هدرزة

أروقة‭ ‬المحاكم قارب‭ ‬لم‭ ‬يصل‭..‬وملف‭ ‬لم‭ ‬يغلق

عبير المحجوب

‭ ‬من‭ ‬مجمع‭ ‬المحاكم،‭ ‬حيث‭ ‬تختلط‭ ‬رائحة‭ ‬الورق‭ ‬القديم‭ ‬بأنفاس‭ ‬الانتظار،‭ ‬جلستُ‭ ‬أراقب‭ ‬الوجوه‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تُنادى‭ ‬الأسماء‭. ‬هنا‭ ‬لا‭ ‬تُروى‭ ‬القصص‭ ‬كاملة،‭ ‬بل‭ ‬تظهر‭ ‬شذراتها‭: ‬نظرة‭ ‬شاردة،‭ ‬يد‭ ‬ترتجف،‭ ‬صمت‭ ‬أثقل‭ ‬من‭ ‬الكلام‭.‬

حين‭ ‬فُتح‭ ‬باب‭ ‬القاعة،‭ ‬دخل‭ ‬شاب‭ ‬في‭ ‬أواخر‭ ‬العشرينيات،‭ ‬نحيل‭ ‬الجسد،‭ ‬عيناه‭ ‬غائرتان‭ ‬كمن‭ ‬لم‭ ‬ينم‭ ‬منذ‭ ‬أسابيع‭. ‬كان‭ ‬يرتدي‭ ‬قميصًا‭ ‬باهت‭ ‬اللون،‭ ‬لا‭ ‬يشبه‭ ‬صور‭ ‬“الحلم‭ ‬الأوروبي”‭ ‬التي‭ ‬تُباع‭ ‬على‭ ‬شاشات‭ ‬الهواتف‭. ‬هذا‭ ‬أحد‭ ‬المتهمين‭ ‬في‭ ‬قضية‭ ‬الهجرة‭ ‬غير‭ ‬الشرعية‭.‬

القصة‭ ‬كما‭ ‬بدأتْ

بحسب‭ ‬محضر‭ ‬القضية،‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬المتهم‭ ‬“منظمًا‭ ‬محترفًا”،‭ ‬بل‭ ‬حلقة‭ ‬في‭ ‬سلسلة‭ ‬أطول‭. ‬شاب‭ ‬عاطل‭ ‬عن‭ ‬العمل‭ ‬منذ‭ ‬سنوات،‭ ‬تنقّل‭ ‬بين‭ ‬أعمال‭ ‬مؤقتة‭ ‬لا‭ ‬تكفي‭ ‬لسد‭ ‬أبسط‭ ‬الاحتياجات‭. ‬ومع‭ ‬تزايد‭ ‬الضغوط،‭ ‬وجد‭ ‬نفسه‭ ‬وسيطًا‭: ‬يجمع‭ ‬أسماء،‭ ‬ينسّق‭ ‬مواعيد،‭ ‬ويقود‭ ‬الطريق‭ ‬إلى‭ ‬الساحل‭.‬

في‭ ‬اعترافاته،‭ ‬لم‭ ‬ينكر‭. ‬قال‭ ‬بهدوء‭ ‬خالٍ‭ ‬من‭ ‬البطولة‭:‬

‮«‬ما‭ ‬كنتش‭ ‬نحلم‭ ‬نطلع‮…‬‭ ‬كنت‭ ‬نحلم‭ ‬نعيش‮»‬

لم‭ ‬يتحدث‭ ‬عن‭ ‬البحر‭ ‬كعدو،‭ ‬بل‭ ‬كخيار‭ ‬أخير‭. ‬وعن‭ ‬القارب،‭ ‬لم‭ ‬يصفه‭ ‬بالنجاة‭ ‬ولا‭ ‬بالموت،‭ ‬بل‭ ‬بـ“الفرصة”‭. ‬الفرصة‭ ‬التي‭ ‬انتهت‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تبدأ،‭ ‬بعد‭ ‬مداهمة‭ ‬أمنية‭ ‬أحبطت‭ ‬الرحلة،‭ ‬وأنقذت‭ ‬عشرات‭ ‬الأرواح،‭ ‬وفتحت‭ ‬هذا‭ ‬الملف‭ ‬القضائي‭.‬

داخل‭ ‬القاعة

النيابة‭ ‬سردت‭ ‬الوقائع‭ ‬بلغة‭ ‬القانون‭: ‬تسهيل‭ ‬الهجرة‭ ‬غير‭ ‬الشرعية،‭ ‬تجميع‭ ‬أشخاص،‭ ‬التنسيق‭ ‬مع‭ ‬مهربين،‭ ‬تعريض‭ ‬أرواح‭ ‬للخطر‭.‬

أما‭ ‬الدفاع،‭ ‬فبنى‭ ‬مرافعته‭ ‬على‭ ‬الهشاشة‭ ‬الاجتماعية،‭ ‬وغياب‭ ‬البدائل،‭ ‬وانسداد‭ ‬الأفق‭ ‬الاقتصادي‭.‬

كان‭ ‬الصمت‭ ‬هو‭ ‬الحكم‭ ‬الأول‭. ‬حتى‭ ‬القاضي،‭ ‬وهو‭ ‬يقلّب‭ ‬الملف،‭ ‬بدا‭ ‬كمن‭ ‬يقرأ‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬نص‭ ‬قانوني؛‭ ‬يقرأ‭ ‬واقعًا‭ ‬يتكرر‭.‬

وصف‭ ‬الجاني‮…‬‭ ‬بلا‭ ‬شيطنة

لا‭ ‬يحمل‭ ‬ملامح‭ ‬“مجرم‭ ‬محترف”‭. ‬لا‭ ‬سجل‭ ‬جنائي‭ ‬سابق‭. ‬لا‭ ‬مظاهر‭ ‬ثراء‭. ‬هاتفه‭ ‬قديم،‭ ‬ومحادثاته‭ ‬بسيطة،‭ ‬مليئة‭ ‬بعبارات‭ ‬من‭ ‬نوع‭: ‬“اصبروا”،‭ ‬“الدور‭ ‬قريب”،‭ ‬“ربي‭ ‬يسهل”‭.‬

هو‭ ‬متهم،‭ ‬نعم‭. ‬لكنه‭ ‬أيضًا‭ ‬نتاج‭ ‬بيئة‭ ‬دفعت‭ ‬الكثيرين‭ ‬إلى‭ ‬الحافة‭.‬

الإطار‭ ‬القانوني‭ (‬بدقة‭)‬

يُعاقب‭ ‬القانون‭ ‬الليبي‭ ‬الهجرة‭ ‬غير‭ ‬الشرعية‭ ‬بموجب‭ ‬القانون‭ ‬رقم‭ (‬19‭) ‬لسنة‭ ‬2010‭ ‬بشأن‭ ‬مكافحة‭ ‬الهجرة‭ ‬غير‭ ‬الشرعية،‭ ‬والذي‭ ‬ينص‭ ‬على‭:‬

تجريم‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬يسهّل‭ ‬أو‭ ‬ينظّم‭ ‬أو‭ ‬يموّل‭ ‬الهجرة‭ ‬غير‭ ‬الشرعية‭.‬

عقوبات‭ ‬سالبة‭ ‬للحرية‭ ‬قد‭ ‬تصل‭ ‬إلى‭ ‬السجن،‭ ‬مع‭ ‬غرامات‭ ‬مالية‭ ‬متفاوتة‭ ‬بحسب‭ ‬الدور‭ ‬والنتائج‭.‬

تشديد‭ ‬العقوبة‭ ‬إذا‭ ‬ترتب‭ ‬على‭ ‬الفعل‭ ‬تعريض‭ ‬الأرواح‭ ‬للخطر‭ ‬أو‭ ‬وجود‭ ‬شبكة‭ ‬منظمة‭.‬

القانون‭ ‬واضح‭: ‬النية‭ ‬لا‭ ‬تُلغي‭ ‬الجريمة،‭ ‬والظرف‭ ‬الاجتماعي‭ ‬لا‭ ‬يرفع‭ ‬المسؤولية،‭ ‬لكنه‭ ‬قد‭ ‬يُؤخذ‭ ‬في‭ ‬الاعتبار‭ ‬عند‭ ‬تقدير‭ ‬العقوبة‭.‬

ما‭ ‬وراء‭ ‬الحكم

هذه‭ ‬القضايا‭ ‬لا‭ ‬تنتهي‭ ‬بالحكم‭ ‬فقط‭. ‬تنتهي‭ ‬مؤقتًا،‭ ‬لتعود‭ ‬بأسماء‭ ‬أخرى،‭ ‬وملفات‭ ‬جديدة‭. ‬فالهجرة‭ ‬غير‭ ‬الشرعية‭ ‬ليست‭ ‬مجرد‭ ‬خرق‭ ‬قانوني،‭ ‬بل‭ ‬مؤشر‭ ‬على‭ ‬خلل‭ ‬أعمق‭: ‬حين‭ ‬يصبح‭ ‬البحر‭ ‬خيارًا،‭ ‬وتصبح‭ ‬المخاطرة‭ ‬عقلانية‭ ‬في‭ ‬ميزان‭ ‬اليأس‭.‬

وبخطى‭ ‬مثقلة‭ ‬

وأنا‭ ‬أغادر‭ ‬القاعة،‭ ‬بقي‭ ‬السؤال‭ ‬معلقًا‭: ‬هل‭ ‬نُحاكم‭ ‬الفعل‭ ‬فقط،‭ ‬أم‭ ‬نجرؤ‭ ‬على‭ ‬مواجهة‭ ‬أسبابه؟

في‭ ‬أروقة‭ ‬المحاكم،‭ ‬تُغلق‭ ‬الملفات‭.. ‬لكن‭ ‬في‭ ‬الشوارع،‭ ‬وعلى‭ ‬السواحل،‭ ‬تظل‭ ‬القصة‭ ‬مفتوحة‭.‬

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى