فنون

الهوية البصرية والوظيفة المعمارية في الجنوب الليبي (باب الكرناف أنموذجاً)

تقرير/ منى بن هيبة

 

يعد‭ ‬البابُ‭ ‬في‭ ‬العمارة‭ ‬التقليدية‭ ‬بالجنوب‭ ‬الليبي‭ ‬العنصر‭ ‬الفاصل‭ ‬بين‭ ‬الفضاء‭ ‬العام،‭ ‬والخصوصية‭ ‬الأسرية،‭ ‬وتبرز‭ ‬في‭ ‬قرى‭ ‬ومناطق‭ ‬فزان‭ ‬نماذج‭ ‬فريدة‭ ‬للأبواب‭ ‬المصنوعة‭ ‬من‭ ‬مخلفات‭ ‬النخيل،‭ ‬وتحديداً‭ ‬الكرناف‭ ‬‮«‬قواعد‭ ‬السعف‮»‬،‭ ‬كشاهد‭ ‬على‭ ‬عبقرية‭ ‬الاستخدام‭ ‬الأمثل‭ ‬للموارد‭ ‬المحلية‭ ‬المتاحة‭ ‬وتطويعها‭ ‬لخدمة‭ ‬الإنسان‭.‬

التحليل‭ ‬التكويني‭ ‬والجمالي

الوحدة‭ ‬البنائية‭:‬‭ ‬يعتمد‭ ‬التكوين‭ ‬على‭ ‬رص‭ ‬ميكانيكي‭ ‬لقطع‭ ‬‮«‬الكرناف‮»‬‭ ‬العريضة؛‭ ‬حيث‭ ‬يتم‭ ‬اختيار‭ ‬القطع‭ ‬المتشابهة‭ ‬في‭ ‬الحجم‭ ‬لضمان‭ ‬التناظر‭.‬

النسق‭ ‬البصري‭:‬‭ ‬يظهر‭ ‬الباب‭ ‬في‭ ‬شكل‭ ‬حراشف‭ ‬متداخلة،‭ ‬مما‭ ‬يعطي‭ ‬إيحاءً‭ ‬بالحصانة‭ ‬والمنعة‭. ‬تكرار‭ ‬الأشكال‭ ‬المثلثة‭ ‬المقلوبة‭ ‬يخلق‭ ‬إيقاعاً‭ ‬بصرياً‭ ‬يكسر‭ ‬جمود‭ ‬الجدران‭ ‬الطينية‭ ‬المحيطة‭.‬

الارتباط‭ ‬البيئي‭:‬‭ ‬اللون‭ ‬الداكن‭ ‬المكتسب‭ ‬من‭ ‬عوامل‭ ‬التعرية‭ ‬يمنح‭ ‬الباب‭ ‬قيمة‭ ‬جمالية‭ ‬تاريخية؛‭ ‬حيث‭ ‬يتناغم‭ ‬لونه‭ ‬مع‭ ‬التربة‭ ‬الصحراوية،‭ ‬والأسقف‭ ‬المصنوعة‭ ‬من‭ ‬الجريد‭ )‬كما‭ ‬يظهر‭ ‬في‭ ‬الجزء‭ ‬العلوي‭ ‬من‭ ‬الصورة‭(.‬

‭ ‬الجانب‭ ‬الوظيفي‭ ‬والهندسي

المتانة‭ ‬والأمان‭:‬‭ ‬يوفر‭ ‬‮«‬الكرناف‮»‬،‭ ‬بطبيعته‭ ‬الليفية‭ ‬القوية،‭ ‬درعاً‭ ‬صلباً‭ ‬ضد‭ ‬محاولات‭ ‬الاختراق‭. ‬كما‭ ‬أن‭ ‬تداخله‭ ‬يمنع‭ ‬وجود‭ ‬ثغرات،‭ ‬مما‭ ‬يحقَّق‭ ‬الخصوصية‭ ‬الكاملة‭ ‬داخل‭ ‬المسكن‭.‬

العزل‭ ‬الحراري‭:‬‭ ‬تمتاز‭ ‬ألياف‭ ‬النخيل‭ ‬بقدرة‭ ‬عالية‭ ‬على‭ ‬عزل‭ ‬الحرارة‭ ‬الخارجية،‭ ‬مما‭ ‬يُسهم‭ ‬في‭ ‬تلطيف‭ ‬درجة‭ ‬الحرارة‭ ‬داخل‭ ‬بيت‭ ‬الأجداد‭ ‬خلال‭ ‬فترات‭ ‬الصيف‭ ‬اللاهب‭.‬

الاستدامة‭ ‬والترميم‭:‬‭ ‬يمثل‭ ‬هذا‭ ‬الباب‭ ‬نموذجاً‭ ‬للاقتصاد‭ ‬الدائري‭ ‬قديماً؛‭ ‬فهو‭ ‬يعتمد‭ ‬على‭ ‬مواد‭ ‬قابلة‭ ‬للتحلل‭ ‬كلياً،‭ ‬وسهلة‭ ‬الاستبدال‭ ‬في‭ ‬حال‭ ‬التلف‭ ‬الجزئي‭ ‬دون‭ ‬الحاجة‭ ‬لتغيير‭ ‬الهيكل‭ ‬البشري‭ ‬للباب‭.‬

القيمة‭ ‬الثقافية‭ ‬والاجتماعية

يعكس‭ ‬هذا‭ ‬النَّوع‭ ‬من‭ ‬الأبواب‭ ‬ثقافة‭ ‬الاكتفاء‭ ‬الذاتي‭ ‬في‭ ‬القرى‭ ‬القديمة‭ ‬بالجنوب؛‭ ‬حيث‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬الباب‭ ‬مجرد‭ ‬أداة‭ ‬للقفل،‭ ‬بل‭ ‬كان‭ ‬تعبيراً‭ ‬عن‭ ‬التلاحم‭ ‬مع‭ ‬النخلة‭ ‬كعنصر‭ ‬أساسي‭ ‬للحياة‭.‬

إنّ‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬هذه‭ ‬التفاصيل‭ ‬هو‭ ‬حفاظ‭ ‬على‭ ‬الذاكرة‭ ‬الجمعية‭ ‬للمنطقة‭ ‬وتوثيق‭ ‬لنمط‭ ‬حياة‭ ‬اتسم‭ ‬بالبساطة‭ ‬والصلابة‭ ‬في‭ ‬آن‭ ‬واحد‭.‬

يمثل‭ ‬هذا‭ ‬الباب‭ ‬في‭ ‬الصورة‭ ‬نموذجاً‭ ‬فريداً‭ ‬للهندسة‭ ‬الشعبية‭ ‬الفطرية‭ ‬في‭ ‬الجنوب‭ ‬الليبي؛‭ ‬حيث‭ ‬تتجلى‭ ‬فيه‭ ‬عبقرية‭ ‬الإنسان‭ ‬في‭ ‬تطويع‭ ‬الطبيعة‭ ‬القاسية‭ ‬لخلق‭ ‬أمانه‭ ‬الخاص‭.‬

التكوين‭ ‬البصري‭ ‬والجمالي

التناظر‭ ‬العضوي‭:‬‭ ‬يظهر‭ ‬الباب‭ ‬بتكرار‭ ‬إيقاعي‭ ‬لما‭ ‬يُعرف‭ ‬بالكرناف‭ )‬قواعد‭ ‬سعف‭ ‬النخيل‭ ‬العريضة‭(.‬

هذا‭ ‬التوزيع‭ ‬المنظم‭ ‬يعطي‭ ‬شكلاً‭ ‬هرمياً‭ ‬مقلوباً‭ ‬يتكرَّر‭ ‬بانتظام،‭ ‬مما‭ ‬يمنح‭ ‬الباب‭ ‬هوية‭ ‬بصرية‭ ‬تشبه‭ ‬الدروع‭ ‬المتراصة‭.‬

الملمس‭ ‬واللون‭:‬‭ ‬يطغى‭ ‬اللون‭ ‬الخشبي‭ ‬الداكن‭ ‬الذي‭ ‬اكتسب‭ ‬وقاره‭ ‬من‭ ‬حرارة‭ ‬شمس‭ ‬الصحراء،‭ ‬مع‭ ‬تباين‭ ‬واضح‭ ‬بين‭ ‬ملمس‭ ‬الكرناف‭ ‬الخشن‭ ‬وبين‭ ‬الجدران‭ ‬الطينية‭ ‬البيضاء‭ ‬المتهالكة‭ ‬‮«‬المجيرة‮»‬،‭ ‬مما‭ ‬يخلق‭ ‬لوحة‭ ‬بصرية‭ ‬تنتمي‭ ‬تماماً‭ ‬للأرض‭.‬

الخطوط‭ ‬الهندسية‭:‬‭ ‬استُخدمت‭ ‬الأربطة‭ ‬من‭ ‬الألياف‭ ‬لتعزيز‭ ‬التماسك،‭ ‬مما‭ ‬أضاف‭ ‬خطوطاً‭ ‬أفقية‭ ‬سوداء‭ ‬تكسر‭ ‬حدة‭ ‬التكرار‭ ‬الرأسي‭ ‬للكرناف‭.‬

الوظيفة‭ ‬الحياتية‭ ‬والأمان

الصلابة‭ ‬الدفاعية‭:‬‭ ‬رغم‭ ‬بساطة‭ ‬المواد،‭ ‬فإن‭ ‬تراص‭ ‬‮«‬الكرناف‮»‬‭ ‬فوق‭ ‬بعضه‭ ‬بأسلوب‭ ‬الحراشف‭ ‬يجعل‭ ‬من‭ ‬الباب‭ ‬كتلة‭ ‬صلبة‭ ‬يصعب‭ ‬اختراقها‭ ‬أو‭ ‬تسلقها،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬ضرورياً‭ ‬قديماً‭ ‬لحماية‭ ‬الأسر‭ ‬داخل‭ ‬القرى‭.‬

العزل‭ ‬الحراري‭:‬‭ ‬النخيلُ‭ ‬مادة‭ ‬رديئة‭ ‬التوصيل‭ ‬للحرارة‭. ‬في‭ ‬صيف‭ ‬الجنوب‭ ‬الملتهب،‭ ‬يعمل‭ ‬هذا‭ ‬الباب‭ ‬كمصد‭ ‬حراري‭ ‬يمنع‭ ‬انتقال‭ ‬القيظ‭ ‬إلى‭ ‬داخل‭ ‬الغرف‭ ‬الطينية،‭ ‬محتفظاً‭ ‬ببرودة‭ ‬الظل‭ ‬في‭ ‬الداخل‭.‬

الخصوصية‭:‬‭ ‬يوفر‭ ‬الباب‭ ‬ستراً‭ ‬كاملاً‭ ‬للبيت‭ ‬بمواد‭ ‬لا‭ ‬تترك‭ ‬ثغرات‭ ‬للرؤية،‭ ‬مع‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬خفة‭ ‬وزن‭ ‬نسبية‭ ‬مقارنة‭ ‬بجذوع‭ ‬النخل‭ ‬الكاملة‭.‬

‭ ‬توظيف‭ ‬عناصر‭ ‬الطبيعة‭ ‬‮«‬الاستدامة‭ ‬التقليدية‮»‬

تصفير‭ ‬النفايات‭:‬‭ ‬تعامل‭ ‬الأجداد‭ ‬مع‭ ‬النخلة‭ ‬ككيان‭ ‬لا‭ ‬يُرمى‭ ‬منه‭ ‬شيء‭. ‬استخدام‭ ‬الكرناف‭ -‬الذي‭ ‬قد‭ ‬يراه‭ ‬البعض‭ ‬مخلفات‭- ‬لتحويله‭ ‬إلى‭ ‬بوابة‭ ‬حصينة‭ ‬هو‭ ‬قمة‭ ‬الذكاء‭ ‬البيئي‭.‬

التأقلم‭ ‬مع‭ ‬البيئة‭:‬‭ ‬الباب‭ ‬مصنوع‭ ‬من‭ ‬ذات‭ ‬المكونات‭ ‬التي‭ ‬بُنيت‭ ‬منها‭ ‬السقوف‭ ‬‮«‬الجريد‭ ‬والجذوع‮»‬،‭ ‬مما‭ ‬يجعل‭ ‬البيت‭ ‬وحدة‭ ‬واحدة‭ ‬متجانسة‭ ‬مع‭ ‬التربة‭ ‬المحيطة‭.‬

البقاء‭ ‬والترميم‭:‬‭ ‬هذه‭ ‬الأبواب‭ ‬تمتاز‭ ‬بسهولة‭ ‬الترميم؛‭ ‬فإذا‭ ‬تلف‭ ‬كرناف‭ ‬واحد،‭ ‬يمكن‭ ‬استبداله‭ ‬بقطعة‭ ‬جديدة‭ ‬من‭ ‬أقرب‭ ‬نخلة‭ ‬دون‭ ‬الحاجة‭ ‬لهدم‭ ‬الباب‭ ‬بالكامل‭.‬

خلاصة‭ ‬القول‭:‬‭ ‬هذا‭ ‬الباب‭ ‬ليس‭ ‬مجرد‭ ‬أداة‭ ‬للقفل،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬رسالة‭ ‬صامتة‭ ‬تحكي‭ ‬قصة‭ ‬صمود‭ ‬الإنسان‭ ‬في‭ ‬فزان‭ ‬والجنوب‭ ‬الليبي،‭ ‬وكيف‭ ‬استطاع‭ ‬بموارد‭ ‬بسيطة‭ ‬جداً‭ ‬أن‭ ‬يبني‭ ‬حصناً‭ ‬دافئاً‭ ‬يجمع‭ ‬بين‭ ‬الهيبة‭ ‬الوظيفية‭ ‬والجمال‭ ‬الفطري‭.‬

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى