬الذي‭ ‬تعلّم‭ ‬الموسيقى‭ ‬في‭ ‬المدرسة‭ ‬نفسها‭. ‬وحين‭ ‬كنتُ‭ ‬صبيًا،‭ ‬كنتُ‭ ‬مثل‭ ‬هؤلاء‭ ‬الصبية،‭ ‬أخطو‭ ‬خطواتي‭ ‬الأولى‭ ‬في‭ ‬تعلّم‭ ‬العزف‭ ‬على‭ ‬آلة‭ ‬نحاسية‭. ‬سنواتٌ‭ ‬أسعدتني‭ ‬كثيراً،‭ ‬ثم‭ ‬مضت،‭ ‬وصارت‭ ‬ذكرى‭ ‬جميلة‭. ‬لكل‭ ‬هذه‭ ‬الأسباب،‭ ‬وجدتُ‭ ‬نفسي‭ ‬راغباً‭ ‬في‭ ‬السفر‭ ‬لحضور‭ ‬هذه‭ ‬المناسبة،‭ ‬خاصة‭ ‬وأن‭ ‬أوركسترا‭ ‬القاهرة‭ ‬السيمفوني‭ ‬ستعزف‭ ‬أعمالاً‭ ‬للموسيقار‭ ‬الهادي‭ ‬الشريف‭. ‬لكن‭ ‬في‭ ‬اليوم‭ ‬التالي‭ ‬بدأت‭ ‬آلام‭ ‬ظهري‭ ‬المزمنة‭ ‬تشتد،‭ ‬وكأنها‭ ‬تريد‭ ‬أن‭ ‬تفسد‭ ‬عليّ‭ ‬هذه‭ ‬الرغبة‭. ‬وقد‭ ‬وجدتُ‭ ‬الرفيق‭! ‬فقد‭ ‬أخبرني‭ ‬أخي‭ ‬الأستاذ‭ ‬الفنان‭ ‬بشير‭ ‬الغريب‭ ‬بأنه‭ ‬حجز‭ ‬رحلة‭ ‬طيران‭ ‬لحضور‭ ‬الحفل‭..‬

قلتُ‭ ‬لنفسي‭:‬‭ ‬لا‭ ‬مفر‭ ‬إذن،‭ ‬ليكن‭ ‬السفر‭ ‬رغم‭ ‬آلام‭ ‬الظهر‭ ! ‬لكن‭ ‬في‭ ‬اليوم‭ ‬التالي‭ ‬اشتدتْ‭ ‬الآلام‭ ‬إلى‭ ‬درجة‭ ‬جعلت‭ ‬السفر‭ ‬والتنقل‭ ‬أمراً‭ ‬لا‭ ‬يُحتمل،‭ ‬وصار‭ ‬من‭ ‬الحكمة‭ ‬بمكان‭ ‬أن‭ ‬ألغي‭ ‬الفكرة‭. ‬كان‭ ‬ذلك‭ ‬محزناً‭ ‬جداً‭ ! ‬وفي‭ ‬اليوم‭ ‬الذي‭ ‬تلاه‭ ‬خفّ‭ ‬الألم،‭ ‬فعُدتُ‭ ‬إلى‭ ‬قراري‭. ‬ولكي‭ ‬لا‭  ‬أتراجع‭ ‬مرة‭ ‬أخرى،‭ ‬حجزتُ‭ ‬مقعدًا‭ ‬على‭ ‬الطائرة‭ ‬ودفعتُ‭ ‬ثمنه‭. ‬لا‭ ‬رجوع‭ ‬هذه‭ ‬المرة‭! ‬حاولتُ‭ ‬إقناع‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬الأصدقاء‭ ‬بمرافقتي‭. ‬كان‭ ‬الجميع‭ ‬يتحمس‭ ‬في‭ ‬البداية،‭ ‬ثم‭ ‬يفتر‭ ‬الحماس،‭ ‬ويتراجع‭ ‬الواحد‭ ‬تلو‭ ‬الآخر‭.‬

وجاء‭ ‬موعد‭ ‬السفر‭.‬

أخذتُ‭ ‬حقنة‭ ‬لتخفيف‭ ‬الألم،‭ ‬وتوكلتُ‭ ‬على‭ ‬الله،‭ ‬وانطلقتُ‭ ‬إلى‭ ‬المطار‭. ‬وفي‭ ‬‮«‬معيتيقة‮»‬‭ ‬التقيتُ‭ ‬بالأستاذ‭ ‬بشير‭ ‬الغريب،‭ ‬وبخالد‭ ‬الهادي‭ ‬الشريف،‭ ‬نجل‭ ‬الموسيقار‭ ‬الهادي‭ ‬الشريف‭. ‬وهكذا‭ ‬بدأت‭ ‬الرحلة‭ .. ‬في‭ ‬المطار‭ ‬وبينما‭ ‬كنا‭ ‬ننتظر‭ ‬موعد‭ ‬الرحلة،‭ ‬حدثنا‭ ‬خالد‭ ‬الهادي‭ ‬الشريف‭ ‬عن‭ ‬الحكاية‭ ‬التي‭ ‬سبقتْ‭ ‬هذا‭ ‬الحفل،‭ ‬وكيف‭ ‬تبلور‭ ‬مشروع‭ ‬إعادة‭ ‬إحياء‭ ‬مؤلفات‭ ‬والده،‭ ‬عبقري‭ ‬الموسيقى‭ ‬الهادي‭ ‬الشريف،‭ ‬تلك‭ ‬الأعمال‭ ‬التي‭ ‬مرتْ‭ ‬في‭ ‬تاريخنا‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬ننتبه‭ ‬إلى‭ ‬قيمتها‭.‬

حدثنا‭ ‬خالد‭ ‬كيف‭ ‬أعاد‭ ‬تدوين‭ ‬هذه‭ ‬المؤلفات‭ ‬باستخدام‭ ‬برنامج‭ ‬حاسوبي‭ ‬متخصص‭ ‬في‭ ‬كتابة‭ ‬النوتة‭ ‬الموسيقية‭. ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬سبعمائة‭ ‬صفحة‭ ‬أعاد‭ ‬كتابتها‭ ‬بدقة‭ ‬متناهية،‭ ‬ثم‭ ‬استخدم‭ ‬البرنامج‭ ‬لتوليد‭ ‬النغمات،‭ ‬حتى‭ ‬أصبح‭ ‬بالإمكان‭ ‬الاستماع‭ ‬إلى‭ ‬هذه‭ ‬الأعمال‭.‬

وعندما‭ ‬اكتمل‭ ‬العمل‭ ‬أرسله‭ ‬إلى‭ ‬المايسترو‭ ‬أحمد‭ ‬السعيدي،‭ ‬الذي‭ ‬فوجئ‭ ‬بما‭ ‬تحمله‭ ‬مؤلفات‭ ‬الهادي‭ ‬الشريف‭ ‬من‭ ‬إبداع‭ ‬موسيقي،‭ ‬وأُعجب‭ ‬بها‭ ‬إلى‭ ‬درجة‭ ‬أنه‭ ‬أبدى‭ ‬رغبته‭ ‬في‭ ‬توزيعها‭ ‬لتؤديها‭ ‬أوركسترا‭ ‬القاهرة‭ ‬السيمفوني‭.‬

ولكن‭ ‬أين؟‭ ‬وكيف؟‭.‬

هنا‭ ‬بدأت‭ ‬رحلة‭ ‬خالد‭ ‬الأخرى،‭ ‬رحلة‭ ‬إقناع‭ ‬المسؤولين‭! ‬طرق‭ ‬أبوابًا‭ ‬كثيرة‭ ‬دون‭ ‬جدوى،‭ ‬حتى‭ ‬التقى‭ ‬بالشاعر‭ ‬الرقيق‭ ‬سالم‭ ‬العالم،‭ ‬الذي‭ ‬يشغل‭ ‬أيضًا‭ ‬منصب‭ ‬وزير‭ ‬الثقافة‭! ‬لكن‭ ‬تنفيذ‭ ‬هذه‭ ‬الأعمال‭ ‬يحتاج‭ ‬إلى‭ ‬آلاف‭ ‬الدولارات،‭ ‬وهكذا‭ ‬بدأ‭ ‬المشروع‭ ‬وكأنه‭ ‬وصل‭ ‬إلى‭ ‬طريق‭ ‬مسدود‭. ‬فنحن‭ ‬نسمي‭ ‬سالم‭ ‬العالم،‭ ‬على‭ ‬سبيل‭ ‬المزاح،‭ )‬الوزير‭ ‬المفلس‭( ..!‬

ولأن‭ ‬ذكرى‭ ‬وفاة‭ ‬الموسيقار‭ ‬الهادي‭ ‬الشريف‭ ‬توافق‭ ‬الخامس‭ ‬من‭ ‬نوفمبر،‭ ‬ولأنه‭ ‬أحد‭ ‬خريجي‭ ‬مكتب‭ ‬الفنون‭ ‬والصنائع،‭ ‬تدخلتْ‭ ‬الدكتورة‭ ‬إلهام‭ ‬الفرجاني،‭ ‬رئيس‭ ‬مجلس‭ ‬إدارة‭ ‬المدرسة،‭ ‬وناضلت‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬تضافر‭ ‬الجهود‭ ‬لإنجاز‭ ‬هذا‭ ‬المشروع‭. ‬ونجحت‭ ‬تلك‭ ‬الجهود‭ ‬في‭ ‬تحقيق‭ ‬أمرين‭: ‬أن‭ ‬تقدم‭ ‬أوركسترا‭ ‬القاهرة‭ ‬السيمفوني‭ ‬عملين‭ ‬من‭ ‬مؤلفات‭ ‬الهادي‭ ‬الشريف،‭ ‬وأن‭ ‬تسافر‭ ‬الفرقة‭ ‬الموسيقية‭ ‬حديثة‭ ‬التكوين‭ ‬في‭ ‬مكتب‭ ‬الفنون‭ ‬والصنائع،‭ ‬والمكونة‭ ‬من‭ ‬طلبة‭ ‬المدرسة،‭ ‬لتقدم‭ ‬فقرة‭ ‬موسيقية‭ ‬على‭ ‬مسرح‭ ‬دار‭ ‬الأوبرا‭ ‬المصرية‭.‬

وها‭ ‬نحن‭ ‬نستعد‭ ‬لصعود‭ ‬الطائرة‭ ‬لحضور‭ ‬هذا‭ ‬الحفل‭ ‬التاريخي‭ ‬بعد‭ ‬يومين‭. ‬ما‭ ‬إن‭ ‬أقلعت‭ ‬الطائرة‭ ‬حتى‭ ‬هاجمتني‭ ‬نوبة‭ ‬عطس‭ ‬لم‭ ‬تتوقف‭! ‬كانت‭ ‬أعراض‭ ‬نزلة‭ ‬برد‭ ‬‮«‬بنت‭ ‬كلب‮»‬‭ ‬تتمدد‭ ‬في‭ ‬جسمي،‭ ‬وما‭ ‬إن‭ ‬وصلت‭ ‬إلى‭ ‬مقر‭ ‬إقامتي‭ ‬حتى‭ ‬تمكنت‭ ‬مني‭ ‬وأردتني‭ ‬طريح‭ ‬الفراش‭. ‬كان‭ ‬همي‭ ‬الأكبر‭ ‬أن‭ ‬تنتهي‭ ‬هذه‭ ‬‮«‬بنت‭ ‬الكلب‮»‬،‭ ‬أو‭ ‬تخف‭ ‬على‭ ‬الأقل،‭ ‬خلال‭ ‬اليومين‭ ‬القادمين‭. ‬كي‭ ‬اتمكن‭ ‬من‭ ‬حضور‭ ‬الحفل‭ ‬الذي‭ ‬سافرتُ‭ ‬من‭ ‬أجله‭ ‬من‭ ‬طرابلس‭! ‬‮ ‬لكن‭ ‬ذلك‭ ‬كان‭ ‬شبه‭ ‬مستحيل‭! ‬وهكذا‭ ‬كان‭ ‬أول‭ ‬ما‭ ‬فعله‭ ‬بي‭ ‬الموسيقار‭ ‬الهادي‭ ‬الشريف‭ ‬أن‭ ‬تسبب‭ ‬ليَّ‭ ‬في‭ ‬نزلة‭ ‬برد‭ ‬شديدة‭!‬

وجاء‭ ‬موعد‭ ‬الحفل‭. ‬ولسبب‭ ‬لا‭ ‬أعرفه،‭ ‬كانت‭ ‬معظم‭ ‬الأعراض‭ ‬قد‭ ‬اختفت‭. ‬استطعتُ‭ ‬بطريقة‭ ‬ما‭ ‬أن‭ ‬ألحق‭ ‬بصديقي‭ ‬الفنان‭ ‬بشير‭ ‬الغريب،‭ ‬رفيق‭ ‬الرحلة،‭ ‬ووصلتُ‭ ‬إلى‭ ‬دار‭ ‬الأوبرا‭ ‬في‭ ‬الموعد‭. ‬كيف‭ ‬حدث‭ ‬ذلك؟‭ ‬لا‭ ‬أعرف‭! ‬لا‭ ‬بد‭ ‬أنها‭ ‬من‭ ‬خبايا‭ ‬أفعال‭ ‬الهادي‭ ‬الشريف‭! ‬ومن‭ ‬مشاهدة‭ ‬شباب‭ ‬مدرسة‭ ‬الفنون‭ ‬والصنائع‭ ‬وهم‭ ‬يقدمون‭ ‬عدة‭ ‬مقطوعات‭ ‬موسيقية‭.. ‬تخيلتُ‭ ‬نفسي‭ ‬صبياً‭ ‬أقف‭ ‬معهم‭ ‬اعزف‭ ‬آلة‭ ‬‮«‬السكسفون‮»‬‭.‬‮ ‬‭ ‬كان‭ ‬منظرهم‭ ‬وعزفهم‭ ‬ياسر‭ ‬القلب‭. ‬لكن‭ ‬الموسيقار‭ ‬الهادي‭ ‬الشريف‭ ‬لم‭ ‬يكتفِ‭ ‬بما‭ ‬فعله‭ ‬بي،‭ ‬فقد‭ ‬كان‭ ‬لصديقي‭ ‬بشير‭ ‬الغريب‭ ‬نصيب‭ ‬آخر‭ ‬من‭ ‬أفعاله‭!‬

عندما‭ ‬انتهى‭ ‬الحفل‭ ‬غادر‭ ‬بشير‭ ‬المسرح،‭ ‬إذ‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬يتوقع‭ ‬حضوري،‭ ‬ليواجه‭ ‬رحلة‭ ‬العودة‭ ‬إلى‭ ‬مقر‭ ‬إقامتنا‭ ‬في‭ ‬‮«‬مدينتي‮»‬،‭ ‬شرق‭ ‬القاهرة‭. ‬وبشير‭ ‬من‭ ‬النَّوع‭ ‬الذي‭ ‬يعشق‭ ‬التنقل‭ ‬بالمواصلات‭ ‬العامة‭. ‬فهو‭ ‬يستعيد‭ ‬من‭ ‬خلالها‭ ‬ذكرياته‭ ‬الخاصة‭ ‬حين‭ ‬كان‭ ‬يقيم‭ ‬في‭ ‬القاهرة‭ ‬منذ‭ ‬سنوات‭.‬

قرَّر‭ ‬أن‭ ‬يستقل‭ ‬‮«‬المترو‮»‬‭ ‬إلى‭ ‬العتبة،‭ ‬ثم‭ ‬الأتوبيس‭ ‬إلى‭ ‬حدائق‭ ‬القبة،‭ ‬ثم‭ ‬الميكروباص‭ ‬إلى‭ ‬مدينة‭ ‬نصر،‭ ‬ومنها‭ ‬يستقل‭ ‬الأتوبيس‭ ‬الخاص‭ ‬بمنطقة‭ ‬مدينتي‭! ‬لكن‭ ‬الوقت‭ ‬كان‭ ‬متأخراً،‭ ‬واكتشف‭ ‬ان‭ ‬آخر‭ ‬اتوبيس‭ ‬كان‭ ‬قد‭ ‬غادر‭ ‬واكتشف‭ ‬أن‭ ‬شحن‭ ‬هاتفه‮  ‬‭ ‬‮«‬زيرو‭ ‬‮»‬0‭. ‬حاول‭ ‬أن‭ ‬يتذاكى،‭ ‬وعرف‭ ‬من‭ ‬النَّاس‭ ‬أن‭ ‬هناك‭ ‬مواصلات‭ ‬تسير‭ ‬على‭ ‬طول‭ ‬طريق‭ ‬السويس‭ ‬الشهير؛‭ ‬حيث‭ ‬تقع‭ ‬مدينتي‭. ‬ولكن‭ ‬أين‭ ‬يجد‭ ‬الأتوبيس؟‭ ‬كان‭ ‬عليه‭ ‬أن‭ ‬يمشي‭ ‬مسافة‭ ‬طويلة‭ ‬حتى‭ ‬يصل‭ ‬إلى‭ ‬الموقف‭ ‬المسمى‭ ‬أربعة‭ ‬ونصف‭. ‬‮ ‬وبعناده‭ ‬المعتاد،‭ ‬مشى‭ ‬ووصل،‭ ‬رغم‭ ‬الألم‭ ‬الذي‭ ‬سببه‭ ‬له‭ ‬الحذاء‭ ‬الجديد‭ ‬الذي‭ ‬ارتداه‭ ‬مع‭ ‬بدلته‭ ‬الأنيقة‭ ‬خصيصًا‭ ‬لحضور‭ ‬حفل‭ ‬موسيقى‭ ‬الهادي‭ ‬الشريف‭ !‬

ركب‭ ‬السيد‭ ‬بشير‭ ‬الأتوبيس‭ ‬الصغير،‭ ‬وأخبر‭ ‬‮«‬الكمسري‮»‬‭ ‬بأن‭ ‬محطته‭ ‬هي‭ ‬‮«‬مدينتي‮»‬‭. ‬انطلق‭ ‬الأتوبيس،‭ ‬وخلع‭ ‬بشير‭ ‬حذاءه‭ ‬ليريح‭ ‬قدميه‭ ‬المتعبتين‭. ‬ثم‭ ‬نام‭! ‬وخلال‭ ‬نومه‭ ‬غادر‭ ‬‮«‬الكمسري‮»‬‭ ‬الأتوبيس‭ ‬فقد‭ ‬كانت‭ ‬آخر‭ ‬رحلة،‭ ‬وعندما‭ ‬نادى‭ ‬السائق‭ ‬بأن‭ ‬المحطة‭ ‬القادمة‭ ‬هي‭ ‬‮«‬مدينتي‮»‬،‭ ‬كان‭ ‬بشير‭ ‬يغط‭ ‬في‭ ‬نوم‭ ‬عميق‭! ‬وحين‭ ‬استيقظ،‭ ‬كان‭ ‬الأتوبيس‭ ‬قد‭ ‬وصل‭ ‬إلى‭ ‬محطته‭ ‬الأخيرة‭ ‬في‭ ‬مدينة‭ ‬اخرى‭ ‬تسمى‭ ‬مدينة‭ ‬‮«‬بدر‮»‬‭! ‬اكتشف‭ ‬بشير‭ ‬أنه‭ ‬صار‭ ‬بعيدًا‭ ‬عن‭ ‬مدينتي،‭ ‬فشرح‭ ‬للسائق‭ ‬ما‭ ‬حدث‭. ‬كان‭ ‬السائق‭ ‬قد‭ ‬‮«‬سخفه‮»‬‭ ‬هذا‭ ‬الليبي‭ ‬التائه،‭ ‬فسأله‭:‬

ــ‭ ‬اسمك‭ ‬إيه‭ ‬يا‭ ‬أستاذ‭ ‬؟‭.‬

ــ‭ ‬بشير‭ ‬الغريب‭.‬

فرد‭ ‬السائق‭:‬

‭-‬‭ ‬اسم‭ ‬على‭ ‬مسمى‭! ‬تائه‭ ‬وغريب،‭ ‬وكمان‭ ‬اسمك‭ ‬الغريب‭! ‬ولأن‭ ‬بشير‭ ‬‮«‬صُعب‭ ‬عليه‮»‬،‭ ‬قرَّر‭ ‬السائق‭ ‬أن‭ ‬يعيده‭ ‬وحده‭ ‬إلى‭ ‬مدينتي،‭ ‬بل‭ ‬ومجاناً‭! ‬كنتُ‭ ‬أنتظره،‭ ‬وحين‭ ‬وصل‭ ‬كان‭ ‬الإعياء‭ ‬قد‭ ‬نال‭ ‬منه،‭ ‬والحذاء‭ ‬أيضًا‭ ‬نال‭ ‬منه‭ ‬ما‭ ‬نال‭! ‬وكانت‭ ‬الساعة‭ ‬الرابعة‭ ‬والنصف‭! ‬‮ ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬فعله‭ ‬الموسيقار‭ ‬الهادي‭ ‬الشريف‭ ‬بصديقي‭ ‬بشير‭ ‬الغريب‭! ‬لكن‭ ‬الفعلة‭ ‬الكبرى‭ ‬للموسيقار‭ ‬الهادي‭ ‬الشريف‭ ‬كانت‭ ‬ما‭ ‬فعلته‭ ‬بنا‭ ‬موسيقاه‭ ‬العبقرية‭. ‬جلستُ‭ ‬في‭ ‬مقعدي‭ ‬في‭ ‬دار‭ ‬الأوبرا،‭ ‬أضع‭ ‬كمامة‭ ‬على‭ ‬وجهي،‭ ‬وأقاوم‭ ‬ما‭ ‬تبقى‭ ‬من‭ ‬نوبات‭ ‬العطس‭. ‬وبدأتْ‭ ‬الأوركسترا‭ ‬تعزف‭ ‬العمل‭ ‬الأول‭: ‬‮«‬علاء‭ ‬الدين‭ ‬والمصباح‭ ‬السحري‮»‬‭. ‬وهي‭ ‬متتالية‭ ‬أوركسترالية‭ ‬‮«‬Orchestral Suite‮»‬‭ ‬تتكون‭ ‬من‭ ‬عشر‭ ‬حركات‭ ‬موسيقية‭.‬

كانت‭ ‬الموسيقى‭ ‬ساحرة،‭ ‬مثل‭ ‬مصباح‭ ‬علاء‭ ‬الدين‭ ‬نفسه‭! ‬أخذتنا‭ ‬إلى‭ ‬عالم‭ ‬روح،‭ ‬إلى‭ ‬نغمات‭ ‬انسيابية‭ ‬تتدفق‭ ‬في‭ ‬تناغم‭ ‬بديع‭. ‬وكانت‭ ‬أوركسترا‭ ‬القاهرة‭ ‬السيمفوني‭ ‬تعزف‭ ‬بروح‭ ‬كنتُ‭ ‬أراها‭ ‬على‭ ‬وجوه‭ ‬العازفين،‭ ‬وفي‭ ‬درجة‭ ‬انسجامهم‭ ‬وغوصهم‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬حركة‭ ‬موسيقية‭. ‬أما‭ ‬المايسترو‭ ‬أحمد‭ ‬السعيدي،‭ ‬فكان‭ ‬يقود‭ ‬الأوركسترا‭ ‬وهو‭ ‬يكاد‭ ‬يرقص،‭ ‬من‭ ‬شدة‭ ‬انسجامه‭ ‬مع‭ ‬نغمات‭ ‬العبقري‭ ‬الهادي‭ ‬الشريف‭. ‬ثم‭ ‬جاءتْ‭ ‬المتتالية‭ ‬الأوركسترالية‭ ‬‮«‬معركة‭ ‬الهاني‮»‬،‭ ‬فكانتْ‭ ‬إبداعاً‭ ‬آخر،‭ ‬أخذنا‭ ‬إلى‭ ‬أعماق‭ ‬الحدث‭ ‬التاريخي،‭ ‬وكأنَّ‭ ‬الموسيقى‭ ‬تعيد‭ ‬تصوير‭ ‬المعركة‭ ‬أمامنا‭.‬

هذه‭ ‬هي‭ ‬أفعال‭ ‬موسيقى‭ ‬الهادي‭ ‬الشريف‭!‬‭ ‬لقد‭ ‬نسيتُ‭ ‬المرض‭ ‬تمامًا،‭ ‬وشعرتُ‭ ‬وكأنَّ‭ ‬الموسيقى‭ ‬قد‭ ‬شفتني‭ ‬من‭ ‬نزلة‭ ‬البرد،‭ ‬التي‭ ‬هانت‭ ‬أمام‭ ‬متعة‭ ‬الاستماع‭ ‬إلى‭ ‬هذه‭ ‬الأعمال‭ ‬البديعة‭. ‬أما‭ ‬بشير،‭ ‬فكانت‭ ‬آخر‭ ‬عبارة‭ ‬قالها‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يخلد‭ ‬إلى‭ ‬النَّوم،‭ ‬بعد‭ ‬رحلته‭ ‬الشاقة،‭ ‬أنه‭ ‬مستعد‭ ‬للسير‭ ‬على‭ ‬قدميه‭ ‬إلى‭ ‬القاهرة‭ ‬مرة‭ ‬أخرى‭ ‬ليستمع‭ ‬إلى‭ ‬موسيقى‭ ‬الهادي‭ ‬الشريف‭. ‬لكنه‭ ‬أضاف‭ ‬شرطاً‭ ‬واحداً‭: )‬المرة‭ ‬الجاية‭ ‬نمشي‭ ‬حفيان‭!(.‬

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى