رأي

عدالة الفقراء في زمن الفساد.. للدكتورة فائزة الباشا

 

قال تعالى : ( وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ * أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لا يَشْعُرُونَ)   –   سورة البقرة   الآيتان 11-12، (فمن نسيج الإنسان الفاسد لم يصنع أي شيء مستقيم أبداً)، ولقد بات جليا بأن تفشي الفساد في مجتمع من المجتمعات يقوض حقه في التنمية ويهدّد أمنه واستقراره لما يتسبب به من تدمير للقيم الأخلاقية التي تكفل له التماسك والقوة اللازمة لمواجهة المتغيرات التي تطرأ بحكم التطور المجتمعي باعتبار الحراك الاجتماعي ظاهرة طبيعية،  ويؤدى إلى فقدان التوازن الثقافي والاجتماعي والاقتصادي وكذلك السياسي، حيث تسيطر معايير القيم المادية على الحياة الخاصة والعامة على حد سواء، وتنهار العلاقات الهشة التي قوامها الشخصنة والمصلحة الخاصة على حساب مصالح مجموع الأفراد، ويصبح لكل شيء ثمن يقاس به الكلمة الإعلامية وتصريف الأمور الإدارية والاعتمادات والقرارات الإدارية والمشاريع الاقتصادية التنموية ، وتنتشر الرذيلة وتزدهر؛ وتنتهك حقوق الأفراد والمجتمع في آن واحد ، فلا نتمكن من الحصول على حقوقنا إلا بالواسطة وبمقدار ما نقدمه من تنازلات وما نهدره من كرامة إنسانية كرمها الخالق العظيم، وفي زمن الفساد تباح المحظورات وتصبح السياسات رهنا بالذات الأنانية، وينهار المجتمع بإفلات الفاسدين من العقاب، بمنحهم حصانات وظيفية تمنحهم صك يقيد السلطة القضائية من إتخاذ إجراءات التحقيق الابتدائي في مواجهتهم.

بتفشي الفساد لن يمثل أمام العدالة إلا صغار المجرمين، والمجرمون الفقراء، ممن تدفعهم الظروف إلى ارتكاب جرائمهم لتحسين أوضاعهم، فهذه تبيع جسدها لهل مسؤول لتنال الرضا وتحصل على مكانة أو مال يجعلها مح إحترام مجتمع لا يهتم بمصادر أموالك، ويشرعن لثقافة الفساد، وشاب يبيع ذمته من أجل تحسين وضعه، فابن المسؤول الذي  يمتلك سيارة فارهة ليس أفضل منه، ولن يقبل بأن ينظر إليه بإحتقار.

إن الفقر بمختلف صوره، فقر الحاجة، وفقر القدرة في تأمين قوت اليوم للعيش بكرامة تحفظ إنسانيته الذي أمرنا الله عز وجل  أن نتكاتف لتجاوزها بإخراج الزكاة والصدقة وأضيف إليه الفقر العلائقي لمن لا تربطه بالآخرين علاقات مصلحية أو اجتماعية في المجتمعات التي تحكمها وتسودها العلاقات الشخصية لا سيادة القانون، ليس بأخطر أنواع الفقر، بل الفقر الذي يصف حالة اللاعدالة المتمثل في فقر الجهاز القضائي عندما لا يطبق القانون إلا على ضعاف الحال والمساكين ، وهم أنفسهم من تعرقل قضاياهم بسبب بطء العدالة لأسباب مختلفة منها تفشي الفساد في الجهاز الأمني والقضائي لأن صاحب الحق لا قبيلة تدعمه أو لا يملك مال لشراء ذمة الآخر، فتعم حالة اللاعدالة.

تحرم عدالة الفقراء المجتمع من إرساء دعائم العدالة الاجتماعية لأن دور القضاء لا يقتصر فقط على تطبيق القانون على القضايا المنظورة أمامه، بل هو الأداة التي تكفل ضمان احترام حقوق الإنسان وتمتعه بحقوقه وحرياته، ولا عدالة في مجتمع يفلت فيه أصحاب النفوذ والسلطان والمال من العقاب أو يعاملوا معاملة استثنائية.

وينظر المجتمع الدولي إلى العدالة كمعيار أساسي لسيادة القانون ويعتمد على مؤشرات عد لتقييم الأوضاع في مقدمتها استقلال القضاء ونزاهة القضاة وتوافر معايير المحاكمة العادلة تشريعا وممارسة، إذ لا يكفي أن ينص قانونا الإجراءات الجنائية الليبي على مبدأ شفاهية المرافعة وتعقد جلسات المحاكمة في المكاتب بما لا يسمح للجمهور بالحضور.

وأين نحن من العدل الذي أمرنا به ديننا الحنيف، لقول لنبينا صل الله عليه وسلم لمن أراد أن يشفع في حد من حدود الله، لو فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها، وعدل عمر رضى الله عنه الذي جاء إليه رجل من أهل وقال له : (يا أمير المؤمنين قد تسابقت مع ابن العاص والي مصر فسبقته فضربني بسوطه وقال لي أنا ابن الأكرمين،  فكتب عمر بن الخطاب إلى عمرو بن العاص : إذا أتاك كتابي هذا فالتحضر إلى ومعك ابنك فلما حضروا أعطى عمر بن الخطاب السوط للرجل المصري ليضرب ابن عمرو قائلاً لهه : أضرب ابن الأكرمين).

إن إرساء دعائم العدل من القيم الأساسية لنهضة الأمة وبناء الإنسان، لذلك يجب على القضاة وأعضاء النيابة ومأموري الضبط القضائي القيام بدورهم لتحقيق العدالة وإنصاف أصحاب الحقوق، ولنواجه معا ثقافة الفساد فلا يفلت المتهمين من العقاب، الذي لا يجب أن يكون عقوبة سالبة للحرية بل بديل عقابي يحقق أغراض العقاب مثل خدمة المجتمع، مما يوجب تعديل قانون العقوبات، وتعديل قانون الإجراءات الجنائية والمرافعات المدنية، لتلغي الحصانات، وتحدد آجال نظر القضايا المدنية والجنائية، كي لا تظل القضايا امتداولة إلى ما يزيد عن عشر سنوات، وينظر القضاء المستعجل خلال سنتين أو أكثر،  ولنتقي الله في أهلنا ووطننا وفي أنفسنا، (إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه)، وجميعنا مسؤول عن شعور المواطن بالأمن والأمان الذي لا يتوقف عند توفير الأمن الشخصي للمسؤولين بل أمن المواطن بأبعاده المختلفة.

ولنتذكر قوله تعالى : (وإذا حكمتم بين النَّاس أن تحكموا بالعدل).

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى